بينما كان الكثير من مناصري جبهة البوليساريو وأطروحتها الانفصالية يتطلعون إلى المؤتمر الرابع عشر للتنظيم، الذي عقد على مدى أسبوع في المخيمات، خاب أمالهم بعدما لم يخرج بأي مقررات تذكر، عدا إعادة انتخاب محمد عبد العزيز كأمين عام للجبهة للمرة الثانية عشرة على التوالي.

عبد العزيز كرس بهذا الانتخاب، حسب عدد من المراقبين، لهيمنته على المشهد السياسي في مخيمات تيندوف، رغم مرضه ونقله أكثر من مرة إلى خارج المخيمات من أجل تلقي العلاج من مرض لم تفصح بعد جبهة البوليساريو عن طبيعته؛ فيما أشر انتخابه من جديد على أنه يطمح إلى أن يظل في منصبه إلى حين وفاته، من أجل تكريسه كـ"رمز" من رموز الجبهة.

وقبل انعقاد المؤتمر كانت تتطلع عدد من الهيئات الداعمة والمعارضة لقيادة "الرابوني" إلى أن يتم إصدار مقررات وتوصيات بشأن العودة إلى الحرب ضد المغرب، أو تبني خيار المفاوضات المباشرة، من أجل الخروج من المأزق الذي يعيشه ملف الصحراء، وتقصير أفق إيجاد حل لهذا النزاع الذي استمر أكثر من أربعين سنة، بين حرب لم تفض إلا إلى قتلى وجرحى، ووقف لإطلاق النار أدخل القضية ثلاجة منظمة الأمم المتحدة.

ما تمخض عنه المؤتمر الأخير جعل فصيلا شبابيا معارضا في المخيمات يدعى "شباب الثورة الصحراوية" يخرج عن صمته، ويعبر عن خيبة أمله، مؤكدا أن "قيادة البوليساريو لم تعد الإطـار السياسي الجامع لكل الصحراويين، بعد ما شهده المؤتمر الشعبي العام الرابع عشر من سطو على الإرادة الشعبية، واحتكار للقرار السياسي من قبل مجموعة نصبت نفسها وصية على المشروع الوطني".

واعتبر التنظيم ذاته أن محمد عبد العزيز "يقوم بسياسة الفوضى والفساد"، واصفا إياه بـ"أقدم رئيس في العالم"، ومشدد على أن "التمادي في السياسة الحالية" سيدفعه إلى البحث عن بدائل بعيدة عن وصاية ما أسماها "الزمرة الحاكمة".

وفي قراءته ما تمخض عنه المؤتمر الأخير، أكد أحمد نور الدين، الباحث في الشؤون الصحراوية، أنه "يمكن قراءة هذه النتائج من شقين، الأول مرتبط بإعادة تعيين محمد عبد العزيز على رأس الجبهة، والثاني مرتبط بنتائج المؤتمر بشكل عام".

وأكد نور الدين، في تصريح لهسبريس، أن "إعادة التعيين واستمرار عبد العزيز للمرة الثانية عشرة على رأس الجبهة يحمل دلالات ثلاث، الأولى غياب الديمقراطية داخل الجبهة وسيادة الرأي الوحيد، وهذا ليس غريبا عن تنظيم ترعاه المخابرات الجزائرية؛ أما الدلالة الثانية فتؤشر على أن الجبهة لا تملك قرارها، وإنما تقوم بما يمليه حكام الجزائر، واستقبال بوتفليقة لعبد العزيز قبيل المؤتمر يعد إشارة واضحة وصريحة"، يؤكد المتحدث ذاته.

ثالثا، يضيف الخبير في الشؤون الصحراوية، فإن "إعادة تعيين عبد العزيز فشل مزدوج للنظام الجزائري والانفصاليين في إيجاد بديل مقبول من جميع التيارات داخل تيندوف وخارجها؛ وهو ما يهدد الكيان الانفصالي بالانفجار من الداخل، وذلك في ظل الاحتقان الذي تعيشه المخيمات على خلفية ظهور تيار "خط الشهيد"، الذي تم تجريد زعيمه من الجنسية الجزائرية وكل أوراق هويته بسبب موقفه المناهض للقيادة الحالية للانفصاليين، وسيطرة الجزائر على قرارات الجبهة، بالإضافة إلى الاحتجاجات التي يقوم بها شباب المخيمات".

في ما يخص نتائج المؤتمر ومستقل الجبهة، فشدد المتحدث ذاته على أنه "غاب عنها ما كانت تتبجح به قيادات الانفصاليين من العودة إلى حمل السلاح ولو للمزايدة"، مرجعا ذلك إلى كون "قيادة الجبهة وحضانتها الجزائرية تعلمان علم اليقين أن العودة للسلاح، ولو بالتصريح، هو أكبر هدية تقدمها إلى المغرب لإنهاك المسلسل العبثي الذي يسمى مفاوضات، والذي ليس إلا حوار "طرشان""، على حد تعبيره.

"أظن أن العقول التي تدبر الملف في العاصمة الجزائرية التقطت الإشارات التي أرسلتها الرباط برفض استئناف المفاوضات دون شروط، كتحديد جدول زمني واضح للمفاوضات بأهداف دقيقة، وإحصاء اللاجئين وفق المعايير الدولية، ورفع الحصار، والسماح بلم شمل الأطفال والنساء والشيوخ بذويهم"، يؤكد احمد نور الدين، مضيفا أن "الخطاب الملكي من العيون بمناسبة المسيرة الخضراء أعاد تأطير المفاوضات وحدد سقف التنازلات، وشرع في إستراتيجية سياسية واقتصادية شاملة".

ومن أبرز مرتكزات هذه الإستراتيجية، على حد تعبير المتحدث ذاته، "الجهوية الموسعة ونهاية احتكار الجبهة لتمثيل الساكنة في الصحراء، إذ أعلن الملك أن الممثلين الحقيقيين هم من تم انتخابهم بكل حرية وشفافية وبأغلبية في انتخابات الرابع من شتنبر السابقة"، معتبرا أن "هذه تعد إشارة قوية إلى أنه يمكن للمغرب أن يعيد النظر في العملية برمتها من خلال الطعن في شرعية تمثيل الجبهة لساكنة الصحراء في المفاوضات".

واستنادا إلى ذلك، أكد أحمد نور الدين أنه "لم يكن أمام الجزائر والجبهة إلا أن تعيدا لعب الورقة الكلاسيكية، والممثلة في الرجل المريض عبد العزيز من أجل تفادي كل المفاجآت غير سارة".

27/12/2015