أتلاتي: خطاب "المسيرة" يضع العدّ العكسي لحَسمِ قضية الصحراء

سألت صحافية إسبانية الملك محمد السادس لما كان وليا للعهد عن أولوية انشغالاته لما يصير ملكا للمغرب، فأجاب بطريقة سريعة وحاسمة ودون تردد: :"الوحدة الترابية انطلاقا من الصحراء".

منذ تنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975 وملف الصحراء ظل جاثما على بنيان العلاقات سواء البينية أو ذات البعد الإقليمي والدولي، ولو أننا لسنا بصدد تأكيد أن الصحراء مغربية للإسهاب في المحددات القانونية والتاريخية المؤشرة على ذلك، لقد تحمل الملك، منذ أن كان وليا للعهد، مسؤولية في إيجاد حل نهائي وحاسم لنزاع مفتعل اختلق في ظروف فرضها سياق تاريخي محدد.

الجديد، هنا والآن، في قضية الصحراء، وعلى عكس السياق التاريخي الذي عرفته القضية قبل أربعين سنة مضت، هو "أن القضية الوطنية رقم واحد قد اكتسبت بعدا آخر، بالرغم من التناغم موازاة مع الانخراط في سياق التحولات الإقليمية والدولية والتعامل معها بالقدر الذي يحقق النتائج المتوخاة، إذ أن التعبئة الوطنية على عهد الملك وصلت ذروتها بإجماع كل مكونات المجتمع على ترسيخ الشرعية المتأصلة التي تنبني عليها القضية" يقول المحلل السياسي طارق أتلاتي.

فالخطاب الملكي الأخير، بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، حسب أستاذ العلوم السياسية، "يندرج في سياق مسترسل ومتكامل تتحدد من خلاله معالم التوجهات الاستراتيجية الملكية للنزاع المفتعل حول الصحراء في ظل معطيات جديدة أفرزتها التحولات الدولية والاقليمية بنفحات التأثير والتأثر".

يبقى الثابت اليوم من خلال هذا الخطاب يقول أتلاتي هو "أنه بحمولة التعبئة القصوى من أجل الاستعداد للمحتمل الأكيد وهو بداية العد العكسي للحسم في مجموع النقط المرتبطة بقضية الصحراء من الزاويا الايجابية والسلبية وهو ما يجعل الملك عازما على المرور إلى السرعة الفائقة في مقاربة الموضوع تفاديا لأي طارئ قد يكون بنكهة التحامل الخارجي".

لهجة انتقادية غير معهودة

وقد لاحظ رئيس المعهد المغربي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، في اتصاله مع هسبريس، أن الخطاب الملكي حفل بلهجة "انتقادية حاملة للعتاب أحيانا والاتهام أحيانا أخرى بالمباشر للذين لازالوا يزايدون بهذا الملف في إطار انتهازية صارخة تستنزف مقومات الدولة بأن حدد زمن التضحيات، من أجل استرجاع الأرض طيلة الأربعين سنة، وتحرير الإنسان، وتكريم المواطن المغربي بالصحراء، تعزيزا لارتباطه بوطنه". معتبرا أن الصحراء ليست قضية الصحراويين وحدهم بل قضية كل المغاربة، وهي قضية وجود وليست مسألة حدود".

وأما من حيث المقاربة للملف من خلال النهج الجديد المعتمد، فقد ذهب أتلاتي إلى أن الخطاب الملكي الأخير "اتسم بالجرأة من خلال إبراز روح المبادرة الجدية وذات المصداقية في إطار رسم الخط التوجهي للمملكة، الهادف إلى إيجاد التخريجة السياسية والسلمية للنزاع، وأيضا من خلال دعم المبادرات الأممية الرامية إلى إيجاد الحل السياسي وذلك اقتناعا منه بعدالة قضيته".

وأضاف المتحدث أن الخطاب كان في مجمله "فرصة لمعاودة التنبيه من السقوط في بئر الخيانة بكل أشكالها واضعا الخط الفاصل بين الوطنية و الخيانة كما كان الشأن في خطاب سنة 2009 غير أن الأمر هذه المرة يتعلق بالتصريح لا التلميح قاصدا من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه والذين يبتزون الدولة، ويجعلون من الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالقضية الوطنية، مطية لتحقيق مصالح ذاتية. بل لم يتوقف عند حد ما خلقه الجشع في ضعاف النفوس من خلال المتاجرة بالقضية الأولى إلى المضي أبعد من ذلك بمن يحاول اليوم في ظل السياق الدولي القاسي الحابل بالمؤثرات المتناثرة شرقا وغربا و الذي يتبنى إيديولوجية أو فكرا معينا أن تسول له نفسه المتاجرة بوحدة المملكة تحقيق لأجندات أجنبية.

الخطاب الملكي وحرج هيئة الأمم المتحدة

وأشار المتحدث إلى أن "الخطاب الملكي ذهب بجرأته إلى أبعد من الوطني والمحلي إلى تحديد المسؤوليات، في التعامل مع الأمم المتحدة، والتعبير عن رفض المغرب للمغالطات والانزلاقات، التي تعرفها هذه القضية أمميا معتبرا أنه لا مجال لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي، وهو بذلك يحاول التصدي لأهواء كريستوفر روس الهادفة إلى إزاحة مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية عن طاولة المفاوضات والذي يعلم علم اليقين انه شكل بديلا حقيقيا للنزاع وصل حد إرباك الخصوم وخلخلة أوراقهم منذ الوهلة الأولى التي اعتبرت فيها الدول المؤثرة عالميا أن هذا المشروع واقعي و ستطاع أن يصمد في مواجهة الخصوم التي عجزت فعليا عن مجارات واقعيته".

كما لفت أتلاتي إلى أن "الخطاب سار في اتجاه إحراج هيئة الأمم المتحدة، حيث أوضح الملك "أن سيادة المغرب لا يمكن أن تكون رهينة، لأفكار إيديولوجية، وتوجهات نمطية لبعض الموظفين الدوليين بما يخدم سياسة الكيل بمكيالين. وأن أي انزلاقات أو مغالطات، سترهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية في إشارة إلى أن التجاوب العملي قد يخرج من إطار الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة التي ترى في المغرب كل شيء جميل غير استحضار برغماتيتها المعهودة فقط في هذا النزاع دون غيره وإن لم يغلق باب التعاون مع كل الأطراف، للبحث عن حل يحترم سيادته، ويحفظ ماء وجه الجميع، ويساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وتحقيق الاندماج المغاربي".

10/11/2014