أكد خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بكلية الحقوق بوجدة، أن قرار سحب الثقة من كريستوفر روس لم يكن صادرا عن الحكومة, بقدر ما كان رغبة من فاعلين أكبر في السياسة الخارجية المغربية لتوجيه المفاوضات غير المباشرة.

واعتبر الشيات أن المغرب قد يكون نجح في شق سياسي متعلق بتصحيح مسار التفاوض، لكنه خسر ربما جانبا يرتبط بمصداقية وقوة دبلوماسيته، لأنه ليس مقبولا من الدول أن تتسرع في تقييم سياساتها الخارجية.

 - ما هي قراءتك لزيارة كريستوفر روس إلى المغرب بعد قرار الحكومة سحب الثقة منه؟

< لم يكن قرارا من الحكومة بقدر ما كان رغبة من فاعلين أكبر في السياسة الخارجية المغربية لتوجيه المفاوضات غير المباشرة. في اعتقادي أن الحكومة ربما كان لها تصور، لكن لا أعتقد أنها كانت تملك مقومات كافية لاتخاذ قرار من قبيل التصريح بسحب الثقة من مبعوث الأمين العام وهي كانت على بعد شهور قليلة من تنصيبها.

المفاوضات غير المباشرة التي كانت تجمع وفدي المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر أصبحت في جولتها الثامنة تعبيرا عن العبث وعن حوار الصم. في حقيقة الأمر بدأ الأمر بتفاؤل كبير عندما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة وبدون تصويت للقرار رقم A/62/116 في دجنبر 2007 تأييدا للتوجه الذي أقر من طرف مجلس الأمن، الذي انفتحت معه تأويلات جديدة لمفهوم الحق في تقرير المصير ليشمل أشكالا جديدة للتعبير عنه، بشرط أن تكون متطابقة مع الرغبات المعبر عنها من طرف السكان المعنيين ومنسجمة مع المبادئ المعبر عنها بوضوح في القرارين 1514و 1541 والقرارات الأخرى. هذا إضافة إلى رمزية التاريخ، إذ لم تكن الوفود المغربية ونظيرتها من جبهة البوليساريو قد التقت قبل سبع سنوات قبل ذلك، وهذا دليل على وصول الأطراف إلى الباب المسدود. إذن ما الذي حرك هذه المياه الراكدة؟ لقد كانت مقررات الأمم المتحدة تنص على دور بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء في نقطتين أساسيتين: مراقبة وقف إطلاق النار وتحقيق مبدأ تقرير المصير بآلية الاستفتاء. إذ في سنة 2007 كان الاستفتاء بالطريقة التي تم التنصيص عليها مع انتهاء الحرب الباردة قد أصبح جزءا من التاريخ، والذي حرك المفاوضات هو المقترح المغربي للحكم الذاتي، ونحن لا نقيم هذا المقترح بل نؤكد أنه كان محورا لبدء المفاوضات، وقد عبرت جبهة البوليساريو عن باع كبير من الجمود وعدم الانصياع لضوابط التحول. وبالنسبة للسيد روس فقد أقحم مواضيع جديدة كانت تعبيرا عن توجه للحياد عن الطريق السليم للمفاوضات أو الحل السلمي للقضية، والطرف الذي كان يخطط لذلك كان هو كل من الجزائر والبوليساريو، وأصبحت المفاوضات تقحم بطريقة انتقائية مسألتي حقوق الإنسان وتوزيع الثروات؛ لذلك قلنا حينها إنه من شروط المبعوث الأممي صفة الحياد، لا نطلب منه أن يكون مغربيا ولا نريده أيضا أن يصبح مجردا من قيم النزاهة في علاقته مع باقي الأطراف. وبالعودة لسؤالك فهذه الزيارة لا تعني شيئا بحد ذاتها فالعبرة بالنتائج، أي أن يكون المبعوث الأممي منشغلا بالقضايا التي تدفع لطي الملف وبناء اتحاد مغاربي قوي يجعل من المنطقة فضاء للتنمية والازدهار. والمغرب قد يكون نجح في شق سياسي متعلق بتصحيح مسار التفاوض لكنه خسر ربما جانبا يرتبط بمصداقية وقوة دبلوماسيته، عموما ليس مقبولا من الدول أن تتسرع في تقييم سياساتها الخارجية.

   - هل هذا يعني أن عودة روس شكلت انتكاسة للدبلوماسية المغربية، خاصة أن الجزائر والبوليساريو سبق أن سحبا الثقة من بيتر فان فالسوم؟

< ليس بهذا القدر من التعبير أي باعتبارها انتكاسة، ليس هناك مجابهة مع عدو حتى نسميها كذلك. فعلى العموم الأمر يتعلق بالأمم المتحدة ومنظومتها، وأحيانا يجب القبول باللعبة. لقد انخرطت قوى دولية معتبرة في المسألة وعبرت عن موقف من المطلب المغربي، ولم تعد المسألة مسألة حسابات حول شخصية بعينها لكن أصبح الملعوب على قدر كبير من الأهمية. أعتقد أن المغرب، كما قلت، ربما كان يهدف إلى التنبيه للمسار غير السليم للمفاوضات، وقد يكون ربح الرهان على عكس ما يظهر للعلن، فالعلاقات الدولية عموما كصخرة الجليد التي لا يظهر منها سوى جزء يسير، ولا يمكن الحكم على نتائج الموقف المغربي فقط من خلال استمرار السيد روس في مهامه. ومن جهة أخرى أعتقد أن المسار الذي سلكه المبعوث الأممي في «المناطق المتنازع» عليها يعطي الانطباع بأنه يقتنع بضرورة ملامسة المشاكل عن قرب والوقوف على الحقيقة في أرض الميدان، وجيد أن يلتقي مناوئين صحراويين للوحدة الترابية للمغرب، لأنه لن يكون بمقدوره ملاقاة صحراويين بتندوف يناوئون التوجه الأحادي لقادة الجبهة. 

- قام كريستوفر روس بزيارة مدينة العيون انطلاقا من المغرب. هل تشكل هذه

 الخطوة رسالة ما للمبعوث الأممي؟

<  هي تدخل كما قلت في النسق الجديد الذي دشنه روس، ولا أعتقد أنه قد غير كل قناعاته الشخصية بمجرد قيامه بمثل هذه الزيارات، لكن ذلك من شأنه أن يطمئنه على صدقية النوايا المغربية وعلى ضرورة الاهتمام بمسار التفاوض حول القضايا الجوهرية المرتبطة بالحل السياسي النهائي للقضية. لم يتحفظ المغرب على زياراته في السابق ولا أعتقد أن مثل هذه الزيارات قد تغير القناعات، لكنها قد تغير من هوس البعض حول أوضاع حقوق الإنسان التي يصورها بطريقة كاريكاتورية.. نعم حقوق الإنسان مسألة جوهرية لحل النزاع لكن المقاربات التجزيئية لن تخدم تقارب وجهات النظر.

- هل الضمانات التي قدمها روس للملك كافية لإتمام مهامه في إطار من الحياد؟

< لا أعتقد أن الأمر شخصي إلى هذه الدرجة، لقد عبر المغرب عن تمسكه بوحدته الترابية وعن اعتبار مسار المفاوضات محددا طبقا للمقررات الأممية السابقة في إيجاد حل سياسي متفاوض بشأنه، والضمانات لا أعتقد أنها بيد المبعوث الأممي، فالمغرب مطالب بألا ينتظر أبريل المقبل، أو تاريخ التقرير الذي سيقدمه الأمين العام حول الصحراء ليعرف ما إذا كانت نوايا السيد روس جادة أم لا. فأعداء الوحدة الترابية للمغرب الفرصة سانحة لهم لتأكيد المطلب المتمثل في إقحام الجانب المرتبط بحقوق الإنسان كجانب من اختصاص البعثة الأممية بالصحراء، وأعتقد أنهم لن يتنازلوا بسهولة عن هذا التوجه لأنه يخدم مصالحهم التي تصطدم بالدخول في مفاوضات جادة لتقرير المصير. المغرب أصبح مطالبا بتعويم هذا المطلب في المستوى الإقليمي أو على الأقل رمي الكرة في مستنقع البوليساريو والجزائر المليء سجلهما بالاعتداءات المتكررة على كافة الحقوق المكفولة، ففي باب السخافة يمكن إدخال سعي الجزائر والبوليساريو إلى إقحام مسألة حقوق الإنسان وكأنها مرجع في حماية هذه الحقوق. الأمر لا يعدو أن يكون مناورة لتأزيم المفاوضات والزج بها في مسار غير منطقي، ومع الوضع الذي تعرفه المنطقة حاليا لا أعتقد أن بلقنة المنطقة قد تعمل على انفراج المشاكل المرتبطة بها أو استقرارها على المستويين المتوسط والبعيد، لكن هكذا تجري الأمور، قد تكون الأوضاع في صالح جهات معينة وتخدم سياساتها أو استراتيجياتها. الكثير من الدول تخطب ود الجزائر اليوم، سواء في مسألة مكافحة الإرهاب أو كملجأ للاستثمارات التي يمكن أن تخفف من وطأة الأزمة التي تعرفها بعض القوى العظمى، هذا أمر لا يعطينا كثيرا من التفاؤل.  

- هل تتوقع أن يحمل التقرير الذي سيقدمه كريستوفر روس

أخبارا غير سارة للمغرب خاصة على مستوى حقوق الإنسان؟

< هناك بعض الإرهاصات غير الجيدة في السابق، وأنا هنا أتحدث عن الماضي القريب. لقد كثر الحديث وحامت الكثير من المنظمات حول الأقاليم المغربية الجنوبية، وكانت هناك تقارير لمنظمات حكومية وغير حكومية أغلبها انتقد الوضع المرتبط بحقوق الإنسان بهذه الأقاليم. قبل ذلك جاءت بعض التعابير غير المطمئنة في التقارير السابقة من قبيل أن سلطة البعثة قد تآكلت وضعفت وظائفها، وتتحدث أيضا عن مستقبل البعثة وعن هذه الوظائف بارتباطها مع قدرة التدخل. هذه الإشارات الكثيرة التي وردت في التقرير الأخير وغيره قد تكون مقدمات لتكريس أشياء غير إيجابية بالنسبة للمغرب.

- ما هي دلالات وانعكاسات فترة الركود التي يمر منها ملف الصحراء؟

<  لقد شكلت الجولة السابعة والثامنة مناسبة لشرح أبعاد ومضامين مبادرة الحكم الذاتي وكذا مطابقتها للمعايير الدولية لتقرير المصير. كما كانت مناسبة لإبراز جوانب مرتبطة بالتجربة المغربية في مجال تطبيق الحكامة الترابية في ضوء المشروع المغربي المرتبط بالجهوية المتقدمة. من هذا المنطلق أعتبر أن كل تفاوض يخرج عن النسق الأساسي، الذي يقترح ويبادر لحل المشكل في إطاره السياسي المتفاوض عليه سيدخل المفاوضات في ما أسميته بالركود. نحن لا نقول إن الحكم الذاتي هو التعبير الوحيد ولكنه المنطلق، وعلى الجبهة أن تعطي الدليل على صدقية مسعاها للحل السياسي وتكون عندها الجرأة والابتكار لإيجاد بدائل مقبولة.

- هل تعتقد أن تدبير ملف الصحراء في ظل وساطة روس وصل إلى مرحلة المأزق والباب المسدود؟

< السيد روس ليس المسؤول عن المشكل لكنه مسؤول عن تدبير المفاوضات. أعتقد أنه لم يكن في مستوى تطلعات المغرب ولم يواكب الآفاق التي يمكن أن يقررها مشروع الحكم الذاتي، أو أي مشروع واقعي يقوم على تكريس الحل السياسي. لقد كان متأثرا بمسارات المبعوثين الذين سبقوه، وأعتقد أن انغماسه في حل مشاكل ثانوية ولوجيستيكية أحيانا ينم عن قصر في النظر أو التصور، والمجال المرتبط بحقوق الإنسان جزء كبير منه موجود بمخيمات لحمادة بتندوف، وإن كان لابد من عدم فصل البعد الإنساني عن باقي الأبعاد السياسية والاقتصادية، فالأجدر القيام بذلك بطريقة شمولية تهم كامل المنطقة.

 

07/11/2012