دعا الدبلوماسي المغربي الأسبق بسفارة الجزائر، الدكتور علي الإدريسي، ما وصفهم بـ"حكماء وعقلاء المغرب والجزائر" وكذا "كل القوى الفاعلة في البلدين المدركة لمقاصد السياسة المدنية والدبلوماسية والإعلام والتاريخ"، إلى "العمل على تلبية نداء المستقبل المشترك، وتحطيم جدار الخوف والرعب من سيف ديموقليس المسلط على الرقاب".

 

وأبدى أستاذ فلسفة التاريخ، والذي عمل طويلا ما بين المغرب والجزائر في سلك التدريس بالجامعة، خشيته من أن يحول القصف الإعلامي الحالي بين المغرب والجزائر إلى ما تبقى من المساحات الخضراء التي احتفظ بها المجتمع العميق في كلا البلدين إلى، "خراب تعوي فيه الذئاب وتنعق فيه الغربان والبومات".

 

وفيما يلي نص الحوار مع الدكتور علي الإدريسي..

 

كيف يبدو لك وضع العلاقات المغربية الجزائرية تحت هذا القصف الإعلامي الجديد بين العاصمتين؟

 

يقول مثل مغربي " كنستناوه يصبح، أهو ازيد اتغلس" (ننتظر الصبح وإذا به يزداد غلسا، أي ظلمة). ينطبق هذا المثل إلى حد بعيد على العلاقات المغربية الجزائرية عبر مسارها المُحبِط منذ الاستقلال، ونخشى أن تكون بوصلة فجر العلاقة الإيجابية بين البلدين قد ابتلعتها كثبان الصحراء المتحركة، وأن ما يجري الآن من تبادل القصف الإعلامي بينهما قد لا ينجم عنه غير توسيع لخريطة الزوابع الرملية التي ستضبب الرؤية أكثر فأكثر وتبعد شعبا البلدين عن إمكان احتمال العثور على البوصلة الضائعة.

 

كما نخشى أكثر أن يتحول ما تبقى من المساحات الخضراء التي احتفظ بها المجتمع العميق في كلا البلدين إلى خراب تعوي فيه الذئاب وتنعق فيه الغربان والبومات.

 

فقد أصبح ما يسميه علم النفس بسيكولوجية الحشد تزداد مساحتها وتسيطر على الخاصة قبل العامة، وتصبح تهم التخوين والعمالة للطرف الآخر سلعة رائجة في إعلام لا يحكمه أي ميثاق مهني أو وازع أخلاقي إلا الاسترزاق من تلك السيكولوجية، وطلب رضى من يدفع له. مما دفع ويدفع العقلاء والحكماء إلى الابتعاد وعدم تعريض أنفسهم لتهم الخيانة للوطن، أو العمالة لهذا الطرف أو ذاك، إذا ما دعوا إلى بدائل لجعل الجيرة بين البلدين أهم من فتل حبال انتحار المستقبل الجماعي للمنطقة.

 

ألم يحن وقت الحكماء من البلدين ليقولوا كلمتهم؟

 

إضافة إلى المناخ الدبلوماسي والسيكولوجي والإعلامي الذي أشرت إليه كعائق أمام دور الحكماء، تواجهنا ثقافة التوجس التي أصبحت هي الحزب الغالب في ممارسة العلاقة المغربية الجزائرية. ونعتقد بأنه إذالم تنسحب هذه الثقافة المرعية من أصحاب المصالح، ومن بقايا أحزاب الحركات الوطنية التي لم تقم في زمن الاستقلال بأكثر من كتابة شهادة حسن السيرة للاستعمار، حين نجحت حيث فشل الاستعماربزرع الشقاق والكراهية والضغينة بين شعبين حكمت عليهما الجغرافيا بالجوار الأبدي. ومن ثمة فالحكماء أصحاب رأي. والرأي إذا لم يجد صداه وتأثيره في أهل الحل والعقد لا قيمة له.

 

وما السبيل إلى تجاوز هذه الظرفية الدبلوماسية المتشنجة وهذه القذائف الإعلامية؟

 

الدبلوماسية نوعان: دبلوماسية التحاور، ودبلوماسية الكيد أو الحرب الباردة.

 

بالنسبة لدبلوماسية التحاور تحتاج إلى إرادة سياسية فاعلة، وليس إلى الشعارات الشقية، وتحتاج إلى الاعتراف بوجود نقاط ومجالات متفق بشأنها وموضوعات وقضايا تحتاج إلى التحاور والتفاوض المستمر لتذليل المستعصي منها، والبحث عن البدائل الممكنة، انطلاقا وتسليما بأن الإنسان هو مصدر كلالقضايا والمشاكل، وهونفسه القادر على إيجاد الحلول المناسبة لها. لكن هذا يتوقف على وجود ذكاء سياسي عملي يقوم على بلورة الحلول الممكنة لا على تلفيق التهم والهروب إلى الأمام.

 

أما دبلوماسية الكيد فهي دبلوماسية الاختباء وراء شعار المصلحة الوطنية، وتبرير كل سلوك مناف لمصالح الجار أو غير الجار، لأن عين السْخط لا تبدى إلا المساوئ، وهي دبلوماسية هدامة كما ترى. في حين أن الدبلوماسية في وظيفتها هي إصلاح العلاقة بين بلدين والسير بها لما فيه الخير للجميع.

 

بالنسبة لموضوع التجاوز، يبدو أن النخب الفاعلة في البلدين لم تكتمل لديهم القناعة بعد لتغيير الاتجاه، فكل حزب بما لديهم فرحون، ما داموا متحكمين في أوتار قلوب رعاياهم البسطاء، يعزفون عليها ما شاؤوا من ألحان تطربهم وتجعل منهم أبطالا دونكشوطيين. فقدفشلت كل الاتفاقات الثنائية أو جمدت، كما فشلت المعاهدات الجماعية فيما سمي ظلما وبهتانا "اتحاد المغرب العربي"، وفشلت محاولات خارجية لردم الفجوة بين البلدين.

 

وما الحل إذن لردم هذه الفجوة بين البلدين الشقيقين؟

 

الآن هناك ثلاث توجهات ممكنة، وهي:

 

أولا، انبعاث روح موحدية لدى صناع القرار في البلدين، أولى خطواتها القيام بمصارحة الذات وتقييم ما تم إلى الآن، وإبداء العزم، أو ما يسمى "الإرادة السياسية" لتجاوز الوضع الحالي بالتوجه إلى المستقبل معا وسويا. ولن يتحقق ذلك إلا بإرادة صلبة وتنازلات صعبة.

 

ثانيا، أن تبادر شخصيات مارست المسؤوليات السياسية سابقا في البلدين بالاجتماع مع بعضها البعض، بعيدا عن تأثير الأجهزة وتوجسات أحزاب الحركات الوطنية التي نعتقد بأن زمن سياسة مستقبل المنطقة قد تجاوزهاــ تبادرــ إلى وضع تقويم عام لحصيلة نصف قرن من العلاقة المتوترة بين البلدين بسحبها الداكنة التي لم تمطر غيثا، بقدر ما أمطرت عواصف وزوابع أفسدت البلاد والعباد، وتقوم بعد ذلك بتقديم تصور قابل للعمل به على أرض الواقع المليئة بإرث ضخم من الكثبان الرملية المتحركة.

 

وآنئذ يحق لنا، مغاربة وجزائريون، أن نتجاوز شقاء طفولتنا السياسية، وأن نعمل سويا، وبروح المسؤولية التاريخية، وبرؤية مستقبلية للمنافع والمصالح المشتركة للحد من سياسة المزاج وذهنية القبيلة السياسية، أوما يسميه بورقيبة "نزوات النوميديين"، بهدف تخطى ممارسات الوعي الشقي.

 

ثالثا، أن تقوم قوى دولية فاعلة في المنطقة، إذا رأت أن مصالحها ستكون أفضل في ظل توافق مغربي جزائري، بدفع البلدين إلى تغيير أسلوب تسيير علاقتهما البينية. وهو أمر محتمل جدا، بالنظر إلى ما يحدث في جهات أخرى. ونتمنى أن يقتنع أصحاب القرار في البلدين بالحكمة القديمة "بيدي ولا بيد عمرو".

 

وماذا تقول في ختام هذا الحوار المختلف عن "لغة ثقافة الحشد"، كما تسميها؟

 

أتوجه إلى حكماء عقلاء المغرب والجزائر، وإلى القوى الفاعلة في البلدين المدركة لمقاصد السياسة المدنية والدبلوماسية والإعلام والتاريخ أيضا، بأن الشعبين انتظرا طويلا دورهم في ترميم جسر العلاقة بين البلدين المحكوم عليهما بالجوار الأبدي، وفي العمل على تلبية نداء المستقبل المشترك، وتحطيم جدار الخوف والرعب من سيف ديموقليس المسلط على رقابنا من شعراء المدح والهجاء في إعلام مهيج لنوازع تدمير الذات المشتركة، التي لم يستطع الاستعمار القديم والجديد معا هدمها. "إن غدا لناظره قريب".

03/11/2013