نزل بثقله الدبلوماسي لسحب مشروع التوصية الأمريكية  القاضي بتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان

انتصار المغرب، هكذا كانت خاتمة قضية تقديم الولايات المتحدة الأمريكية لمقترح توسيع صلاحيات بعثة "المينورسو" لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، انتصار لعب فيه الملك محمد السادس دورا رئيسيا وفعليا، ببعث رسالة واضحة إلى الإدارة الأمريكية في واشنطن عبر فيها عن استغراب المملكة مما أقدمت عليه ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن وانعكاسات ذلك على العلاقات الجيدة بين البلدين. التحرك الملكي نحو الخارج أنقذ البلاد من تداعيات تبني مجلس الأمن للقرار، وأظهر وزن العاهل المغربي لدى الدول العظمى. هو إذا انتصار ملكي للوطن، وأيضا تحذير للدبلوماسية المغربية الحزبية والمدنية للعمل بشكل أكثر فعالية وعمق تجاه قضية الصحراء الوطنية.

 

المغرب ينتصر

 

لم يكن انتصار المغرب داخل أروقة الأمم المتحدة عبثا أو مجرد صدفة، ولم يكن قرار الإدارة الأمريكية بسحب مقترح توسيع صلاحيات بعثة "المينورسو" لتشمل مراقبة أوضاع حقوق الإنسان، أو تعديله في 48 ساعة الأخيرة قبل طرحه على مجلس الأمن، رغبة داخلية صرفة للإدارة الأمريكية وممثلتها في مجلس الأمن، بل كان قرار التعديل، ثمرة تميز المغرب في المنطقة عن باقي دول الجوار من حيث المناخ الديمقراطي السائد داخليا، وكذا التطور الملموس في وضعية حقوق الإنسان بكافة جهات المملكة من شمالها إلى جنوبها، وكان القرار كذلك منسجما مع الأشواط الطويلة التي قطعها المغرب في مختلف مجالات حرية التعبير وحماية الحقوق السياسية والمدنية والثقافية لمواطنيه، عبر المصالحة مع الماضي، وإحداث آليات مستقلة للعمل على ذلك في مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

اليوم استطاع المغرب، عبر الإجماع الوطني حول قضية الوحدة الترابية، قطع الطريق على أعداء هذه الوحدة ودفع خصومها للبحث عن حلول نشاز، خارج ما هو متعارف عليه في المنظومة الدولية من خلال "حل سياسي متوافق عليه"، وهو الحل الذي ترجمه المغرب على أرض الواقع بطرح مبادرة الحكم الذاتي الموسع في الأقاليم الجنوبية، حل أكثر موضوعية ومصداقية كما عبر عن ذلك الرئيس الفرنسي "فرونسوا هولاند" في كلمة ألقاها تحت قبة البرلمان المغربي في زيارته الأخيرة للمغرب، ودفع كذلك (الحكم الذاتي)" العديد من الدول لمراجعة موقفها واعترافها بـ"الجمهورية الصحراوية" الوهمية.

وقد استطاع القصر الملكي التوصل إلى اتفاق وحل وسط يهم القرار، بينه وبين الإدارة الأمريكية، يقضي بإمكانية البحث عن صيغة بديلة لإعداد المسودة المرتقب عرضها على مجلس الأمن، ومن المرجح حسب مصادر متطابقة أن تسند مهمة مراقبة حقوق الإنسان للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين،وهو الطرح الذي تفضله الدول الخمس أصدقاء الصحراء حسب نفس المصادر.

أمام كل هذا يبقى سؤال نجاعة الدبلوماسية المغربية مطروحا بقوة داخل المشهد السياسي الداخلي والخارجي للمغرب، سؤال يجب أن يوضع ضمن أولويات زعماء الأحزاب السياسية وقيادات المجتمع المدني، لاحتواء أي قرار من شأنه أن يمس بسيادة المغرب ووحدة أراضيه.

 

الانقلاب الأممي - الأمريكي

 

شكل التقرير الأممي حول الصحراء فاتحة الطريق، لتحرك جهات تهمها وتستهويها المصالح الجيوسياسية والثروات الطبيعية، أكثر مما تحركها وضعية حقوق الإنسان في مختلف بقاع العالم، هذا التقرير وتداعياته زكته ثقافة الحجب، والثقة العمياء التي يتعامل بها الدبلوماسيون المغاربة تجاه قضية الصحراء، ثقة ترسخ لدى السياسيين والدبلوماسيين المغاربة تصورات مستهلكة وممارسات عقيمة في الفعل والتفاعل مع مستجدات الوحدة الترابية، وتفرض عليهم الدخول في سبات يفرض رد الفعل قبل الفعل.

وبالعودة إلى فحوى التقرير الأممي حول قضية الصحراء، سنجد في 25 صفحة الصادرة عن مجلس الأمن، هيمنة إبراز قضايا انتهاكات حقوق الإنسان من طرف السلطات المغربية، لإعطاء الغطاء الشرعي لتوسيع صلاحيات "المينورسو" كي تشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهو ما شكل منذ البدء ضربا صارخا للمادة 6 من ميثاق الأمم المتحدة، مما قد يترتب عنه إرجاع عقارب الساعة إلى الصفر لإيجاد حل نهائي للقضية.

وطبع التقرير في كافة محاوره تقديم تفاصيل دقيقة حول الأحداث التي عرفتها منطقة الصحراء، بشكل متحيز، ومنفرد، دون الرجوع أو الاتصال بالسلطات المغربية، وهو ما ضرب منطق الحياد في صياغة التقرير ونقل الأوضاع التي تطرق إليها في الشق السياسي والاقتصادي والسيادي.

ولعل أخطر عبارة تضمنها التقرير، وبتزكية من الاتحاد الإفريقي هي: "أن تتخذ جميع التدابير اللازمة لتنظيم استفتاء لتقرير المصير لشعب الصحراء الغربية وفقا لمقررات منظمة الوحدة الأفريقية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة"، عبارة تظهر بجلاء خطورة الموقف المتفق عليه بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي إلى حدود اليوم، موقف يقزم حل النزاع عبر آلية "الاستفتاء لتقرير مصير الصحراء"، وهو الحل الذي أصبح متجاوزا أمام قوة الطرح المغربي، الذي لم يذكر بتاتا في التقرير مما يعزز منطق التحيز.

هذا وجاء التقرير أيضا في سياقات سياسية حساسة، تتسم أولا بتوسع إجماع المنتظم الدولي حول مبادرة المغرب لمنح الحكم الذاتي لمناطق الجنوب، وكذا تعالي الأصوات المنادية بالتعامل الصارم مع الحركات المسلحة المتشددة التي تنشط بقوة في المنطقة، وتعتمد على الدعم اللوجيستيكي والمجال الجغرافي في تحركها بمساعدة من "جبهة البوليزاريو" كما كشفت ذلك تقارير دولية عدة. نفس التقارير تحدثت عن تجاوزات في مجال حقوق الإنسان داخل مخيمات "تندوف" ورسمت صورة سوداء حول مستوى المعيشة التي وصلت حد المجاعة، في وقت يستفيد منه قادة "الجبهة" من امتيازات استثنائية ويكنزون الأموال في الخارج عبر التسول بالقضية. نضيف إلى ذلك انفتاح المغرب على مجموعة من الاتفاقيات الدولية المرتبطة بمجال حقوق الإنسان وحماية الأشخاص من الاختطاف والتعذيب، وسنه لقوانين صارمة تضرب بيد من حديد على أي تجاوز في هذا الاتجاه، وهو ما فرض على خصوم الخارج تشديد الخطاب لحجب إنجازات المغرب وتسريعه لوتيرة الإصلاحات التي توجها دستور فاتح يوليوز وتنصيب الملك للحكومة المغربية الجديدة المنبثقة من صناديق الاقتراع والعمل بالموازاة على مشروع مملكة قوية بجهات تستمتع بصلاحيات موسعة وإدارة غير ممركزة.

هو إذا انقلاب أممي، زكته النظرة الضيقة التي تعاملت بها الخارجية الأمريكية عبر ممثلتها في مجلس الأمن، ووزيرها في الخارجية الذي يبدو أنه تعامل بشكل منفرد مع التقارير القادمة من الصحراء، وخاصة التي تفوح منها رائحة العلاقات الشخصية والمصالح الضيقة للأفراد، كالتقرير الذي صاغته مؤسسة "كندي" المعروف عليها قرب رئيستها من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، انقلاب لم يدم طويلا ولم يصمد أمام نبل قضية الوحدة الترابية المغربية ووزن ملك المغرب في الساحة السياسية الدولية.

 

"مينورسو" خارج الخط

 

تناقل المغاربة في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، فيديو منزل على موقع "اليوتوب" يظهر كيف أن عضوا من بعثة "المينورسو" يحرض شبابا في مخيمات "تندوف" على القتال ضد المغاربة، مبادرة خارج الخط الأحمر للمهام الموكولة للبعثة، تظهر عدم حياد بعض أعضائها ومشاركتهم في سنفونية العداء للمغرب، والتحريض عليه بألفاظ وتعابير خارج النسق السياسي والتفاوضي السلمي لحل النزاع.

الفيديو الذي تابعه العالم بأسره، يكشف وجها آخر لما يقوم به بعض أعضاء هذه البعثة، عندما يدعون لاستغلال تواجدها في المنطقة، والتسويق لأحقية "البوليساريو" فيها، وبضرورة استغلال الشباب لهذه الوضعية كي لا تضيع منهم.

فيديو مدته دقائق معدودة كان أبلغ رسالة لما يحاك ضد المغرب في الخفاء، عندما عبر نفس العضو في حديثه مع من التفوا حوله بالقول:"إن إنشاء المينورسو في الصحراء معناه أن هناك حقا للبوليساريو في الأرض، وأن وجود البعثة هو الذي يضمن وجود البوليساريو".

عند متابعة الفيديو بإمعان سيجد المغاربة ومعهم المنتظم الدولي، أن مطلب توسيع الصلاحيات مطلب سياسي صرف، يهمه تقويض جهود المغرب في المنطقة، أكثر مما يهمه قضية حقوق الإنسان، التي عرفت المملكة المغربية طريق تعزيزها وتطوريها من خلال اشتغال مؤسساتها الدستورية الوطنية الرسمية منها والمستقلة.

 

عطب الدبلوماسية المغربية

 

منذ طرح المغرب مشروعه الرامي إلى منح حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية، ظهر نوع من الفتور في تحركات الخارجية المغربية، وكذا تقاعس الدبلوماسية المغربية الموازية، ممثلة في نواب الأمة والأحزاب التي ينتمون إليها، وكذا جمعيات المجتمع المدني وكافة الشخصيات التي تعلن في أكثر من مناسبة دعمها لملف الصحراء والدفاع عن انتمائها للتراب المغربي.

دبلوماسية رجت في نظر عدة محللين سياسيين مغاربة، من بينهم المحلل السياسي ميلود بلقاضي، جرس إنذار ينبئ بضرورة استفاقتها، وهو ما وصفه بلقاضي في تحليل سياسي له حول مستجدات الملف ومقترح توسيع صلاحيات "المينورسو" الذي جاء بناء على التقرير الأممي الذي تقدم به مجلس الأمن بالقول: "هذا التقرير جاء أحادي المنطق وكاشفا لعدة حقائق من أهمها ضريبة الثقة المفرطة للمسؤولين المغاربة في اللغة السياسية والدبلوماسية الغربية وتكتيك حساباتهم الضيقة وتشبثهم بالتصورات المستهلكة والممارسات العقيمة إزاء الأحداث والمستجدات التي تعرفها قضية الصحراء".

ويبقى كما ذكرنا في السابق سؤال أولوية قضية الصحراء لدى زعماء الأحزاب السياسية، سؤالا لا يحمل إلى حدود اليوم جوابا إيجابيا منتظرا من طرفهم، وذلك ما أظهرته على الأقل الجلسة الأخيرة لنواب الأمة بحضور وزير الخارجية والتعاون المغربي سعد الدين العثماني، جلسة طبعها اللغط والهرج، وعنوانها نقط النظام والمطالبة بسحب المواقف السياسية التي تهتم بالتفاصيل السياسية الضيقة، عوض البحث عن آليات دبلوماسية دائمة وغير موسمية، تشتغل ليل نهار وتتابع كل كبيرة وصغيرة لتحرك أعداء الوحدة الترابية في الداخل والخارج، كما تفكر في خطة تواصلية عميقة تملأ فراغا تستغله المنظمات الغربية لتأطير ساكنة الصحراء بعيدا عن الهوية المغربية.

 

أصدقاء المغرب

 

ظهرت خلال الأزمة المفتعلة التي همت توسيع صلاحيات "المينورسو" في الصحراء، مجموعة من المواقف عبرت عنها مجموعة من الدول، من بينها فرنسا وروسيا وإسبانيا وكذا دول الخليج في مقدمتها السعودية والإمارات العربية المتحدة، هذه الأخيرة تدخل أحد أمرائها، الشيخ  محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وقد استقبله "باراك أوباما"، معبرا له عن رفضه للتوصية الأمريكية، وهو نفس الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، الذي أثار الموضوع خلال لقائه بالرئيس الأمريكي "أوباما" وحثه على ضرورة تراجع أمريكا عن قرارها.

هي إذا أصوات كثيرة لها وزنها الدولي في الساحة السياسية الأمريكية، وتعرف جيدا الدور المتقدم الذي يلعبه المغرب في المنطقة، أصوات أظهرت قوة الموقف المغربي، وقوة دفاع الملك محمد السادس عن حوزة الوطن ووحدته.

 

الملك ينقذ الوطن

 

مشهد له أكثر من دلالة تناقلته مختلف القنوات العمومية والإذاعات الوطنية وكذا الصحف والمجلات، مشهد يجمع كافة الفرقاء السياسيين حول طاولة الوحدة والإجماع الوطني الذي يخص القضية الوطنية، فالجميع لبى نداء الملك عبر ديوانه، لحضور اجتماع طارئ حضرته أحزاب الأغلبية والمعارضة وكذا الأحزاب الغير ممثلة في البرلمان ومن بينها أحزاب أقصى اليسار ممثلة في حزب الطليعة الذي حضر أمينه العام عبد الرحمان بنعمرو والاشتراكي الموحد الذي حضرت أمينته العامة نبيلة منيب، مجمعين في الأخير على ضرورة الرد وبقوة على مقترح توسيع صلاحيات "المينورسو" لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في منطقة الصحراء، وملتفين حول موقف حماية سيادة المغرب على صحرائه.

هذا المشهد كما تابعناه، ما كان ليتم لولا تبصر الملك محمد السادس، الذي أرسل رسالة قوية كما أظهر اللقاء الذي حضره عدد من مستشاريه، مفادها أن قضية الصحراء المغربية خط أحمر، تجمع كل الأطياف السياسية بمختلف تلاوينها الأيديولوجية، وهي توحد الكل.

ولم يظهر ثقل الملك محمد السادس في الداخل فقط، بل وجه نحو الخارج عندما أرسل رسالة واضحة للرئيس الأمريكي "براك أوباما" استغرب فيها ما أقدمت عليه ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن وانعكاسات ذلك على العلاقات الجيدة بين المغرب والولايات المتحدة، رسالة لقيت وقعا لدى الإدارة الأمريكية مما دفع الرئيس الأمريكي للرد على الملك محمد السادس  في رسالة عبر له فيها عن حرصه على تثمين العلاقات الثنائية بين البلدين، وأبلغه أنه أعطى تعليماته  لمساعديه الدبلوماسيين للاشتغال بهذا الصدد كما نقلت ذلك جريدة "العلم".

ولم يقتصر الدور الملكي على الولايات المتحدة الأمريكية فقط، مصدر التوصية، بل شمل مختلف دول العالم، حيث بادر الملك محمد السادس بمخاطبة عدد كبير من رؤساء الدول، وأعطى تعليماته لإيفاد مبعوثين عنه لمختلف العواصم.

وقد أظهرت القضية المكانة المتميزة التي يتميز بها المغرب لدى دول الخليج، عبر العلاقات القوية التي تجمع المؤسسة الملكية بمختلف الدول العربية، هذه الأخيرة التي تدخل مسؤولوها من أعلى مستوى للضغط من أجل سحب توصية ممثلة أمريكا في مجلس الأمن.

ولقد شكل التدخل الملكي غطاء سياسيا قويا للدبلوماسية المغربية في تحركاتها، إذ اعتمدت في لقاء السفراء والمسؤولين في وزارات الخارجية وكذا رؤساء وزعماء الدول، على الرصيد الذي تحظى به المملكة المغربية والتي أعطت أكبر درس في تدبير ربيعها الداخلي، ممكنة الدولة بكافة أجهزتها من تدبير اللحظة بحنكة وذكاء وتبصر، أفرز تعاونا بين الملك والأحزاب والمؤسسات والشعب، ليكسب المغرب نقطا في الداخل والخارج، منحته التميز في أحلك الظروف كالتي مرت مؤخرا.

عن مجلة مغرب اليوم.

08/05/2013