باحث مغربي: الغرب غير منشغل بإيجاد حل سريع لنزاع الصحراء

في أعقاب انسحاب الاستعمار الإسباني من إقليم الصحراء، وضمه من طرف المغرب، اندلعت عام 1976 حرب بين المغرب و"البوليساريو"، قبل أن يتم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة عام 1991.

الرباط تقول بأحقيتها في الإقليم، وتقترح حكمًا ذاتيًا موسعًا تحت سيادتها، بينما تطالب "البوليساريو" باستفتاء لتقرير مصير الإقليم وفقا للوائح الأمم المتحدة، وهو ما تدعمه الجزائر التي تؤوي النازحين الرافضين لسيادة المغرب على الإقليم.

ومنذ شهور، دخلت القضية في جمود لافت، إثر توقف اللقاءات بين أطراف النزاع، التي ترعاها الأمم المتحدة، ورفض الرباط استقبال مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، كريستوفر روس.

ويعتبر الباحث المغربي، عبد المجيد بلغزال، مدير الدراسات والأبحاث في مركز الصحراء الكبرى أن جوهر النزاع اليوم بخصوص ملف الصحراء قائم مع الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، وليس مع روس.

بلغزال يخلص، في مقابلة مع وكالة الأناضول، إلى أن قراءة التقارير الصادرة عن بان كي مون منذ 2009 توضح أن تقييمه لعمل بعثة "المينورسو" يوحي بأنه كان سيقدم على إنهاء مهامها، حيث يرى أنها بمرور الوقت تآكلت سلطة البعثة وضعفت وظائفها وساهمت في الخروج عن الممارسة المتبعة في مجال حفظ السلام.

ويعتقد الباحث المغربي أن الغرب غير منشغل بإيجاد حل سريع للنزاع في الصحراء، على اعتبار أن وضعية اللا حرب و اللا سلم هي وضعية مريحة بالنسبة إليه، فهي تمكنه من الاستمرار في ابتزاز واحتواء التنافس القائم بين المغرب والجزائر بما يسمح باستباحة مقدرات المنطقة المغاربية بأبخس التكاليف.

وفيما يلي نص المقابلة:

* يعرف ملف الصحراء جمودا كبيرا منذ شهور على مستوى وساطة الأمم المتحدة للبحث عن حل سياسي للنزاع.. فمن يتحمل مسؤولية هذا الجمود؟

- قبل الحديث عن حالة الجمود، يجدر بنا أن نذكر أن جوهر النزاع يعود إلى الواقع الذي خلفه الاستعمار في القارة الأفريقية، فالاستعمار الغربي، وقبل أن يمنح الاستقلال للعديد من البلدان، لم يكن خياره هذا خيارا مبدئيا بقدر ما كان تحولا تكتيكيا يهدف إلى التقليص من كلفة المواجهة المفتوحة مع البلدان التواقة إلى الاستقلال، والانتقال إلى استعمار من نوع آخر قائم على التحكم في ثروات المنطقة على المدى الطويل، مع الاحتفاظ بكل الوسائل والإمكانات للتحكم في مسارات هذه البلدان، سواء بالاحتواء أو الابتزاز، أو حتى بافتعال المواجهات المسلحة، إذا تطلبت مصالحه ذلك.

* بمعنى أن الدول الغربية هي المسؤولة عن تدبير النزاع بهذا الشكل ؟

- لا أقصد تحميل المسؤولية كاملة للدول الغربية، لكننا ضمن هذا السياق يمكننا تأطير ملف النزاع حول الصحراء وإشكالية تدبير الحدود الموروثة عن الاستعمار. صحيح أن ارتباط أصل النزاع بمخلفات الاستعمار وآثار الحرب الباردة (1945 - 1989) وما عرفته من انقسام حاد بين المعسكرين، لكن لا يمكن إعفاء المغاربة من المسؤولية عما جرى عشية الاستقلال، ذلك أن الصراع المحموم على السلطة بين الشرعية الملكية وشرعية المقاومة الوطنية، وانفتاح هذا الصراع على الإقصاء والإقصاء المضاد، وتراجع خيار الوحدة الوطنية والترابية في سلم الأولويات، وما ترتب عليه من تفكيك لجيش التحرير في الأقاليم الجنوبية، وتضييق على القيادات التاريخية لقبائل الصحراء، كلها هذه عوامل وفرت بيئة حاضنة لطروحات الانفصال، التي وجدت بطبيعة الحال في عسكر الجزائر القاعدة الخلفية لتحقيق طموح الهيمنة، وامتلاك أوراق قوية لتحجيم المغرب والمساومة على مستقبل النزاع حول الحدود الموروثة عن الاستعمار.

* إذن كيف نحدد مسؤولية الجمود الحالية ؟ وما أسبابها ؟

- وضعية الجمود بملف الصحراء اليوم يمكن مقاربتها من زوايا مختلفة تبعا لخلفيات وخيارات أطراف النزاع المباشرة وغير المباشرة. فبالنسبة للغرب يبدو أنه غير منشغل بإيجاد حل سريع للنزاع في الصحراء، على اعتبار أن وضعية اللاحرب واللا سلم وضعية مريحة بالنسبة إليه، فهي تمكنه من الاستمرار في ابتزاز واحتواء التنافس القائم بين المغرب و الجزائر، بما يسمح باستباحة مقدرات المنطقة المغاربية بأبخس التكاليف. والجزائر، ولكي تضمن مساندة الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، كانت ولا تزال مطالبة بتقديم أفضل الشروط والامتيازات للوبي الطاقة والغاز الأمريكي بما يضر بمصالح وإرادة الشعب الجزائري، فضلا عن استعدادها الدائم لشراء وتكديس أسلحة الغرب.

أما المغرب، ولكي يحصل على دعم ولو شكليا من الجهات الغربية، فهو الآخر مطالب بالتحول إلى دركي (شرطي) يحمي الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ويسارع باستمرار إلى الانخراط في أجندات أحيانا قد لا تخدم مصالحه في المقام الأول.

* لكن لماذا يضع تحليلك الجزائر وليس "البوليساريو" في مقابل المغرب.. الجزائر تقول إنها تساند الصحراويين انطلاقا من مبدأ الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. أليس كذلك؟

- الجزائر تختفي وراء دعم مبدأ "تقرير المصير"، فهي بعد أن كانت في بداية الاستقلال تسعى للهيمنة على الفضاء المغاربي والقرار الأفريقي مستفيدة من ثورة المليون شهيد، وفورة حركات التحرر في العالم، فإن عقيدتها اليوم حولت خيار تمديد النزاع في الصحراء إلى مجرد فزاعة تخيف بها الشعب الجزائري بما تسميه "النظام التوسعي المغربي"، وذلك لشرعنة استمرار نظام مهترئ معادي لتطلعات الشعب الجزائري التواقة للديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

* لنعود إلى دور الأمم المتحدة في البحث عن حل للنزاع وموقف الرباط من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، كريستوفر روس.. هل تعتبر أنه المسؤول عن دخول المفاوضات بين أطراف النزاع إلى النفق المسدود؟

- لا أعتقد أن الإشكال مرتبط بالوسيط الأممي روس، بل إنه أكبر من ذلك، وفي تقديري أن جوهر النزاع اليوم قائم مع الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ولكي نفهم سياق هذا النزاع لابد من قراءة التقارير الصادرة عنه منذ سنة 2009، خاصة تقريره الصادر في أبريل 2012، والذي قدم فيه تقييما لعمل بعثة "المينورسو" في الصحراء.

ففي هذا التقرير يتطرق الأمين العام إلى الوضعية المهترئة التي أصبحت تتسم بها بعثة "المينورسو" لدرجة أن المتتبع لحدة التقييم والأوصاف الواردة في حق البعثة، يعتقد أن بان كي مون كان يمهد لإنهاء مهام البعثة. ومما ورد في وصفه للبعثة: "وقد أدى هذان التفسيران (تفسير المغرب والبوليساريو) المتباينان إلى الأخذ بنهج في التعامل مع البعثة أفضى بمرور الوقت إلى تآكل سلطة البعثة، وضعف وظائفها وساهم في الخروج عن الممارسة المتبعة في مجال حفظ السلام". وأضاف في التقرير: "فقد أصبح من الصعب على نحو متزايد للبعثة الوفاء بمتطلبات تنفيذ ولايتها بطريقة تتسم بالمصداقية نظرا للقيود التي استجدت مع مرور الوقت". وأورد في باب الملاحظات والتوصيات حكم قاس على البعثة يقول فيه: "لقد أوجزت مجموعة من التحديات في تقريري هذا، و كلها تثبت أن البعثة لا تستطيع أن تمارس بصورة كاملة مهام الرصد و المراقبة و الإبلاغ في إطار حفظ السلام، ولا أن تغتنم السلطة لوقف تآكل قدراتها على تنفيذ الولاية من تلقاء نفسها".

إن التقييم الحاد الذي مارسه الأمين العام للأمم المتحدة بحق البعثة هو نقد وإدانة مبطنة وضمنية لموقف طرفي النزاع (المغرب والبوليساريو) من البعثة، كما أن هذا النقد الحاد كان بمثابة مقدمة لإعادة النظر في البعثة بما في ذلك توسيع ولايتها لتشمل حقوق الإنسان.

انطلاقا من مما ورد في تقرير 2012 يمكن الجزم بأن جوهر النزاع كان ولا يزال قائما مع الأمين العام نفسه، ولعل ما يؤكد هذا الفهم إقدامه في الشهور الأخيرة على تكليف شخصية من تيمور الشرقية (خوسيه راموس هورتا) بمراجعة وتقييم بعثات السلام الأممية (بينها البعثة الخاصة بالصحراء)، وهي شخصية مقربة من "البوليساريو".

* بمعنى أن الدولة المغربية أخطأت حين سحبت الثقة من روس قبل أن تتراجع عن قرارها؟

- لا يمكن الحكم على قرار سحب الثقة ثم التراجع عنه بمعيار الخطأ و الصواب، وذلك لاعتبارات سياسية قد لا نتوفر على كل خيوطها، غير أن المؤكد أن قرار التراجع عن سحب الثقة كان بمثابة رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي للتعبير عن مدى التزام المغرب بالشرعية الدولية، والحرص على إيجاد حل سياسي للنزاع.

* لكن، ألم يؤثر قرار سحب الثقة من روس على مهامه كوسيط بين أطراف النزاع لاحقا ؟

- طبعا، فخيار سحب الثقة قد يكون ساهم في مزيد من التوتر في العلاقة مع روس، مما يحد من بناء مداخل الثقة اللازمة لتدبير ملف النزاع.

* بحسب تحليلك، فإن مسؤولية الجمود يتحملها الأمين العام للأمم المتحدة الذي ينتقد البعثة بحدة، فهل يمكن أن يصدر قرارا بإنهاء مهامها ؟

- لا أتصور انسحاب البعثة رغم تآكل قدراتها، وذلك لسبب بسيط هو أن البعثة نجحت على الأقل في ضمان وقف إطلاق النار منذ 1991، ولأن مصالح الدول الكبرى حريصة على استمرارية وضعية اللا حرب واللا سلم، لاسيما في سياق يتميز بحالة التوتر في شمال أفريقيا الناجمة عن إجهاض مسارات الربيع العربي وانتشار الحروب الأهلية، والسلاح بجميع أشكاله و ازدياد سطوة الجماعات الجهادية المسلحة، والجريمة المنظمة في الساحل و الصحراء، وارتفاع مخاطر الدول الفاشلة، فالمحيط الجيوستراتيجي لا يحتمل بالمطلق أي منزلق جديد بالمنطقة.

01/01/2015