صادق البرلمان بغرفتيه على القانون 01-17 لانضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي أياماً قليلة قبل انعقاد القمة الثامنة والعشرين لهذه المنظمة القارية يومي 30 و31 يناير 2017، والتي ستقرر في طلب المغرب الانضمام إلى هذه المنظمة القارية بعد غياب دام حوالي 32 سنة. وهو غياب فرضته الانحرافات التي عرفتها منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 بقبول عضوية كيان لا يستجيب لشروط العضوية التي كان يحددها الفصل الرابع من ميثاقها، ومنها أن يكون العضو “دولة مستقلة وذات سيادة”. وهو الشرط الذي لا يتوفر “لجمهورية تندوف” المزعومة إلى يوم الناس هذا. لذلك حرص النظام الجزائري الذي عبث بقوانين المنظمة الإفريقية بأساليب غير أخلاقية، أن يزيل هذه المادة من القانون التأسيسي للمنظمة “الجديدة” بعد تسميتها “الاتحاد الإفريقي” سنة 2000.

 

وهو عمل معروف في علم الإجرام بالرغبة في إخفاء أثر الجريمة بعد ارتكابها، ولكن ما خفي على دبلوماسية العسكر الجزائري أنّه ليست هناك جريمة كاملة. ولذلك سيقفون اليوم أمام “محكمة” القمة الإفريقية كمجرمين مارسوا التزوير والنصب والاحتيال والتضليل على الدول الإفريقية، مع سبق الإصرار والترصد. وخلال فصول المحاكمة سيتبين دور كل المشاركين في الجريمة بما في ذلك الأمين العام للوحدة الإفريقية آنذاك المدعو آدم كودجو، الذي سهل الجريمة مقابل حقائب البترودلار.

 

من المفيد أن تستعيد الدبلوماسية المغربية هذه التفاصيل سواءٌ أثناء مرافعتها أو من خلال وثيقة يتم توزيعها كوثيقة رسمية خلال القمة الإفريقية. ذلك بأنّ كثيراً من رؤساء ووفود الدول الإفريقية، قد تغيب عنهم التفاصيل التاريخية لإقحام الكيان الوهمي في المنتظم الإفريقي. فالغياب الطويل للمغرب عن هذه المنظمة جعل الأجيال الجديدة من الرؤساء والدبلوماسيين الأفارقة فريسة للدعاية السوداء للانفصاليين وراعيتهم الرسمية جارتنا الشرقية. ولا شك أن مساءلة أعداء المغرب من فوق منبر الاتحاد الإفريقي بالأدلة والإثباتات، سيمكن المغرب من الدخول من أوسع الأبواب إلى الاتحاد الإفريقي.

 

وفي نفس الوقت سيُظهر أعداء المغرب على حقيقتهم وعلى رؤوس الأشهاد، مما سيجعلهم في وضعية لا يحسدون عليها أخلاقياً وقانونياً.

 

ولن نجد مدخلاً أفضل من هذا لولوج المحفل الإفريقي وعلى رؤوسنا أكاليل الغار. في حين سيخرج من الباب الخلفي كلّ أولئك الذين مارسوا الكذب والتضليل على الرؤساء الأفارقة، وخرقوا الميثاق الإفريقي واستعملوا الرشوة “الكبرى” لتحقيق أهداف دنيئة ضدّ دولة يعرف الأفارقة أنها احتضنت ومولت ودعمت الثورة الجزائرية. والجميع يعرف أن الرئيسين الجزائريين بومدين وبوتفليقة اللّذين عاشا في المغرب هما من صنع “جمهورية تندوف”، عُربون وفاء ورداً للجميل الذي أسداه المغرب لثورة التحرير الجزائرية!

 

إنّ ما قامت به السيدة زوما من عرقلة مسطرية لانضمام المغرب خلال الستة أشهر الماضية، والمعارك التي تشنها دبلوماسية العسكر الجزائري منذ بداية النزاع إلى اليوم، تستدعي من الدبلوماسية المغربية رفع حالة التأهب إلى أقصى درجاتها، ودراسة كافة الاحتمالات القانونية والمسطرية، لمواجهة كلّ السناريوهات المفترضة من لحظة التحاق المغرب بعائلته المؤسساتية، إلى لحظة طرد أو تجميد عضوية الكيان الوهمي. وهي معركة قد تستغرق ما بين سنة وسنة ونصف من الناحية النظرية، وتستوجب وضع خطط محكمة بسناريوهات متعددة، حتى لا نعيد ما وقع في كيغالي وما تلاها، وليس هذا مكان ولا أوان النقد.

 

ولا شكّ أنّ إحدى أهم المعارك في هذا الاستحقاق هي التعبئة الشاملة لدعم مرشح دولة صديقة لمنصب رئاسة المفوضية الإفريقية، حتى يكون سنداً للمغرب في المراحل القادمة، والتي ستكون حساسة وحاسمة، ولا يمكن تركها للصدف. علماً أنّ أعداء المغرب يحشدون جهودهم منذ مدة لدعم وزيرة خارجية كينيا السيدة أمينة محمد، وهي مرشحة بدأت حملتها من تندوف، حيث أعلنت صراحة من مخيماتها عداءها لوحدة المغرب وسلامة أراضيه. بل إن تكتيكات أعداء المغرب، وحسب مصادر متطابقة، دفعت بدولة تشاد لتقديم مرشح، بهدف تقسيم أصوات غرب إفريقيا والساحل والصحراء، وهي الكتلة الناخبة المفترضة لصالح أصدقاء المغرب.

 

ولا بدّ من التسلح بالردود القانونية والسياسية بعيداً عن التسطيح الذي طفا هذه الأيام على الساحة، والذي يُظهر انضمام المغرب وكأنه اعتراف أو تنازل عن سيادته، والواقع أنّ عُنق الدبلوماسية المغربية مُطوّق من جهة بالدستور المغربي الذي لا يعطي لأيّ كان الحقَّ في التنازل عن شبر من أرض الوطن. ومن جهة أخرى الرسالة الملكية إلى قمة كيغالي في يوليوز 2016 قرنت الانضمام إلى الاتحاد بتصحيح الخطأ التاريخي أي بطرد جمهورية تندوف الوهمية.

 

ومع ذلك لا بأس من الإشارة إلى أن المخاوف المرتبطة بالمادة الثانية من القانون الأساس للاتحاد الإفريقي، لا تنطبق على الكيان الوهمي، لأنها تتحدث عن “سلامة وسيادة واستقلال الدول الأعضاء”، وبديهي أنّ “كيان تندوف” لا تنطبق عليه صفة “الدولة” كما هي متعارف عليها في القانون الدولي. بل إن “رئيسه” المزعوم “ووزراءه” وكافة ميلشياته يتنقلون بجوازات سفر جزائرية. فهل رأيتم “دولة” ذات سيادة يتنقل أعضاؤها بجوازات دولة أخرى؟

 

أماّ مسألة الاعتراف بالحدود الموروثة عن الاستعمار، والتي تدافع عنها الجزائر باستماته فالأمر مردود عليه من ثلاثة أوجه. الأول أنّ النظام الجزائري أوقع نفسه في مأزق إيديولوجي من حيث لا يدري، فهو من جهة يدعي محاربة الاستعمار وبنى كلّ مجده على هذا الشعار، ومن جهة أخرى يدافع عن الحدود التي وضعها الاستعمار. وما ذلك إلاّ لأنّ نظام العسكر الجزائري يعلم أنّ الاستعمار اغتصب أراضٍ مغربية وألحقها بالجزائر الفرنسية، وكانت الحكومة الجزائرية المؤقتة قد التزمت مع محمد الخامس بإعادة الصحراء الشرقية فور استقلالها وهو ما لم يتم الوفاء به لأنّ العسكر انقلب على الحكومة المدنية بعد الاستقلال مباشرة، وبقية القصة معروفة.

 

الوجه الثاني أنّ المغرب خضع لاستعمار مزدوج فرنسي إسباني قسّم أراضي المغرب إلى عدة وحدات، وإذا تمّ احترام هذا المبدأ الاستعماري فمعنى ذلك أن المغرب يجب أن يتخلى عن أقاليمه الشمالية، وعن منطقة سيدي إفني، وعن منطقة طرفاية، وهو أمر لا يتصوره أي عاقل لا في إفريقيا ولا خارج إفريقيا.

 

وأما الوجه الثالث فهو أنّ تطبيق هذا المبدأ يطرح إشكالاً لا مخرج له داخل الاتحاد الإفريقي، فمعلوم أنّ من بين أعضائه الحاليين من انفصل عن دول أخرى بعد خروج الاستعمار، وأقرب مثال هو جنوب السودان ثم إرتريا، هذا دون الخوض في الحدود التي تمت مراجعتها بين الدول القائمة.

 

فهل معنى ذلك أنّ الاتحاد الإفريقي سيطرُد دولاً أعضاء لأنها لم تكن موجودة عند خروج الاستعمار!؟ هذا هو السؤال.. كما قال “شكسبير”.

 

23/01/2017