المحجوب السالك: أسطورة البوليساريو انتهت مع قرار وقف إطلاق النار

اعتبر المحجوب السلك، مؤسس خط الشهيد داخل البوليساريو، أن قيادة الجبهة أصبحت فاشلة في إقناع ساكنة المخيمات بأطروحتها الانفصالية التي وصلت إلى الباب المسدود بعد قرار وقف إطلاق النار عام 1991.

وقال السالك، وهو أحد القيادات المؤسسة للبوليساريو، ضمن حوار خص به هسبريس، إن الخطاب الملكي الأخير نزع ورقة التوت عن البوليساريو وأزعج الجارة الشرقية، الجزائر، راعية الجماعة الانفصالية بحمادة تندوف على التراب الجزائري.

الحوار مع المحجوب السالك، والذي يعيش في إسبانيا، تطرق إلى موقف خط الشهيد من الخطاب الملكي الأخير، والوضع الراهن في الصحراء وفي المخيمات، وعن تلويح البوليساريو بالعودة للحرب مرة أخرى مع المغرب، وموقفه من الكوركاس ومشروع الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب .. وأشياء أخرى تكتشفونها مع أحد قادة الانفصاليين السابقين بجنوب المغرب.

ما اسمك الحقيقي، هل هو السالك ولد محمد ولد عياد، أم المحجوب السالك، أم الجفاف؟

يضحك.. شكرا، في الحقيقة أن السالك هو الاسم العائلي، والحقيقة أني لما ازددت سمتني أمي السالك، نسبة إلى عمي ولد محمد ولد عياد، والكنية عندنا هي داوود السالك، لأننا من فخذة أهل سيدي داوود، لذلك فيقال عنا داوود ولد السالك عياد، والسالك محمد هو اسمي الحركي ضمن الثورة، والجفاف هو اسم المعركة نظير ما تلقيناه من معاناة وتعب وجوع وقمل في الثورة، فقلت لعنة الله على الجفاف لقد هلكنا، ولذلك سُميت بالجفاف انطلاقا من المعركة التي عشناها آنئذ.

ما الذي دفعك للمشاركة في المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقيم مؤخرا في مراكش؟

لا أخفيك أن تنظيم هذا المنتدى بالنسبة لي هو اعتزاز وافتخار فلأول مرة في التاريخ تستطيع دولة عربية أفريقية إسلامية تنظم المنتدى الثاني بعد البرازيل لحقوق الإنسان، لهذا اتصلت بالمشرفين على المنتدى وأرسلت لهم رسالة.

أنت تنتسب للبوليزاريو وتفتخر بتنظيم هذا المنتدى من دولة يفترض أنها عدوة لكم؟

أنا من البوليزاريو ومع ذلك أعتبر أن المغرب بلد عربي شقيق ما يؤلمه يؤلمني وما يفرحه يفرحني، فالعداوة ليست بسبب الجهل بالأصول، نحن أصولنا واحدة وتاريخنا مشترك وعادتنا وتقاليدنا لا تستطيع أن تمحوها أنت ولا قضية النزاع، أصولنا وتاريخنا وآمالنا ستبقى ثابتة لا رجعة فيها، وشرف كبير بالنسبة لي أن ينظم المغرب هذا المنتدى وأن يقدر على إنجاحه، لأنه شرف بالنسبة لي باعتباري عربيا وباعتباري أفريقيا وأيضا مسلما، لأن الدولة العربية الأفريقية الوحيدة التي نظمت هذا الشكل وهذا العرس الحقوقي بعد البرازيل هي المغرب، وليس من السهل أن يتم تنظيم العرس بهذه الطريقة لأن الجلسة الافتتاحية حضرها خمسة آلاف شخص، ولذلك اتصلنا باسم اللجنة التنفيذية لخط الشهيد كي يسمحوا لنا من أجل المشاركة وهذا ما حدث..

هذا الكلام الذي تقوله بحق المغرب لو سمعته القيادة التاريخية للبوليساريو ..

مقاطعا.. وليكن، فالوالي وهو الزعيم التاريخي للبوليساريو لم يكن يكره المغرب، وسبق له أن درس في المغرب، وبالضبط في جامعة محمد الخامس في الرباط..

معناه أن القيادة الحالية ليست تاريخية؟ هل هذا ما تقصده؟

القيادة الحالية مجموعة من الانتهازيين والسماسرة الذين حولوا الثورة للمتاجرة والبيع والشراء وخدمة مصالح مادية وذاتية..

لتعد إلى المنتدى العالمي لحقوق الانسان، ما مغزى مشاركتكم في هذا المنتدى؟

أولا، أعتبر نفسي وعائلتي من ضحايا حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، إخوتي الثلاثة كانوا سجناء في قلعة مكونة، وأنا كنت سجينا في السجون السرية لدى البوليساريو، فإذن عائلتي كانت هي الضحية الوحيدة لهذا النزاع في الصحراء الغربية الذي دام أربعين سنة، ومع ذلك فأنا من المدافعين عن حقوق الإنسان الصحراوي في كل مكان، واستغلت الفرصة لنعطي التجربة.

واسمح لي لو قلت لك بأني أفتخر بتجربة المغرب، وقد تسألني لماذا؟ أقول: أنا لما انتهت قلعة مكونة وخرج المعتقلون الذي كانوا ضمن خلية البوليساريو ووالدي رحمه الله كان رجلا متقدما في السن، وأخي الذي غادر سجن قلعة مكونة التحق بي في البوليساريو بعد 1991، ولما التقينا في جلسة عائلية بعد قرابة 25 سنة، وحكى لي تجربتهم في قلعة مكونة، فقلت له بأن قلعة مكونة تعد فندق خمسة نجوم بالمقارنة مع سجن الرشيد الرهيب الذي كنت معتقلا به في تندوف بالمخيمات، وتصور أنت لو تكون سجون قلعة مكونة وأكدز وتزمامارت فنادق خمسة نجوم بالمقارنة، تصور أنت كيف كانت رهبة ووحشية…

أتصور ـ أنا المغربي ـ عندما أقرأ عن تازمامارت كما كتب عنها الذين تعرضوا للاعتقال من أمثال محمد الرايس في كتابه « ذهاب وإياب إلى الجحيم » وأحمد المرزوقي في مذكراته « الزنزانة رقم 10 » فلا يمكنني أن أتصور عذابا أكثر من هذا العذاب؟!

أطلب منك أن تقرأ كتابي، وهو مجتمع البيضان، والذي يتضمن فقرة اسمها « سنوات في الجحيم الرهيب » كي تعلم أنت وغيرك، أن أصحاب تازمامارت كانوا في نعيم بمقارنة مع سجن الرشيد، أنا أعي أنه لا يمكنك أن تتصور حجم المعاناة أبدا، هذا السجن اسمه سجن الرشيد، والذين سجنوني هم رفاقي وأصحابي الذين أعلنوا معي الثورة، رفاقي الذين رفعنا جميعا شعارات الحرية والكرامة، هؤلاء وصل بهم الحقد لهذي الدرجة، لماذا؟ لأن سجون البوليساريو تبنى على أساس عنصري بئيس بغيظ قبلي مقيت على أساس الحقد والحسد والكراهية لا أقل ولا أكثر، ولهذا لما حكى لي أخي عن قلعة مكونة، قلت له إن سجن قلعة مكونة خرج منه المعتقلون حافظين للقرآن الكريم، كانوا يجتمعون ويناقشون ويقرؤون، أما أنا فعشت تسع سنوات في قبر تحت الأرض، لا أبكي ولا أسمع ولا أقرأ، أخرج للتعذيب لأعود للغار، تسع سنوات مات فيها رجال ومنهم من فقد عقله وجن، فإن كنت أمامك الآن أحكي فذلك من فضل ربي..

عشت تسع سنوات في سجن الرشيد؟

تسع سنوات في قبر تحت الأرض، لا أتكلم ولا أضحك ولا أرى أي أحد…

في أي سنة بالضبط؟

من عام 1981 إلى 1990.

ما سبب سجنك؟

لما توفي الوالي رحمه الله مفجر الثورة ورفيقي وأستاذي، وأنا أعتز به، جاءت هذه القيادة الحالية، وحاولت تغيير كل المعطيات وتحولت إلى قيادة ستالينية لا تؤمن بالحوار ولا الاختلاف. وباعتباري واحدا من رفاق الشهيد رفضت هذا الوضع بعد وفاة الوالي رحمه الله.

مات في موريتانيا..

نعم في الهجوم على نواكشوط، وبعد رحيله تم تعيين هذه القيادة الحالية، وبعدها تم اعتقالي كي لا أشارك في المؤتمر الثاني، وبعد ذلك مباشرة أطلق سراحي، أي بعد تعيين ولد عبد العزيز، ولما جاء عندي إلى السجن لإطلاق سراحي قلت له يجب أن أعرف لماذا تعرضت لسجن، قال لي: اسمح لي المحجوب أنا كنت مقاتلا فنادوا علي فأصبحت أمينا عاما، قلت له: أه أنت هو الأمين العام!! فكان جوابه: نعم.

ولما أطلقوا سراحي توليت مسؤولية الذعاية والإذاعة في البوليساريو، لكن وجدت بعض الرفاق والذين أطرتهم وجعلتهم ضمن خلايا الثورة، وأنا من ذهب بهم إلى الحمادة تم اعتقالهم في المخيمات، ذهبت عند مدير المخابرات واسمه سيد أحمد البطل، وهو أقبح جلاد عرفته البوليساريو، وكان معي في خاليتي في طانطان، فسألته عن أخبار المعتقلين فكان رده: «المحجوب اديها في راسك، اديها في إذاعتك هذا ما يعنيك»، ولما رفضت كلامه وطفقت أتكلم بصوت عال ومسموع تم اختطافي وأصبحت في عداد المفقودين تسع سنوات، إذن هذه القيادة التي جاءت بعد غياب الولي حاولت أن تفرض علينا جوا من الديكتاتورية الستالينية لا يتصورها العقل، هناك من رضع وركع، وهناك من رفض وتمت تصفيته أو تم اعتقاله أو اختطافه ورميه في السجون السرية، وإذا نجا فبرحمة من ربك، لأن السجون هناك فالداخل إليها مفقود والخارج منها مولود..

غادرت المخيمات عام 2007 ؟

في الحقيقة لما أطلق سراحي بقيت مع البوليساريو وكان لدي أمل في الإصلاح، لأن القيادة هم رفاق وكان يحذوني أمل في الإصلاح، ولذلك كنت أعارضهم في كل المنتديات الخاصة بالبوليساريو، عن طريق الندوات والمهرجانات والمؤتمرات، والمؤتمر هو أعلى سلطة، ومشاركتي في المؤتمرات لأني مردها لكوني من مؤسسي البوليساريو، كنت عضوا في مكتب البوليساريو، وبقيت على العهد إلى أن تأكدت أنه لا حياة لمن تنادي بعدما قررت القيادة الحالية أن تبقى على رأس القيادة إلى ما لانهاية. ومن قال كلمته وعبر عن رأيه يجب أن يهمش ويقصى، ولذلك في المؤتمر العاشر الذي عقد في تفاريتي عام 2003، حضرت المؤتمر، ولما حضرت المؤتمر قلت لهم إن هناك نقطتين أسايتين، القيادة يجب أن تتغير وإلا أنه آن الأوان كي نقوم بثورة داخل الثورة لتصحيح الثورة، ومن ذلك المؤتمر قاطعت نهائيا وبدأنا في التفكير لتأسيس تيار خاص من داخل البوليساريو.

من داخل المخيمات؟

نعم من داخل المخيمات، بل في المؤتمر ناقشنا الموضوع، فمدة 25 سنة في القيادة جعلتها مهددة بالشلل، وفي سنة 2004 أعلنا المعارضة ضمن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء خط الشهيد، فالجبهة هي ملكنا جميعا وليست في ملكية البوليساريو، وأما خط الشهيد نعني به الطريق الصحيح الذي سار عليه الشهيد المصطفى الولي السيد، ومباشرة بعد ذلك حجزوا جواز سفري من طرف الجزائر، في خرق سافر لحقوق اللاجئين، ما دام هذا حق من حقوقنا باعتبارنا لاجئين فوق التراب الجزائري، حيث يحق لنا التنقل في الدولة التي نوجد بها، فالبوليساريو طلبت من الجزائر عدم تجديد جواز سفري، وكان علي أن أدخل من جديد في متاهات المحاكم الإسبانية لاسترجاع جنسيتي على اعتبار أني ازددت تحت العلم الإسباني أيام الاستعمار الإسباني، وبهذا حصلت على الجنسية الإسبانية.

ولماذا لم تعد إلى المخيمات منذ 2007 ؟

لأنه ليست هناك أجواء للديمقراطية والعمل من داخل المخيمات، فحتى الرفاق المنضويت تحت تيار خط الشهيد لا يسمح لهم بالعودة للمخيمات..

بمعنى أنتم تيار داخل البوليساريو؟

معارض من داخل البوليساريو من أجل إصلاح هذه القيادة أو تغييرها..

هل هذا التيار موجود الآن داخل المخيمات؟

نعم

هل هو تيار نشيط من داخل المخيمات؟

تماما، لو لم يكن نشيطا لكانت البوليساريو عقدت مؤتمرا طارئا، وطلبنا منهم ذلك عشرات المرات، وقلنا لهم افتحوا لنا النقاش بشكل ديمقراطي يتم من خلاله اختيار الناس على أساس قانون انتخابات جديد وليس قانونا مفصلا على مقاس ولد عبد العزيز، ولذلك كان من المقرر عقد المؤتمر خلال شهر دجنبر الجاري وتم تأجيله إلى شهر دجنبر من السنة المقبلة، لأنهم يريدون فقط السلطة، لو لم يكونوا وجلين وخائفين من خط الشهيد لعقدوا المؤتمر، وهم يعلمون ونحن أيضا نعلم أن المؤتمر هو مجرد مسرحية فقط، لأن ولد عبد العزيز يجمع الإطارات التي يعينها ويصفقون له ليفوز بنسبة 96٪ في عهد الثورات العربية..

هل لتياركم وجود داخل السلطة، أي ضمن أجهزة القيادة أم موجود ضمن القواعد وفي المخيمات؟

بل هو تيار داخل السلطة، وهو أيضا تيار شعبي، ولكن دعني أن أصارحك أن مشكل خط الشهيد حاليا يتمثل في انعدام الدعم، لو كان خط الشهيد يتلقى الدعم لكنا غيرنا من داخل المخيمات، لقد اتصلنا بالفرنسيين وبالإسبانيين وبالأمريكيين وبكل الأبواب التي أردنا أن نطرقها باعتبارنا حركة إصلاحية من داخل البوليساريو تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتعمل على التغيير والتبادل والتناوب على السلطة بشكل حضاري للتسيير في البوليساريو ، وحتى الآن لا زلنا ننتظر المواعيد، والمناضلون الذين يشتغلون يدفعون من حساباتهم الشخصية لكي نجمع ما يمكن ان نقوم به من تحرك نضالي وسياسي، بل إن أموالنا والتي هي حقنا لدى البوليساريو لم نتسلمها إلى حدود الآن، والجزائر تساعد فصيلا واحدا من البوليساريو الذي يقوده ولد عبد العزيز، ولو كنا نملك أموالا كما هي موجودة لدى فصائل وحركات في الدول الغربية لكنا استطعنا تغيير أمور كثيرة، ولذلك فنحن نشتغل بوسائلنا الذاتية الضعيفة جدا بمشاركة مناضلينا.

بالنسبة لتيار الشهيد الذي تمثله، أنت، هل لديكم قيادة خارج المخيمات؟

نمتلك تمثيليات في بعض الدول مثل إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وفي الصحراء وموريتانيا وفي المخيمات ولدينا لجنة تنفيذية.

هل لديكم تمثيلية داخل الصحراء المغربية؟

نعم تماما…

يعني هناك تواصل بينكم؟

تماما..

تعقدون لقاءات بشكل مستمر؟

نعقد لقاءتنا ولدينا صحيفة هي الناطقة باسمنا اسمها خط الشهيد وتعمم كل الأفكار على التيار عبر الانترنيت التي جعلت من العالم قرية صغيرة.

كيف تقيم الانتفاضات الجارية الآن داخل المخيمات؟

هذه الانتفاضات سببها سخط الشباب، وانعدام الأفق، والمستقبل المظلم وانعدام الحياة الحرة الكريمة، هناك أناس ازدادوا في مخيمات الحمادة لا يعرفون عن العالم شيئا، شباب ازداد تحت الخيام في ظل درجة حرارة تبلغ 63 درجة، وشتاء تحت الصفر درجة مع ما يرافق ذلك من رياح وزوابع رملية، فهؤلاء الشباب انتظروا 23 سنة بعد قرار توقيف إطلاق النار والقيادة تبيع لهم الأوهام عبر ما يقال عنه تفاوض مع المغرب وانتظار لجنة بيكر والأمم المتحدة، 25 سنة من الأوهام والأحلام. إلى أن جاء خطاب الملك الأخير الذي عرى عن البوليساريو ورقة التوت، وقال لهم بشكل مباشر لا لبس فيه: اسمعوا أنا كنت أتفاوض مع مواطنين مغاربة، والمغرب في صحرائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إذن، ماذا بقي للبوليساريو من أوهام يمكن أن تصلح للبيع؟! ولهذا بدأ السخط والتدمر بين الشباب، وكانت قضية محجوبة سببا ضافيا وشرارة لإشعال الفتيل، وكان الرد القمعي لقيادة البوليساريو رهيبا، وكن متأكدا أن هذه الانتفاضة ستتواصل بانتفاضات أخرى.

المشكل يا أستاذ أن الناس تخاف من الجزائر أكثر من خوفهم من قيادة البوليساريو، وقيادة البوليساريو لم يعد لديها جيش من أجل الثورة أو تحرير الصحراء، بل أصبح لها جيش للقمع والبطش ضد الرجال والنساء والشباب السلميين، البوليساريو قيادة هرمة ولم تعد صالحة، الناس يطالبون بتغيير هذه القيادة، وولد عبد العزيز أقدم رئيس في السلطة، ولم يعد لديه ما يعطيه، بل أصبح عاجزا وعقبة في وجه التغيير، وفي وجه الدماء والأفكار الجديدة في عقل البوليساريو، فهو أصبح الآن عاجزا وعاد يفكر في ذاته وتكونت من حوله مافيا من الانتهازيين والمتاجرين بدماء ومعاناة الشعوب، لم تصبح هناك لا ثورة ولا تغيير، بل أصبحت هناك «بزنزة » ومتاجرة.

خلال المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، لاحظ الكثير من الناشطين الصحراويين غياب الحديث عن الأوضاع الماساوية داخل المخيمات؟

السؤال يجب أن تطرحونه على اليزمي، أنا جئت مشاركا ولست من المشرفين على هذا المنتدى، ولست من المنظمين، أنا مجرد ضيف مدعو…

أنت فاعل حقوقي كما تقدم نفسك..

تماما..

ومهتم بقضايا حقوق الصحراويين ومقرب بشكل مباشر من الملف..

أكثر..

لماذا لم تتدخل في ندوة أو في ورشة حقوقية وتتحدث عن الأوضاع المأساوية التي يعيشها الناس في مخيمات الحمادة؟

في كل الأنشطة التي تتحدث عن حقوق الإنسان في خلال المنتدى تدخلت فيها وناقشت موضوع الصحراء وتجربتي وتجربة عائلتي، ومعاناة الصحراويين جميعا سواء في الصحراء أو في المخيمات، ولكن لم تكن هناك ندوة خاصة أو ورشة خاصة بشأن الوضع في الصحراء والمخيمات، لا أدري لماذا نخاف من الموضوع، فالمغرب ارتكب انتهاكات صارخة في ملف الصحراء والبوليساريو انتهكت بشكل صارخ حقوق الإنسان في الصحراء والمخيمات، لماذا تخاف من مناقشة الموضوع لا سيما أن هذا المنتدى يحضره حقوقيون، والحقوقيون هم من يعين الدولة ويساعدها ويساهم في تقدمها، الحقوقيون ليسوا معارضين سياسيين للدولة، ولهذا أنا تألمت بشكل كبير أني لم أر ولو ورشة واحدة خاصة عن حقوق الإنسان في الصحراء، ومع ذلك فأنا استغلت كل الورشات التي تتحدث عن حقوق الإنسان وطرحت فيها مشكل الصحراء الغربية وتكلمت عن معاناتي ومعاناة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية نتيجة هذا النزاع الذي طال أكثر من اللازم ولا زالت نتائجه تسير وستسير سنوات أخرى..

كيف تقوم صورة حقوق الإنسان في الصحراء اليوم؟

يا أخي أنت تعلم أن حقوق الإنسان شاملة، حقك في أن تتعلم، ونحن لما كنا في الحرب كان الطفل يتعلم حتى يصل للثانوي وبعدها نعطيه السلاح كي يكون مقاتلا، وأول حقوق الإنسان هو حقك في التعبير، فأنت لما تعبر عن حقك فأنت خائن وتشتغل لصالح المغرب، وأهم شيء في حقوق الإنسان هو حق تقرير المصير، يعني حقي في أن أختار القيادة التي تمثلني، فالقيادات لم تخترها المخيمات عبر ديمقراطية نزيهة وشفافة، بل اختارت نفسها بنفسها منذ أربعين سنة، ولهذا قيادة البوليساريو لا تريد من السكان في المخيمات أن يعبروا عن رأيهم في هذه القيادة الحالية ويختارون من يمثلهم، يا أخي القيادة أضحت في خدمة الجزائر التي لا تعطي لسكان المخيمات حقهم في حرية التنقل، بل إن حق الحصول على ورقة للهوية أو حق جواز سفر كما هو حق كل اللاجئين في العالم غير موجود بتاتا، وهذه أكبر خروقات لحقوق الإنسان التي يعانيها السكان في المخيمات… الحق في التعبير عن الرأي بخصوص هل أريد أن أبقى في مخيمات تندوف أو أعود إلى أرض الوطن، إذن هذي أكبر الانتهاكات الموجودة الآن على واقع الأرض.

باختصار: البوليساريو مجموعة عصابة جمعت هؤلاء الناس لتتاجر بهم دون أن تتقدم ولا خطوة واحدة منذ 25 سنة من قرار وقف إطلاق النار، والشباب منذ ذلك الوقت لم يعد له خيار، وهاهو الآن يبحث عن منفذ، يذهب للمغرب، يذهب للإرهاب، يبحث عن أي منفذ للبحث عن الحياة، فهل هناك أكثر من هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان أن يكون لك شعب ليس له عمل ولا شغل ولا راتب.. هذه انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان والتي تفرض تمكين الإنسان في أن يعيش حرا كريما ويمتلك قراره.

الصحراويون داخل المخيمات محتجزون إذن؟ أم لاجئون كما نسمع في الإعلام؟

نحن مجموعة بشرية خرجت من الصحراء تريد أن تطرد المغرب وموريتانيا من الصحراء، بعبارة أخرى لسنا محتجزين، لأن الصحراوي من الصعب عليه الاحتجاز، ولسنا أيضا لاجئين لأننا لا تتوفر لدينا ما توفر للاجئين من أوراق ثبوت وأوراق جواز السفر، ولكن تحولنا مع الزمن إلى ورقة في يد البوليساريو تتاجر بنا عبر حصرنا في أرض قاحلة اسمها الحمادة، وتتاجر بنا، والجزائر تستغل وضعنا لكي تستجدي المغرب ويبقى الوضع على ما هو عليه.

كيف يرى تيار خط الشهيد داخل البوليساريو الخطاب الملكي الأخير؟

الخطاب أزعج قيادة البوليساريو كما أزعج البوليساريو، ونحن اعتبرناه في بيان اصدرناه، وقلنا: ماذا بقي لدى القيادة بعد الخطاب الملكي الأخير؟ الخطاب الملكي نزع من قيادة البوليساريو ورقة التوت التي كانت تتستر بها تحت شعارات تقول: نحن نتفاوض مع المغرب، ونحن ننتظر الأمم المتحدة وإلى ما ذلك من الشعارات، وبذلك فإن الخطاب الملكي، وكما نقول في العامية الصحراوية: « كسحت العريان » ولهذا فالقيادة لم تجد ما ستفعله، فالرجوع للحرب يمر عبر قناة الجزائر، وهذا ليس مناسبا للجزائر، وقرار حرب التحرير لم يعد صالحا الآن لدى البوليساريو، لأنها في يد الجزائر أولا، ثم إن الثقة أصبحت معدومة بين القيادة والساكنة، ثم أن ما يشاهده الناس في المخيمات من ضحايا الحرب وعائلات الشهداء وما عانوه من تهميش وإقصاء في مقابل ذلك العيش الرغيد الذي تعيشه القيادة مع أبنائهم، وسع هوة عدم الثقة والمصداقية بين الشباب والقيادة، ولهذا فلن يقبل أحد بالحرب، والقيادة وأبناؤها لن يتقدموا للحرب مع المغرب، والكلام عن العودة لرفع السلاح في وجه المغرب ما هو إلا مزايدة ليس إلا من قبل القيادة الهرمة والفاسدة.

في الآونة الأخير نشرت صحف ومنابر إعلامية أن البوليساريو تتدرب عسكريا على الحدود بين المغرب والجزائر؟ هل يعتبر هذا مؤشرا للعودة إلى خوض حرب ضد المغرب؟

هذه مجرد مناورات للضغط على الأمم المتحدة وعلى العالم وفرنسا وأمريكا بأنهم سيرجعون للمواجهة المسلحة وتستجدي الدول والعالم للتدخل، لا أقل ولا أكثر، يا أستاذ أنا قلت لك أن حرب التحرير ليست قرارا يتخذه وزير في مكتبه أو حكومة معينة بشكل من الأشكال، بل إن حرب التحرير هي أن يقوم الناس ويقررون الحرب، فهذا لم يعد موجودا لدى قوات البوليساريو، لأن البوليساريو هي أول من أفسد الناس بالقبلية والمحسوبية والرشوة، هي أول من هان أولئك من جرحوا في الحروب الماضية، هي اول من هان عائلة الشهداء وأبناء الشهداء…

يا أستاذ، أذكر لك شخصا من قادة البوليساريو سرق شاحنة من المساعدات الدولية وباعها في موريتانيا ولم يحاسبه أحد، في مقابل ذلك تجد ابن شهيد سرق خمسين كيلو من الحليب المجفف، وهو يعتبر ذلك الحليب جاء من دم والده، سجنوه وقدموه للمحاكمة. كيف تريد من قيلدة أوصلت الشعب لهذه الدرجة من الإهانة والمهانة أ يثق بها الناس..

إن التلويح بالعودة إلى الحرب من قبل البوليساريو ما هو إلا مجرد مناورة للضغط على الأمم المتحدة من خلال 15 من شهر أبريل المقبل ليس إلا.

ما هو أفق البوليساريو أمام هذا الوضع الذي ذكرته؟

ما دامت الجزائر هي من يقف وراء البوليساريو فلن تجوع المخيمات كثيرا، والقيادة ستبقى متمتعة ومتميزة، وستبقى القضية هكذا سنوات وسنوات إلى أن تضمحل هذه القيادة أو ترفع الجزائر يدها على البوليساريو، لأن الجزائر خطفت منا ثورتنا بعد وفاة الشهيد الولي، وصنعت قيادة فاشلة مرتشية وفاسدة تربط مصالحها بمصالح الجزائر..

يبدو في كلامك نوع من التناقض كما لاحظت من خلال ما سلف من حديث في هذا الحوار..

تفضل..

لاحظت ترديدك لكلام من قبيل الصحراء الغربية، وأحيانا تقول العودة إلى أرض الوطن، وأنت تصف نفسك بواحد من القادة في البوليساريو وممثل لفصيل ينتصر لقيم مؤسس البوليساريو، أوليس هذا تناقض؟

الصحراء الغربية هي أرض الوطن، ولما نقول الرجوع لأرض الوطن نقصد به العودة إلى أرض الصحراء كلها بكرامتي وبأنفتي وفي إطار دولة للقانون وفي إطار حل متفق عليه..

الصحراء الآن تحت السيادة المغربية والخطاب الملكي الأخير يقول بأن المغرب في صحرائه، يعني أنت ستعود لأرض المغرب؟

الملك قال المغرب في صحرائه، والصحراء تحت السيادة أو الإدارة المغربية، لكن الصحراء إلى الآن لا زالت إلى الآن داخل عملية تصفية الاستعمار، لم تتم لحد الآن، ولن يكون هناك حل في الصحراء إلا لما يُسأل الصحراويون ويقولون بأننا نريد أن نكون مغاربة أو أن تكون الصحرءا مغربية أو أن تكون صحراوية أو أن تكون جزائرية، وما داموا لم يُسألوا فستبقى القضية هكذا، هل يستطيع المغرب والجزائر أن يتفاهما ويتقربا في وجهة نظرهما للوصول إلى حل؟.

أنا متفق معك كون الحل مرتبط بين المغرب والجزائر لأن المشكلة في الصحراء الغربية هو أن نتحول إلى عملة مقايضة في إطار الصراع بين المغرب والجزائر من أجل الهيمنة على المغرب العربي، والضحية هو النساء والأطفال الذين يعيشون في الخيام منذ أربعين سنة. ونحن ضد المتاجرة بهؤلاء الناس لأننا نحن من أتينا بهم بشعارات براقة ورنانة مثل الحرية والوطن والثورة، وتأكدنا في الأخير أن هؤلاء السكان في المخيمات أصبحوا قضية للمتاجرة والمقايضة، والآن نحن مقتنعون بأن يعودوا لوطنهم كرماء ومرفوعيي الرؤوس في إطار شامل يضمن لهم الكرامة والحرية في إطار دولة القانون..

ما موقف خط الشهيد مما طرحت الآن؟ أم هو رأيك الشخصي؟ بمعنى هل أنتم مع مشروع الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب سابقا أم هناك حل آخر؟

بالنسبة لخط الشهيد فالحل يتمثل في نهاية معاناة النساء والأطفال تحت المخيمات منذ أربعين سنة، هو جمع شتات العوائل والأهل المشتتة منذ أربعة عقود، كيف سيتم ذلك؟ هذا يمر عبر محطات، وأنت تحدثت لي عن الحكم الذاتي. الحكم الذاتي ورقة طرحها المغرب للتفاوض وجاء خليهن ولد الرشيد إلى الكوركاس ولم نر شيئا منذ ذلك الوقت، والإخوان في خط الشهيد يقولون لا نريد أن نرفض ولد عبد العزيز لنركع إلى خليهن ولد الرشيد، إذن الأمر لم يتغير، فحين يكون مشروع الحكم الذاتي واقعا ملموسا، والدولة المغربية لها نية صادقة لتطبيقه، ويكون هذا الحكم الذاتي يشمل كل الصحراء الغربية من واد نون إلى الكويرة، ولا يتولى أي منصب في هذه الدولة أي اجنبي إلا أن يكون صحراويا، فالمشكل سينحل ما دام الصحراوي الموجود في مخيمات الحمادة سيجد نفسه في الصحراء.

اسمح لي أعطيك مثلا فقط، وأتحدث باسم الصحراويين كافة، وأنا واحد منهم..

تفضل..

 

فلما وجدنا أنفسنا بين خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما البقاء في الحمادة إلى ما لا نهاية أو الحرب، فأنا فضلت الحرب، لأنني كنت سأموت وينتهي المشكل، ولكن لما أجد نفسي أمام الوضع الحالي الذي فرضته علي القيادة، هو أن أبقى إلى ما لانهاية في الحمادة أو الحكم الذاتي، فإني سأفضل الحكم الذاتي، لأن ما يقوم به محمد ولد عبد العزيز في المخيمات ما هو إلا حكما ذاتيا بئيسا حقيرا فوق التراب الجزائري وخارج أرض الوطن، إذن المشلكة تكمن في مسألة النية الصادقة، وأنت لما تحاول أن تفكك المشكل ترى أن هناك بعض العصابات في المغرب والمخيمات تعيش على النزاع ويريدون أن يبقى إلى ما لا نهاية، لأنهم حصلوا على أموال طائلة من هذا النزاع، وعلى حساب حياة وحرية وكرامة وأنفة النساء والأطفال في المخيمات، ولكن في مقابل ذلك أن أعيش أربعين عاما وأعود لأقول أني كنت « غالط » وعلى خطأ، هذا عيب ممكن للإنسان أن يخطأ يوما أو يومين أو شهرا، ولكن أن أخطأ أربعين عاما؟؟ عيب وحشومة!!

إذن نريد أن نحقق لهؤلاء الناس الأبرياء في تندوف حياة كريمة وأن يعودوا لأرضهم تحت ضمانات دولية توفر لهم الحياة الكريمة لا أقل ولا أكثر.

أستاذ المحجوب، الخطاب الملكي الأخير كان واضحا، قال بأن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، ذهب وقت الاستفتاء وربما حتى مشروع الحكم الذاتي أصبح في خبر كان، والصحراويون في تندوف هم مغاربة، والملك محمد السادس قالها بشكل واضح أنه تحاور لما كان وليا للعهد مع مغاربة صحراويين وليس مع خصوم ولا أعداء. السؤال هنا: أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة كما يقول محمود درويش؟

أنا لا أعرف ما وراء نية المغرب ولا ما وراء الملك، الخطاب حطم كل شيء، حطم الأمم المتحدة وحطم الممثل الخاص وحطم المفاوضات.. هناك صحراء وهي وطن، هي وجود وليست حدودا، والمغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، وهذا الكلام الذي قاله الملك لا أعرف ما وراءه، لكن أريد أن أقول مسألة واحدة وهي أن الملك لما قرر هذا القرار يعني أن يبقى المغرب في الصحراء وتبقى الجزائر والبوليساريو تتاجر بمأساة ساكنة المخيمات وتبقى الصحراء بدون حل.

أنا بالنسبة لي، الحل يمر، وبكل موضوعية وبدون أنانية، عبر الاتفاق بين المغرب والجزائر، فالقضية هي قضية صراع بين المغرب والجزائر، وهي صراع تاريخي لا بد أن يكون هناك توافق وتصالح بين المغرب والجزائر لتنمية المغرب العربي الكبير وتصفية هذا المشكل بشكل نهائي ليعيش إخوة في دولة واحدة وفي أجواء من الحرية والديمقراطية يشارك فيها المغربي والصحراوي والجزائري والليبي، إن لم يحصل هذا فلن يكون هناك أي حل وتبقى دار لقمان على حالها.

من يستفيد من هذا النزاع ؟

أعداء المغرب الحقيقيون، هم الانتهازيون الذين يعيشون على حساب معاناة الضعفاء والذين يحسنون السباحة في الماء العكر، سواء في المغرب أو في الصحراء أو في البوليساريو أو في الجزائر.

 

06/12/2014