ي خضمِّ استعار الغضب بتندوف، وقلب حركة احتجاجيَّة منبثقة من لاجئين ساءَهم حصر تحركهم، منذ سنوات، الطاولة على قيادَة شائخَة، يقدمُ الدكتور عبد الرحِيم المنار السليمي، في مقال خص به هسبريس قراءته لما يعتملُ في المخيمات، التِي قال إنَّ قادتهَا فقدُوا البوصلة على إثر صراع الأجنحَة في الجزائر، مع سوء الوضع الصحِي، للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات، أبريل القادم، في حال تمَّ إجراؤهَا، أصلًا.

 

في سنة 2010 خرج 3500 شخص في حركة احتجاجية من داخل مخيم اوسرد بتندوف في أقصى الجنوب الغربي من الأراضي الجزائرية تحمل شعار "كفى، 35 سنة من نهبكم "، وخلال شهر يناير من سنة 2014 عرفت مخيمات المحتجزين حركات احتجاجية ضد قيادة البوليساريو والجزائر بسبب الحصار المضروب على المخيمات ومنع الانتقال نحو موريتانيا وفوق الأراضي الجزائرية المجاورة للمخيمات ،فنتج عن الاحتجاجات قتل "خطري حمدي ولد خندود"من قبيلة اركيبات السواعد و"محمد عليين ولد بويه" من قبيلة أولاد الشيخ بعد تعرضهما لإطلاق النار من طرف الجيش الجزائري.

 

وبات واضحا، أن الجزائر التي صرفت 300 مليار دولار على قيادة البوليساريو وتطلب اليوم من نوابها في البرلمان تحويل مبلغ 10 ألاف دينار من رواتبهم للمدعو "محمد عبد العزيز" المنتمي الى قبيلة رقيبات الشرق الساكنة في الجزائر، شرعت مخابراتها العسكرية ،بتواطؤ مع قيادة البوليساريو، في عملية إبادة جماعية لمدنيين عزل في مخيمات تندوف فوق دولة جزائرية تتصارع فيها القيادات على السلطة في الشمال وتروض الإرهاب في جبال الشعابني في الشرق على الحدود مع تونس وتترك "مختار بلمختار" حليف "محمد مدين " يصول في جنوب الجزائر وجنوب شرق ليبيا ، وتحفر الخنادق وترمي اللاجئين السوريين في غربها على الحدود المغربية وتشرع في حصار وإبادة جماعية في أقصى الجنوب الغربي بمخيمات تندوف ،لهذا فوصف "القنبلة الموقوتة" التي نعث بها الأمين العام الاممي "باي كيمون" البوليساريو فوق الأراضي الجزائرية باتت على أبواب الانفجار، في جزائر أسست البوليساريو في مرحلة الحرب الباردة بشراكة مع القدافي وورثته قيادات من النظام الجزائري من "بومدين" إلى "بوتفليقة" ، ووظفته في لعبتها السياسية طيلة العقود الماضية . لكن يبدو ان الأوضاع في المخيمات تنزلق نحو جرائم إبادة جماعية في دولة جزائرية بقيادة هرمة يتصارع فيها على السلطة حتى الموت جناحان لرجلين مريضين هما "عبد العزيز بوتفليقة" (جناح الرئاسة ) و"محمد مدين" (جناح المخابرات ).

 

صراع الرجلين المريضين في الجزائر يشرح أحداث تندوف .

 

فلا احد يعرف اليوم في الجزائر ،هل "بوتفليقة" حي ام ميت ؟ فالجزائريون مرعبون، وأعادتهم تصريحات "سعداني" الأمين العام لجبهة التحرير الوطني ضد "محمد مدين"، مسؤول مديرية الاستعلام بالجيش، الى صورة بداية العشرية السوداء ، حيث ان اتهام "سعداني" ل "محمد مدين" بالوقوف ضد الولاية الرابعة ل"بوتفليقة" وتحميله مسؤولية كل جرائم الجزائر في الاثنين وعشرين سنة الأخيرة من لحظة اغتيال "بوضياف" الى أحداث عين اميناس، هو صراع يقوده "سعداني" بالوكالة عن جناح الرئيس "بوتفليقة" ،صراع يخفى حربا صامتة حول الرئيس المقبل بين أمريكا وبريطانيا من جهة وفرنسا الداعمة لاستمرار "بوتفليقة" .

 

ووسط هذا الصراع، بات واضحا ان قيادة البوليساريو فقدت البوصلة ولم تعد تعرف الى أين تتجه بين الجناحين المتصارعين ، وهذا ما يفسر لجوءها الى العنف والقتل ضد الاحتجاجات المتصاعدة في مخيمات تندوف ،ويشرح أيضا عملية الحصار المضروب على المخيمات من طرف الجيش الجزائري في انتظار ما ستفرزه الصراعات في اعلى السلطة، فالقيادة الجديدة في الجزائر لازالت لم تظهر بعد ومن ثمة تصر المخابرات العسكرية الجزائرية على إبقاء المخيمات تحت حصار تمارس فيه إبادة تدريجية في انتظار ما ستقرره السلطة الجزائرية القادمة في ابريل المقبل، إذا ما جرت انتخابات لازال مشكوكا فيها إلى الآن .

 

إبادة جماعية ...جرائم ضد الإنسانية في مخيمات تندوف وخرق لميثاق روما

 

لكن العودة الى تحليل أحداث مخيمات تندوف، الجارية منذ بداية الشهر الماضي فوق الأراضي الجزائرية، تبين أن الجناحين المتصارعين برجليهما المريضين : "بوتفليقة" و"محمد مدين" ،الى جانب قيادة البوليساريو ،مسؤولين عن الجرائم التي ترتكب ضد المدنيين العزل في مخيمات تندوف ،فالأحداث الجارية في مخيمات تندوف يصنف فيها إلى حد الآن نوعان من الجرائم ،الأولى وهي جريمة الإبادة الجماعية المنصوص في المادة السادسة من ميثاق روما ،فالفعل المرتكب من طرف مليشيات البوليساريو والجيش الجزائري فيه قتل لأفراد وإلحاق لضرر جسدي بأفراد من قبائل ركيبات الساحل(قبيلة السواعد وأولاد الشيخ ) ،قبائل أصلها مغربي،وإخضاع لهذه القبائل عمدا لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي او الجزئي بحرمانها من التنقل والعمل التجاري والاقتصادي ، وهو ما يعني أننا أمام جريمة تستوفي جميع عناصر جريمة الإبادة الجماعية المنصوص عليهما في ميثاق روما .

 

أما الثانية، فهي الجريمة ضد الإنسانية المنصوص عليها في المادة السابعة من ميثاق روما ،مادام الأمر يتعلق بهجوم واسع تمارسه مليشيات البوليساريو والجيش الجزائري ضد مجموعة من السكان العزل تعمد فيه الى القتل العمد والاسترقاق والاعتقال في سجن "ذهيبية". .

 

فعناصر جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية مستوفية الشروط في أحداث مخيمات تندوف الجارية ،ومسؤولية "محمد عبدالعزيز" قائد البوليساريو و"عبدالعزيز بوتفليقة"،إذا كان حيا في كامل قدراته العقلية ، و"الفايد صالح" و"محمد مدين" ثابتة، ويمكن للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أن يشرع في التحقيق داخل المخيمات بناء على الدلائل الموجودة حتى الآن .

 

القرار الأممي 2099 ومسؤولية الجزائر فوق أراضيها.

 

ويلاحظ، ان هذه الأحداث تجري بعد تسعة أشهر من صدور القرار الاممي رقم 2099 الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المنعقدة بتاريخ 25 ابريل 2013 والذي كرر فيه "طلبه الداعي الى النظر في تسجيل اللاجئين في مخيمات تندوف للاجئين " ،وفق ماجاء في نص القرار،فالجزائر وقيادة البوليساريو أجابتا على قرار مجلس الأمن ببناء جدار عازل بين جميع مناطق المخيم وخلق نقط تفتيش ومنع السكان من الحركة .

 

فالأمر هنا، يتعلق برفض واضح لقرارات مجلس الآمن من طرف قيادة البوليساريو والجزائر، بل أن الأمر وصل إلى درجة تخويف الصحفيين من السفر الى المخيمات، فخلال شهر يناير الماضي انفجر لغم في طريق صحفيين برازيليين نحو مخيمات تندوف أثناء قيادتهم عمدا من طرف مليشيات البوليساريو في مسالك وعرة خارج الطريق الوحيدة العابرة نحو المخيمات ، وهي رسالة تحذيرية من قيادة البوليساريو والجزائر إلى كل صحفيي وحقوقيي العالم الباحثين في طبيعة الوقائع الجارية داخل مخيمات تندوف.

 

البوليساريو بدون تمثلية ... مع من يتفاوض المغرب ؟

 

وأمام هذه الوقائع، بات من المفيد طرح السؤال مع السلطات المغربية والمبعوث الاممي كريستوفر روس : هل لازال من الممكن التفاوض مع مليشيات اسمها البوليساريو ؟ ف"محمد عبد العزيز" ومجموعته لا يملكون شرعية تمثيل الصحراويين المحتجزين في مخيمات تندوف، والمعلومات الواردة من المخيمات تشير إلى أن القيادة نفسها باتت منقسمة ،جزء منها بدا يدفع بشباب المخيمات الموجود في أوروبا الى الاقتراب من المنظمات المدنية والسياسية المغربية لمناقشة موضوع الحكم الذاتي ،وهو التحول الذي أزعج رفاق "عبد العزيز" وقيادات الجيش الجزائري .

 

ويفسر تعثر المفاوضات، التي كان من المتوقع ان تجري الشهر الماضي بين المغرب والبوليساريو ، بعدم قدرة قيادة البوليساريو على الجلوس أمام المغرب دون حضور الجزائر او "توصيات ودروس " الجزائر المعطلة بمرض رجليها اللذان يقودان الصراع حول السلطة ،ويبقى من المفيد ،معرفة رأي "كريستوفر روس" في ما يجري داخل المخيمات،فالمبعوث الاممي ،الذي طالب بتوسيع دائرة الاستماع لشخصيات ومنظمات في المغرب، يجب تنبيهه إلى الاستماع الى شيوخ وشباب قبيلة اركيبات السواعد وأولاد الشيخ .

 

ولا احد يمكنه اليوم الاستمرار في مسايرة مزاعم قيادات البوليساريو ،فخارج المخيمات توالت عمليات سحب الاعتراف من طرف المجتمع الدولي، وأعلنت مؤسسة "روبرت كينيدي" الأمريكية أنها ستوقف كل أنشطتها الداعمة للبوليساريو وحملت مسؤولية ما يجري في مخيمات تندوف الى البوليساريو والجيش الجزائري ،وداخل المخيمات لم يعد الفرد الذي ولد في مخيمات تندوف، ويبلغ اليوم 39 سنة من عمره، يريد سماع "محمد عبد العزيز" ورفاقه يرددون في كل مناسبة خطاب "تقرير المصير" وهم يمارسون العبودية ويخرقون حقوق الإنسان ،ولم يعد المسؤول في مخيمات تندوف الذي رقته قيادة البوليساريو إلى اعلى المراتب يقبل بتقاضي تسعين دولارا في نهاية كل شهر ،وبات يعرف أن الجزائر صرفت 300 مليار دولار على رفاق "محمد عبد العزيز" وعائلاتهم ،كما يعرف ان تنظيم القاعدة وأخواتها في شمال إفريقيا يقدم مابين 600 و700 دولار ل"العاملين" او "المستخدمين" في "الجهاد"،لهذا، فان مخيمات البوليساريو باتت تهدد الآمن الإقليمي في المنطقة المغاربية والساحل والصحراء إذا لم يقع الانتباه إليها قبل فوات الأوان، فقد يعمد النظام العسكري الجزائري إلى استنساخ تجربة "طالبان شمال إفريقيا " داخل المخيمات لتهديد دول الجوار.

 

د.عبد الرحيم المنار السليمي,كاريكاتير خالد كدّار

07/02/2014