شكل وصول ائتلاف سيريزا اليساري الراديكالي إلى سدة الحكم في اليونان دليلا قاطعا على تغير الخريطة السياسية في أوروبا، نظرا لصعود العديد من الأحزاب اليسارية الراديكالية في مختلف الدول الأوروبية، خصوصا تلك التي ضربتها الأزمة المالية منذ سنة 2008، وهو ما دفع الحكومات الأوروبية إلى سن إجراءات تقشف تمثلت في اقتطاعات كبيرة في الأجور وتسريح للعمال وزيادات في الضرائب. وأدت معارضة معظم الأحزاب اليسارية الراديكالية لسياسات التقشف التي أثقلت كاهل المواطنين الأوروبيين إلى التفافهم حول هذه الأحزاب التي ترفض تطبيق سياسات التقشف التي تمليها المفوضية الأوروبية والبنك الأوروبي وصندوق النقد الدولي. بناء على هذا الوضع، أصبحت العديد من هذه الأحزاب، إضافة إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة، تنافس بقوة على الفوز بالانتخابات والوصول إلى مراكز القرار بالدول الأوروبية. ويحمل تغير الخريطة السياسية في أوروبا بين جنباته تحولا في علاقة بعض الدول الأوروبية مع المغرب، لا سيما أن العديد من هذه الأحزاب الصاعدة قد أعلنت عن مواقف تهم المغرب، على رأسها قضية الصحراء المغربية،   تؤيد بعض هذه الأحزاب جبهة البوليساريو الانفصالية وتنادي بإجراء استفتاء حول تقرير المصير بالصحراء. كما تطالب عدة أحزاب يسارية راديكالية بإلغاء اتفاقية الصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب بسبب قضية الصحراء، وهناك أيضا من ينادي بمقاطعة البضائع المغربية القادمة من الأقاليم الجنوبية. وفيما يلي بعض الأحزاب الأوروبية التي سطع نجمها مؤخرا، والتي تتبنى مواقف لا تخدم مصالح المغرب الإستراتيجية، حسب المساء

 

حزب «بوديموس» الإسباني

رغم أن هذا الحزب يتبنى إيديولوجية يسارية راديكالية، إلا أنه تراجع عن مطالبته الحكومة الإسبانية بإرجاع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين إلى المغرب، وذلك لأسباب انتخابية. في المقابل، شدد الحزب الصاعد بقوة في المشهد السياسي الإسباني على دعمه لجبهة البوليساريو، حيث يدعو إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير بالأقاليم الصحراوية.

رغم أنه حزب جديد، تشكل في فبراير 2014، اكتسح حزب «بوديموس» (قادرون) المشهد السياسي الإسباني بقوة، فقد أدت مواقفه المتمثلة في معارضة سياسات التقشف المفروضة على إسبانيا من قبل المفوضية الأوروبية والبنك الأوروبي وصندوق النقد الدولي، ومطالبته الحكومة الإسبانية بإعادة هيكلة الديون الإسبانية مع الاتحاد الأوروبي، وإلغاء إجراءات الاقتطاعات في أجور الموظفين إلى جذبه لنسبة كبيرة من الناخبين الإسبانيين، خصوصا الشباب، وحصل على نتائج جد مهمة في انتخابات البرلمان الأوروبي في ماي 2014، كما بوأته استطلاعات الرأي صدارة الأحزاب السياسية الإسبانية خلال الأشهر الماضية. ورغم أن الحزب شهد تراجعا خلال الشهر الأخيرـ إلا أنه أصبح يشكل معادلة صعبة في المشهد السياسي الإسباني ويهدد استمرار الثنائية القطبية بين الحزب الشعبي والاتحاد الاشتراكي العمالي الإسباني، اللذين تعاقبا على الحكم طيلة أربعين عاما. والدليل على ذلك، طرح الرئيس الإسباني، ماريانو راخوي، إمكانية الدخول في تحالف مع منافسه التقليدي، الحزب العمالي الإسباني، فقط لسد طريق زعيم حزب «بوديموس» الشاب المثير للجدل بابلو إغليسياس نحو قصر لامونكلوا الرئاسي.

كان حزب «بوديموس» يطالب بإرجاع مدينتي سبتة ومليلية إلى المغرب، إلا أن معارضة الناخبين الإسبانيين لهذه الفكرة، دفعت حزب بابلو إغليسياس إلى التراجع عن موقفه، لكنه متشبث بدعم جبهة البوليساريو الانفصالية وبإجراء استفتاء حول تقرير المصير بالأقاليم الصحراوية، وفق تصريحات نائبه في البرلمان الأوروبي، بابلو إيتشينيكي.

وسبق لزعيم هذا الحزب، بابلو إغلسياس، أن شارك في ندوة للبوليساريو في مدريد عقدت السنة الماضية، وأعلن تأييده لما يسمى جمهورية الصحراء، بل وطالب حكومة مدريد الحالية برفع مستوى العلاقات مع جبهة البوليساريو.

 

حزب اليسار الموحد

يصنّف «حزب اليسار الموحد» الذي تم تأسيسه سنة 1986 في خانة الأحزاب اليسارية الراديكالية الإسبانية، ويعتبر من أشد الأحزاب الإسبانية التي تتبنى إيديولوجيات مناوئة لمصالح المغرب، سواء تعلق الأمر بملف الصحراء أو بمقاطعة المنتوجات المغربية القادمة من الأقاليم الجنوبية.

يشدد الأمناء العامون المتعاقبون على حزب اليسار الموحد على مساندتهم لجبهة البوليساريو الانفصالية، ويدعون إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير بالصحراء المغربية، وهو الموقف الذي كان يدافع عنه الأمين العام السابق للحزب، كايو لارا، وأكده الزعيم الجديد للحزب، الشاب ألبيرتو غارسون. كما يمارس هذا الحزب الراديكالي ضغوطات قوية على الحزبين الرئيسيين بإسبانيا، الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، لاتخاذ مواقف «حازمة» ضد المغرب في مجلس الأمن الدولي، وذلك لتمكين ما يعتبره الحزب اليساري «حق الشعب الصحراوي لتقرير المصير والاستقلال» وتكوين الجمهورية الوهمية.

ولأنه في العلاقات الدبلوماسية الدولية لا صوت يعلو فوق صوت المصالح، فإن هذا الحزب الذي طالما قاد حملة معارضة اتفاقية الصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، تحت ذريعة صيد الأسطول الأوروبي في المياه الصحراوية، التي يعتبر أن سيادتها لم تحسم بعد، توجت بإلغاء الاتفاقية سنة 2011، فقد انقلب حزب اليسار الموحد على عقبيه، وأصبح يقود حملة داخل أروقة البرلمان الأوروبي للضغط على المغرب لكي يرخص للأسطول البحري الأوروبي بالعودة إلى الصيد في المياه المغربية، بعد الأزمة التي سببها إلغاء اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي للأسر الأندلسية التي تعيش نسبة كبيرة منها على عائدات الصيد بالمياه المغربية.

 

حزب «سيودادانوس»

يشهد المشهد السياسي الإسباني تغيرا جذريا، حيث لم يعد محتكرا من الحزبين الرئيسيين، الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني. فبعد اكتساح حزب «بوديموس» للساحة السياسية الإسبانية، طفا على السطح حزب آخر، هو حزب «سيودادانوس» بزعامة الشاب «البيرت ريبيرا». وحقق الحزب الصاعد نتائج غير مسبوقة في انتخابات البرلمان الأوروبي سنة 2014، واحتل المركز الثالث بفارق يسير عن الحزبين التقليدين وفقا لاستطلاعات الرأي الأخيرة التي قامت بها مؤسسة «ميتروسكوبيا» المختصة في دراسات الرأي العام الإسباني. وتشير التوقعات إلى فوز الحزب الصاعد ب 21,5 % من الأصوات في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في 20 دجنبر المقبل، خلف الحزب الشعبي 23.4 %، والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني 23.5 %.

وأصبح هذا الحزب يشكل تهديدا حقيقيا للحزبين التقليديين، خصوصا الحزب الشعبي، بما أن حزب «سيودادانوس» يعتبر هو الآخر حزبا يمينيا، وأصبح من الحتمي دخول هذا الحزب في الحكومة الإسبانية المقبلة، لأن جميع الأحزاب المنافسة تريد الدخول في تحالف مع هذا الحزب الجديد، عكس الحزب الشعبي الذي تستبعد معظم الأحزاب الإسبانية المنافية الدخول معه في تحالف حكومي جديد. وهو ما ينذر بتغير محتمل في السياسة الخارجية الإسبانية وعلاقتها مع المغرب، إذ أن حزب «سيودادانوس» سبق له أن أعلن موقفه من قضية الصحراء المغربية، المتمثل في الدعم المطلق لجبهة البوليساريو الانفصالية ودعوته إلى إجراء استفتاء حول تقرير المصير.

 

حزب العمال الديمقراطي السويدي

هو الحزب الأكبر والأعرق بالسويد. تأسس سنة 1889. سنة 1917 وقع انقسام بالحزب تشكل على إثره تحالف بين الشيوعيين والثوريين اليساريين نتج عنه هذا الحزب اليساري العريق. رئيس الحزب حاليا هو ستيفان لوفين.

يعتبر حزب العمال الديمقراطي السويدي مهندس الرفاه الاجتماعي الذي تعيشه السويد منذ عقود، حيث يحظى المواطنون السويديون بأحد أعلى نسب الدخل الفردي في العالم، كما يعتبر أحد أبرز الأحزاب في العالم التي تطبق فعليا النموذج الاجتماعي الديمقراطي في التنمية.

لم يكن المغاربة يعلمون عن هذا الحزب إلا النذر اليسير قبل سعي هذا الحزب السويدي إلى الضغط على البرلمان السويدي سنة 2012 للاعتراف رسميا بما يسمى «الجمهورية الصحراوية». وذكرت مصادر إعلامية أن هذا الحزب، الذي له وزنه وثقله في السويد وأوروبا، هو الذي تزعم هذه المبادرة. ويتجلى ثقل حزب العمال الديمقراطي السويدي في الشعبية الكبيرة التي يحظى بها في البلد الإسكندنافي، شعبية مكنته من المشاركة في الحكومات السويدية خلال 70 سنة من أصل 90 سنة الأخيرة، وهو ما يجعل قراراته ومبادراته قابلة للتطبيق بنسبة كبيرة.

ولكي نأخذ صورة عن قوة هذا الحزب ووزنه داخل السويد خاصة وأوروبا عامة، يكفي أن نعلم أنه هو الذي أطلق مبادرة الاعتراف بفلسطين كدولة، وهو ما تحقق سنة 2014 رغم موقف الاتحاد الأوروبي المعارض وضغوطات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

وعمليا يقارن الحزب السويدي القضية الفلسطينية بملف الصحراء المغربية، ويصنفهما في خانة ما يعتبره «تصفية الاستعمار»، وتستغل جبهة البولساريو الانفصالية وداعمتها الجزائر هذا الوضع لحث الحزب على تأييد أطروحة الجبهة الانفصالية وإجراء استفتاء حول تقرير المصير بالأقاليم الصحراوية. وخلال السنوات الأخيرة، أصبح ملف الصحراء حاضرا في اهتمامات الأحزاب السياسية والهيئات الحقوقية السويدية بسبب اهتمام هذا الحزب بقضية الصحراء.

بناء على ما سبق، أخذت مواقف هذا البلد تسير نحو دعم جبهة البوليساريو الانفصالية في أطروحتها ضد الوحدة الترابية للمغرب، ومن ذلك مصادقة البرلمان السويدي قبل فتر قصيرة على قرار يدعو الحكومة إلى الاعتراف بما يسمى «الجمهورية الصحراوية»، إضافة إلى تصريحات لوزيرة الخارجية السويدية التي تسير في نفس الاتجاه.

وفي هذا السياق، أكد تاج الدين الحسيني، الخبير في العلاقات الدولية، أنه عند وصول الحكومة السويدية الجديدة المكونة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، قامت بتفعيل مواقف كان قد اتخذها البرلمان السويدي في دجنبر 2012.

 

تيار اليسار الراديكالي في الحزب العمالي البريطاني بزعامة جيريمي كوربين

ما زال الحزب العمالي البريطاني يحسب على يسار الوسط في بريطانيا، ويرجع تاريخه إلى سنة 1900 حين تكونت لجنة لتمثيل العمال في البرلمان البريطاني. وجد الحزب جذوره في تنظيمات خارج البرلمان، فقد كان عبارة عن اتحاد لجماعات معينة تميزت بالتنوع، من أهمها نجد: حركة نقابات العمال، مجموعة الجمعيات الاشتراكية والاتحاد الماركسي الاشتراكي الديمقراطي. أصبح الحزب منذ عام 1924 ثاني أكبر الأحزاب في بريطانيا وتولى الحكم أول مرة في الفترة من 1929 و1931.

وكما ذكرنا سابقا، يعتبر هذا الحزب ثاني أهم حزب في بريطانيا، لكن الخبر السيئ بالنسبة للمغرب هو انتخاب السياسي البريطاني جيريمي كوربين، الذي ينتمي إلى التيار اليساري الراديكالي للحزب، والذي يترأس لجنة التضامن مع البوليساريو في البرلمان البريطاني، أمينا عاما لحزب العمال البريطاني. وهو ما قد يجعل مواقف بريطانيا غير مريحة بالنسبة للمغرب في قضية الصحراء، خصوصا أن السلطات المغربية سبق أن اتهمته بتحريض الصحراويين على العنف والتظاهر خلال زيارته للأقاليم الجنوبية للمملكة.

ويعد هذا الزعيم اليساري البريطاني من أكبر المساندين لجبهة البوليساريو في البرلمان البريطاني، ويأتي صعوده للأمانة العامة للحزب بعد استقالة الأمين العام السابق للحزب «ميلباند» عقب هزيمة الحزب في الانتخابات التشريعية التي جرت خلال ماي الماضي.

وكان السياسي البريطاني قد عمل، في مناسبات عديدة، على عرض نقاشات حول قضية الصحراء وحول جبهة البوليساريو في البرلمان البريطاني، كما سبق أن زار الأقاليم الجنوبية للمملكة، وحدث توتر مع السلطات المغربية التي اتهمته بتحريض الصحراويين على العنف والتظاهر، كما قام السياسي البريطاني بتنظيم ندوة في البرلمان البريطاني حول الصحراء المغربية.

عادة ما تفضل الدبلوماسية المغربية نهج سياسة النعامة والتقليل من أهمية صعود أحزاب أوروبية تتبنى مواقف مناوئة للمغرب في القضية الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية، لكن الواقع يقول عكس ذلك. وعليه، يجب على الحكومة المغربية الاستعداد للتكيف مع المتغيرات التي تعيشها الساحة السياسية الأوروبية، والتي تشهد صعودH مستمرا للأحزاب اليسارية الراديكالية أو الأحزاب اليمينية المتطرف، التي بطريقة أو بأخرى تتبنى مواقف لا تخدم مصالح المغرب.

 

29/10/2015