التعامل مع "انفصاليي الداخل" بكثير من الرقي، والاعتراف بالأخطاء الكثيرة التي ارتكبها السياسيون المغاربة في قضية الصحراء، وضرورة احترام حقوق الإنسان، وتغيير المغرب لإستراتيجية تحكم وزارة الداخلية بهذا الملف، تلك جملة من الخلاصات، التي قدمتها ندوة وطنية بالرباط، نظمتها المنظمة الديمقراطية للشغل بمناسبة عيد الاستقلال.

 

عنوان الندوة "دور الطبقة العاملة في صيانة الوحدة الترابية ومواجهة مخططات التفكيك والانفصال" أثار نقاشاً واضحاً بعدما انتقده المتدخلون وبعض الحضور لاحتوائه على مصطلحات قالوا إنها لم تعد تخدم القضية في لقاء سيّره علي لطفي، الكاتب العام للـ"ODT"، وحضره محمد أوجار وحسناء أبو زيد وكمال الحبيب ومنار السليمي، فيما غاب عنه، دون تقديم مبرر وفق المنظمين، كل من القيادي الاشتراكي محمد اليازغي والحقوقي محمد الصبار.

أوجار: على الدولة بناء الإنسان

 

أول ما بدأ به وزير حقوق الإنسان سابقا، محمد أوجار، هو انتقاد الإعلام العمومي الذي قدم على الدوام، حسب قوله، صورة مطمئنة مبالِغة عن أوضاع الصحراء، الأمر الذي جعل الرأي العام يُصدم عندما عَلم بشراسة الواقع هناك، خاصة مع التوجهات الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية التي تزعمت جبهة مناضهة المغرب في مجلس الأمن، ومع الارتباك الكبير الذي عرفته الدبلوماسية المغربية.

 

المتحدث ذاته أشار إلى أن دينامية الربيع المغربي التي باشرها الملك محمد السادس بالدستور الجديد، لم تصل بعد إلى الصحراء، وذلك بسبب احتكار الدولة لهذا الملف وعدم قيام الأحزاب بأي دور عدا "الخطابات الفلكلورية" التي تثمن كل ما يأتيها من الأعلى، معرباً عن خيبة أمله من الضعف التمثيلي للمغرب بعدد من الدول التي لا يتوفر فيها حتى على بناية تحمل اسمه، وكذلك من الاحتفالية الوهمية بدخول المغرب لمجلس حقوق الإنسان، رغم أن بلدنا دخل خلف الجزائر وجنوب إفريقيا.

 

"بنينا الإسمنت بالصحراء، ولكننا فشلنا في بناء الإنسان" يستطرد أوجار بحسرة واضحة، مضيفاً أننا نعاني من مشكل مصطلحات، عندما ننادي الانفصاليين بالخونة والمرتزقة، في حين وجب التعامل معهم، وفق تعبيره، بكثير من تقبل الاختلاف ورحابة الصدر.

أبو زيد: المبادرة الأحادية أنتجت ملفا معطوبا

 

"الإجماع على القضية الوطنية يعني الصمت عندما يتوّجب الكلام" هي واحدة من الأفكار التي انتقدت بها البرلمانية حسناء أبو زيد تدبير الدولة لملف الصحراء، مبديةً امتعاضها حتى من هذه الجملة الأخيرة التي وصفتها بالصحيحة لغوياً والفارغة واقعياً، وكذلك من البهرجة التي تقوم بها جل التنظيمات الحزبية والمدنية للخطابات القادمة من الدولة بخصوص الصحراء، دون أن تتوافر لها الجرأة، ليس حتى لانتقادها، تضيف أبو زيد، ولكن فقط لإصباغها بطابعها الخاص، ف"الموقف الرسمي يتحدث أولاً، وبعد ذلك نهرول خلفه".

 

عضوة حزب الوردة أشارت كذلك إلى أن الخطاب الخاص بالصحراء الذي نرّوجه داخلياً، هو خطاب هزيل لا أحد يقبله عالمياً، في وقت يقدم فيه الطرح الانفصالي قيادات ولا يستطيع الوحدوي تقديم أي شيء، تستطرد أبو زيد، معتبرةً أن المغرب الرسمي يقر بالنزاع ويعترف أنه لا يملك السيادة على الصحراء، وبالتالي فهو يفاوض من أجل امتلاك السيادة على مناطق لا تخضع لنفس الاعتبارات الخاصة بالأقاليم الشمالية مثلا.

 

وشددت أبو زيد على أن صمت الدولة عن الانتهاكات التي يتعرض لها بعض أبناء الصحراء، هو صمت ممنهج يضرب في العمق عمل لجان الاستماع الخاصة بهذا الصدد. منددةً في نهاية كلامها، بالخطاب "الشعبوي" الذي أدى إلى محاكم تفتيش وكراهية متفشية بين الناس لمجرد اختلافهم حول مسألة الصحراء.

الحبيب: لا حل دون ديمقراطية

 

عرج الكاتب العام لمنتدى بدائل المغرب، كمال الحبيب، على ذكرى محاولتهم تنظيم منتدى اجتماعي عالمي بالمغرب سنة 2006، وكيف منعتهم الدولة من ذلك بسبب حضور جنوب إفريقيا، معبراً عن استغرابه كيف تتحاور الدولة مع البوليساريو، وتمنع أي طرف آخر من محاولة العثور على حل، رغم أنه منذ 30 سنة، يضيف المتحدث، والأخطاء لم تتوقف في تدبير هذا الملف، ومن بينها خطأ عدم تقبل الاختلاف السياسي، الذي يبقى من أهم مداخل الديمقراطية على حد تعبيره.

 

"من غير المعقول أن نستمر اعتبار البيعة لوحدها، من الأمور التي أعطت السيادة للمغرب سابقاً في مناطق كالصحراء، ومن غير المعقول أن تتشبث الدولة بالمحاكمة العسكرية للمتورطين في أحداث اكديم إيزيك" يستنكر الحبيب، مؤكداً أن سمو القوانين الدولية على التشريعات الوطنية، من شأنه حل عدد من المشاكل، كالامتيازات الكبيرة التي تُعطى للموالين البوليساريو، ويُحرَم منها أبناء الصحراء.

السليمي: هذه ثغرات الجزائر

 

لم تَخلُ مداخلة منار السليمي من كيل الانتقادات لعدد من المتدخلين المغاربة، من بينهم غالبية البرلمانيين، عندما أشار إلى قلة كفاءتهم وعدم تقديمهم لأي نتائج، ولدبلوماسية المغرب التي أفاد بكونها تلعب دور الإطفائي فقط ولا تتشبع بالقانون الدولي في حوارتها ولقاءاتها، وكذلك للأحزاب التي تستطع منذ الاستقلال، تغيير نظرة الجزائريين إلى المغاربة، حيث أن نخبة البلد المجاور، يقول السليمي، متفقة تماماً على ضرورة "انفصال" الصحراء عن المغرب.

 

وعكس بقية المتدخلين، أسهب أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، في تبيان ما عرّفها بمواطن الخلل في الدولة الجزائرية، التي من شأن المغرب إن درسها جيداً، أن يحقق نقاطاً إيجابية فيما يتعلق بالصحراء على تعبيره، منها انسداد الأفق السياسي بهذا البلد في ظل عجز بوتفليقة عن الحكم وكثرة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. متحدثاً ضمن مداخلته، عن ما أسماها ب"حقوق الدولة" ضد بعض الجهات كالتنظيمات الانفصالية التي لا يمكن الاعتراف بها أبداً، وقوات المينورسو التي حادت عن اتجاهها في حفظ السلام وحاولت التدخل في أمور أخرى لا تخصها.

 هسبريس 

18/11/2013