توزع خطاب الملك محمد السادس، الذي وجهه إلى الشعب المغربي مساء اليوم الثلاثاء، بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين للمسيرة الخضراء، إلى ثلاثة محاور رئيسة يجمعها نفس الهدف الذي يتمثل في تأسيس رؤية متكاملة للإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي لمختلف مناطق البلاد.

وبالنسبة للمحور الأول من الخطاب فقد خصصه الملك للحديث عن الإصلاحات التي دشنتها البلاد منذ سنوات من أجل تحسين ظروف عيش المغاربة، فيما تطرق في الجزء الثاني إلى قضية الصحراء، وهو ما دأب عليه العاهل المغربي في خطبه للسنوات الماضية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، بينما عالج المحور الثالث علاقة المغرب ببلدان الجوار والقارة الإفريقية.

 

المنتخب في خدمة المواطن

 

وفي المحور الأول من الخطاب، ركز الملك على ما تم تحقيقه من مكاسب هامة تهم إصلاحات جوهرية سياسية ومؤسسية عميقة٬ وما تم إنجازه من أوراش تنموية هيكلية٬ ومبادرات طموحة لتعزيز التماسك الاجتماعي٬ وضمان العيش الحر الكريم للمواطنين٬ في تجاوب عميق مع التطلعات المشروعة للشعب.

وسرد الخطاب الملكي جملة من الإصلاحات العميقة٬ والمنجزات الكبرى التي راكمتها البلاد، ومن ضمنها تكريس التداول الديمقراطي بين الأغلبية والمعارضة٬ الذي عرفه المغرب منذ سنة 1997 ٬ وذلك في إطار ممارسة سياسية طبيعية٬ وفي سياق حركية دائمة٬ وتوجه مستقبلي واضح الرؤية٬ سواء بالنسبة للمواطنين أو لشركاء البلاد٬ دولا ومجموعات.

ولتكريس هذه الإصلاحات على أرض الواقع، لم يفت الملك بأن يهيب بجميع الفاعلين والمسؤولين في مختلف المؤسسات، ليكونوا في مستوى الأمانة الملقاة على عاتقهم، لافتا إلى أنه علاوة على السلطتين التنفيذية والقضائية٬ يجب أن تلتزم جميع الهيآت المنتخبة٬ بمختلف مستوياتها٬ بالمفهوم الجديد للسلطة بكل أبعاده.

وخلص الملك، في المحور الأول من خطابه، إلى كون المنتخب يجب أن يكون في خدمة المواطن٬ وأن يرقى إلى مستوى الثقة التي وضعها فيه٬ بعيدا عن أي اعتبارات شخصية أو فئوية ضيقة.

 

المغرب أمام خطط المناورة

 

وجاء المحور الثاني من خطاب الملك ليركز على "القضية الأولى" للمغاربة، حيث أفاد بأن مبادرة تخويل الصحراء المغربية حكما ذاتيا٬ في إطار سيادة المملكة ووحدتها الوطنية والترابية٬ شكل منعطفا هاما في مسار التسوية النهائية لهذا النزاع الإقليمي المفتعل٬ تقديرا لانسجامها مع الشرعية الدولية٬ ولما تتيحه لجميع أهالي المنطقة من تدبير واسع لشؤونهم المحلية٬ واحترام لخصوصياتهم الثقافية.

وأقر الملك بأن "الدينامية التي أطلقتها مبادرة الحكم الذاتي٬ من خلال مسار جديد للمفاوضات٬ لم تفض لحد الآن إلى التوصل إلى الحل السياسي التوافقي والنهائي المنشود٬ وعزا الملك ذلك إلى غياب الإرادة الصادقة لدى الأطراف الأخرى٬ وتماديها في خطة العرقلة والمناورة".

وأكد الملك بأن تلك المحاولات لن تفت من عضد المغرب باعتبار حرصه القوي على الدفع قدما بهذا المسار على أساس ثوابت المفاوضات وأهدافها٬ كما حدد ذلك مجلس الأمن٬ وأكده بان كي مو٬ الأمين العام للأمم المتحدة، مردفا بأن المغرب يؤكد أيضا على ضرورة الالتزام بمعايير البحث عن التسوية٬ وخاصة التحلي بالواقعية وروح التوافق الإيجابي٬ وهو ما تجسده المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

ولفت الملك إلى الموقف الأخير لبان كي مون حيث أبرز بأنه من مهام الأمم المتحدة٬ بموازاة مواصلة المسار التفاوضي٬ التشجيع على تطوير العلاقات المغربية الجزائرية٬ التي ما فتئ المغرب يدعو إلى تطبيعها٬ بما فيها فتح الحدود٬ وذلك في تجاوب مع عدد من الدول والمنظمات الدولية.

ولم يفت المكل دعوة المجموعة الدولية للانخراط القوي لوضع حد للمأساة٬ التي يعيشها أهالي تندوف داخل التراب الجزائري٬ حيث يسود القمع والقهر واليأس والحرمان بأبشع تجلياته٬ في خرق سافر لأبسط حقوق الإنسان"، بحسب تعبير الخطاب الملكي.

وانسجاما مع هذه الدعوة، طالب الملك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للقيام٬ بحكم مسؤولياتها في مجال الحماية٬ والالتزامات الدولية للجزائر٬ باعتبارها بلد الاستقبال٬ بتسجيل وإحصاء سكان المخيمات٬ تطبيقا لقرارات مجلس الأمن لسنتي 2011 و2012.

 

النظام المغاربي الجديد

أما المحور الثالث في خطاب الملك فقد تطرق إلى النظام المغاربي الجديد٬ لكونه صار ضرورة ملحة٬ يتعين ترجمتها إلى واقع حقيقي وملمو٬ لبناء البيت المغاربي المشترك، قبل أن يشدد على أنه يتعين على الدول المغاربية الخمس٬ الالتزام بالقطيعة مع منطق الجمود٬ الذي يجعل منه المشروع الاندماجي الجهوي الأقل تقدما بقارتنا الإفريقية.

واقترح الملك كحلول لهذه المعضلة "العمل بصدق وحسن ني٬ لبلورة آليات للتضامن والتكامل والاندماج٬ كفيلة بالاستجابة لتطلعات شعوبنا الشقيقة٬ بما يحرر طاقاتها٬ ويتيح استثمار مؤهلاتها المشتركة٬ وحرية تنقل الأشخاص والمنتوجات والخدمات ورؤوس الأموال٬ وتحقيق النمو وخلق الثروات٬ وكذا ضمان الأمن الجماعي".

وعاد الملك ليؤكد بقوة بأن المغرب لن يسمح٬ في كل الظروف والأحوال٬ بأن يكون مصير صحرائه رهين حسابات الأطراف الأخرى٬ ومناوراتهم الفاشلة، وذلك من منطلق إيمانه القوي بعدالة قضيته٬ وصواب توجهاته٬ ووعيه الكامل بواجبه تجاه سكان صحرائه"، وفق تعبير الخطاب.

ودعا الملك إلى بلورة نموذج تنموي جهوي مندمج ومضبوط٬ يطبق على أوسع نطاق٬ ويهدف إلى تحقيق التفاعل والتكامل بين البرامج القطاعية٬ وإقامة منظومة اقتصادية جهوية محفزة للنمو٬ ومدرة لفرص الشغل٬ مُقترحا في هذا الصدد أن ينكب عليه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي٬ لتوفره على الكفاءات والاختصاصات المطلوبة.

07/11/2012