العثماني

نفى سعد الدين العثماني، وزير الشؤون الخارجية والتعاون، أن تكون جبهة "البوليساريو" قد تقدمت بطلب العضوية بالأمم المتحدة واصفا الأمر بـ "التشويش" الذي تتناغَم معه المنابر الإعلامية. موضِّحا أن مَوقِف المجتمع الدولي واضح من خلال قرارات مجلس الأمن بالخصوص، والتي تَنُصُّ على البحث عن حل سياسي دائم متوافق عليه.

 

وكشف العثماني في حواره مع "هسبريس"، عن مساندة المغرب لجهود الرئيس التونسي المنصف المرزوقي في اتجاه عقد القمة المغاربية وارتِباطها بـ"الشرط" الجزائري. مؤكدا حِرص المغرب على وحدة مالي وسلامة أراضيه معتبرا أن أول خُطوَة على الطريق هي معالجة الوضع السياسي في باماكو بالعودة إلى الشرعية الدستورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية قوية ومؤسسات ذات مصداقية.

 

حوار العثماني مع "هسبريس" مناسبةٌ وقف فيها كبير الدبلوماسية المغاربة عند تقييم حصيلة المُساهمة المغربية بعد مرر سنة على انتخابه بالأغلبية عضوا غير دائم بمجلس الأمن التابع للأمم المتحد. ليَلفِت ذات الحوار إلى تطَوُّرات الوضع بسوريا وأفق تسوية هذا النزاع، إضافة إلى استِجلاء واقع ومستقبل العلاقة بين المغرب وإسبانيا على ضوء اللقاءات الأخيرة وبعض التوترات التي تهدد هذه العلاقة..

 

بُعَيد سنة على انتخاب المغرب عضوا غير دائم بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كيف تُقَيِّمون حصيلة العمل خلال هذه الفترة؟

 

انتِخاب بلدنا عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي لمدة سنتين، ابتداء من فاتح يناير 2012، في الدور الأول وبأغلبية 151 صوتا من بين 193، تَتْويج لعمل دبلوماسي في العمق يَتمَيَّز بالجٍدية والمصداقية وطول النفس. كما أنه عِرفان من المُنتظم الدولي بانْخِراط المغرب وسَعْيه لخدمة السلم العالمي وتعزيز الاستقرار الإقليمي والتضامن الدولي. والمغرب مُمْتنٌّ لكل الدول الشقيقة والصديقة التي وضعت ثقتها فيه، ويستشعر حجم المسؤولية للدفاع من موقعه في مجلس الأمن، عن القضايا العادلة للشعوب عامة، والقضايا الإفريقية والعربية والإسلامية بصفة خاصة. كما لا بد من الإشادة بالدبلوماسيين المغاربة في الداخل والخارج، والذين يعتبر هذا العمل ثمرة لجهودهم الميداني الدَّءُوب.

 

أما الحصيلة فهي في مُجْملها إيجابية، وقد أَنْهينا السَّنة الأولى بترؤس مجلس الأمن. وأدرج المغرب في رئاسته، التي تمتد لشهر واحد، ملفين اثنين أساسا نُقدِّر أنَّ لهما صِبغة استعجالية وذات أولوية. ويتعلق الأول بملف السَّاحل والصحراء ارتباطاً بأحداث الانفصال والتهديدات الأمنية شمال مالي، وقد صَدَر عن الاجْتماع الوزاري إعلان رئاسي يجسد الإطار العام لتجاوز تلك التحديات. حيثُ صدر تحت الرِّئاسة المغربية قرار خاص حول الوضع في مالي، وهو القرار 2085، وهذا من المُساهَمة المغربية في مُساعدة الشَّعب المالي لاستعادة وحدته واستقراره، حيث نعتبر أنه قرار تاريخي ليس فقط بالنسبة لمالي والمنطقة٬ ولكن أيضا، بالنسبة لإفريقيا برمتها. وللذكر فهو قرار صدر بعد مطالبات مستمرة من الحكومة المالية ومن المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ومن الاتحاد الإفريقي.

 

أما الملف الثاني فيتعلق بدَعْم قوات حفظ السلام والتي يشارك المغرب فيها بثلاثة آلاف من أفراد القُوَّات المُسَلَّحة الملكية التي نُحيِّي فيها الدرجة العالية من المهنية والانضباط والشرف التي بَرهَنَت عنها في كل المواقع التي تشتغل فيها. من أجل ذلك خُصِّص اجتماع لمجلس الأمن لعمليات حفظ السلام الأممية من أجل إيجاد أجوبة مبتكرة للعديد من التحديات العملية مع التَّشبُّث بالمبادئ المُؤسِّسة وخاصة احترام السيادة والوحدة الترابية للدول٬ والتوافق بين الأطراف، والنزاهة في تنفيذ المهام، وعدم اللجوء إلى استعمال القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي.

 

اشترطت الجزائر "تطبيع" العلاقات مع المغرب لعقد القمة المغاربية في أُفُق الاندماج المغاربي، فهل هذا الشرط سيكون عائقا حقيقيا أمام انعقادها؟

 

لم أسمع بهذا الشرط مباشرة من الإخوة الجزائريين. لكن المهم هو أن الاتحاد المغاربي خيار استراتيجي بالنسبة للمغرب، وتحضير القمة يتطلب تنسيقاً بين أجَندات الدُّول المغاربية الخمس. كما أن المغرب يُساند جهود الرئيس التونسي المنصف المرزوقي في هذا الاتجاه.

 

أين وصلت إذن ترتيبات عقد هذه القمَّة وما موقف بقية الدول؟

 

نتمنى أن يَتم عقد القمة في القريب وأن تكون في مستوى اللحظة التاريخية لبناء نظام مغاربي جديد. ولا أُفْشِيكِ سراً إن قلت أن هناك مجموعة من الإصْلاحات أُعِدت من طرف الأمانة العامة للاتّحاد وبِتَشاور مع الدول الأعضاء سَتُعرَض خلال القمة المقبلة.

 

ألم يُحْرِج طلب "جبهة الانفصاليين" العُضوية كمراقب بالجمعية العامة للأمم المتحدة، الديبلوماسية المغربية؟ وما قراءتكم لهذه الخطوة؟

 

هذا خبر لم نَسمع به في أي مكان، بل هو من التَّشويشات والتَّشوِيهات الإعلامية التي يُلقى بها بين الفينة والأخرى وكثيرا ما تَتأَثَّر بها بعض المنابر الإعلامية عندنا. فمَوقِف المجتمع الدولي واضح من خلال قرارات مجلس الأمن بالخصوص، والتي تَنُصُّ على البحث عن حل سياسي دائم متوافق عليه، وفق منهجية مبنية على الواقعية وروح التوافق.

 

وطأة الاستيطان تزداد يوما بعد يوم، فكيف ستتدخل الدبلوماسية المغربية لمحاولة ثَنْي الكيان الصهيوني عن التمادي في مثل هذه الأفعال؟

 

هذه مسؤولية ثقيلة تقع على عاتق الدُّول العربية والإسلامية وعلى المجتمع الدولي برُمَّته، والمغرب يقوم بجهوده في هذا الإطار. كما أن جلالة الملك محمد السادس بوصفه رئيسا للجنة القدس يقوم بدور مشهود في الدفاع عن القدس والتخفيف من وطأة الاحتلال عليه. ولبيت مال القدس مُبادرات ميدانية مهمة من مشاريع تعليمية وثقافية واجتماعية وصحية.

 

ترأستم اجتماعا وزاريا بالأمم المتحدة حضره "بان كي مون" والمبعوث الخاص لمنطقة الساحل "رومانو برودي" تَدارَسْتم خلاله الأزمة في الساحل ومالي، فهل أنتم مع أو ضد التدخل العسكري الخارجي شمال مالي؟

 

نحن مع الدَّعم الأمني والعسكري لحكومة مالي في إطار مُقاربة شُمولية تَدمَج الحل السياسي مع الدعم الاقتصادي التنموي بالإنساني. ونعتبر أن تعْيِين مبعوث أممي خاص بالملف المالي سيُعزِّز الجهود الإقليمية لإيجاد حل شامل ودائم يُجنِّب المنطقة أخطار الانفصال والإرهاب وكل أشكال الجَريمة المُنظَّمة التي يتَعَدَّى تهديدُها بُلدان الساحل لِيَطال المناطق المُجاورة.

 

ما الحلول التي يقترحها المغرب لتحقيق الاستقرار والأمن بالمنطقة؟

 

موقف المغرب يتَمَحوَر حول الحفاظ على وحدة مالي وسلامة أراضيه وفقاً لمقاربة شُمولية ومُندمجة ومُتعدِّدة الأبعاد، تتبناها المجموعة الإقليمية لدول غرب إفريقيا وتُسانِدها المجموعة الدولية. وأول خطوة على الطريق هي معالجة الوضع السياسي في باماكو بالعودة إلى الشرعية الدستورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية قوية ومؤسسات ذات مصداقية. وتلك مهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا الماليون أنفسهم. دورنا في هذه المرحلة هو تقديم المساعدات السياسية والإنسانية والاقتصادية وحتى الأمنية لتعزيز جهود الوساطة التي تقوم بها المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا وخاصة بوركينافاصو، وكذلك الأمم المتحدة من خلال مبعوثها لمنطقة الساحل السيد رومانو برودي.

 

والمغرب حاضر بشكل فعال وإيجابي لإيجاد حل لهذه الأزمة الدولية، ومن خلال المساعدات الإنسانية التي يقدمها للاجئين والنازحين، وللتَّخفيف من أعباء الدول المجاورة التي تستقبلهم.

 

تم الاعتراف بالائتلاف الوطني كممثل شرعي للشعب السوري، خلال الاجتماع الوزاري الرابع لأصدقاء سوريا المنعقد بمراكش، كيف سيدعم المغرب هذا الائتلاف مستقبلا؟

 

منذ اندلاع الثورة السورية والمغرب حدد موقفه من خلال ثلاثة ثوابت: وقف أعمال العُنف ضد المدنيين، والمحافظة على الوحدة الوطنية لسوريا وسلامة أراضيها، ورفض التدخل العسكري الأجنبي. فهذه المُحدِّدات هي التي أطَّرت كل تحركات الدبلوماسية المغربية لإيجاد مخرج للأزمة، يراعي تطلعات الشعب السوري للحرية والكرامة والديمقراطية، ويعيد الاستقرار لهذا البلد الشقيق.

 

وانعقاد الاجتماع الرابع لمجموعة أصدقاء الشعب السوري في 12 دجنبر في مراكش، جاء تتويجاً للتَّحرُّكات الدبلوماسية الدولية ومن ضمنها المغرب لدعم ائتلاف المعارضة السورية سياسيا والاعتراف به ممثلا شرعيا للشعب السوري. وقد شكل حضور 114 دولة لهذا اللقاء مكسباً ثميناً للشعب السوري ورسالة قوية من المنتظم الدولي، حيث أعلَنَت العديد من الدول الشقيقة والصديقة دَعْمها المادي للائتلاف من أجل تجاوُز الوضع الإنساني الخطير الذي يعيشه السُّوريُّون. كما أن الرسالة الملكية التي شرفني جلالة الملك بإلقائها في المؤتمر أكَّدت انخراط المملكة المغربية بكل مسؤولية وفعالية، في الجهود الحثيثة، التي يبذلها المجتمع الدولي لحل الأزمة السورية ودعم الشعب السوري. وعَكَسَت بوُضوح ثَوابت بلادنا في معالجَتِها وخصوصا ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها واستقلالها ومواصلة البحث عن الحل السياسي وأهمية الجانب الإنساني واستعجاليته.

 

وقدم المغرب على هذه المستويات كلها دعما متواصلا، وفي مقدمة ذلك مساعدات إنسانية متعددة، وأهمها مبادرة جلالة الملك لإقامة مستشفى ميداني بمخيم الزعتري استفاد من خدماته الطبية ما يناهز 50 ألف لاجئ سوري. كما كانت مبادراته السياسية فاعلة وستستمر إلى أن يَنْعَم الشعب السوري بالاستقرار.

 

هل ستقفون في صف الائتلاف إذا ما طالب بالسلاح؟

 

قادة ائتلاف المعارضة السورية أكَّدوا خلال مؤتمر مراكش أنهم بحاجة إلى الدعم السياسي والإنساني للمنتظم الدولي لإنهاء المأساة التي يعيشُها الشعب السوري والتَّخفيف من معاناة مليونين من النازحين داخل سوريا ونصف مليون من اللاجئين خارجها، لاسيما مع حلول فصل الشتاء.

 

مسألة التدخل العسكري الخارجي، كما أسلفت، وكيفما كان نوعه أمر محسوم ولا يدخل ضمن اهتمامات المغرب، لأننا نريد أن نكون طرفاً في الحل وليس جزء من المشكل، ونحن متأكدون أن الشعب السوري لديه كل المؤهلات لإيجاد حل للأزمة ومجموعة أصدقاء الشعب السوري ستلعب دوراً إيجابياً في هذا الاتجاه.

 

ما قراءتك لواقع ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية على ضوء الاتفاقيات المبرمة مؤخرا، فضلا عن التوترات التي تطفو على السطح المتعلقة بسبتة ومليلية ورفض اسبانيا الطَّرحَ المغربي لحل قضية الصحراء المغربية؟

 

المغرب وإسبانيا يجمعهما جوار جغرافي وتاريخ مشترك يمتد لقرون. لدينا اتفاقية شراكة إستراتيجية وحسن الجوار التي تم تَوقِيعُها في التسعينات. كما أن إسبانيا أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري للمغرب بحجم مبادلات تجاوز ستة ملايير دولار لسنتي 2010-2011. بالإضافة إلى وجود حوالي 900 مقاولة إسبانية في المملكة، ولا ننسى حجم الجالية المغربية المقيمة في الجارة الأيبيرية والتي تقارب المليون مواطن مغربي. كما أن وجود ستة ملايين مغربي ناطق باللغة الإسبانية في الأقاليم الشمالية والجنوبية للمملكة يساعِد على تعزيز الروابط الإنسانية والثقافية بين البلدين. وقد تعزز كل ذلك بالتطور النوعي الذي سجل يوم 3 أكتوبر من هذه السنة بانعقاد الدورة العاشرة للاجتماع رفيع المستوى حيث وقعت سبع وعشرون اتفاقية في مختلف المجالات.

 

لكن ككُلِّ الجيران هناك مد وجزر طبيعي في هذه العلاقات، قضايا نتَّفق عليها وأخرى نخْتلِف حولها. وأظن أن بلدينا بَلَغا من النُّضج ما يكفي لحل كل الخلافات بشكل حضاري، وفي إطار مقاربة تشاركية ومندمجة ومتعددة الأبعاد. وكنموذج لذلك ما توصنا إليه خلال شهر ديسمبر من اتفاق للتكامل في ملف الفلاحة والصيد البحري، والدفاع عن مصالح بلدينا في هذا القطاع الحيوي لكلانا بطريقة مشتركة لدى المجموعة الأوربية.

 

أما موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية، وبحكم علاقتها التاريخية بالمنطقة، فهي تعلم أنها قضية وحدة وطنية بالنسبة للمغرب واستكمال لاستقلاله على مراحل، وعموماً الموقف الإسباني لا يخرج عن موقف المجتمع الدولي الذي يدعو إلى إيجاد حل سياسي واقعي ومتوافق عليه. وقد كانت إسبانيا من الدول التي رحبت بالمقترح المغربي كحل واقعي وذي مصداقية.

08/01/2013