دعا الخبير المغربي في العلاقات الدولية، سعيد الصديقي، إلى ضرورة التفكير في صيغ جديدة متقدمة لضمان حقوق القوميات الصغيرة، دون المساس بوحدة دولها.

 

** قرن القوميات الصغيرة

وفي مقابلة مع الاناضول، توقع الصديقي؛ وهو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بأبوظبي، أن "يكون القرن الحادي والعشرين قرن بروز القوميات الصغيرة التي ستطالب بمزيد من السلطات لتدبير شؤونها الخاصة".
وأضاف أنّ تلك السلطات ستكون إمّا "في شكل حكم ذاتي أو صيغة أخرى أكثر تقدما".
ولفت أنّ هذه الظاهرة ستهدّد، بشكل أكبر، دول الجنوب، باعتبار الدور الذي تلعبه الأزمات الاقتصادية والسياسية في تحفيز المطالب الانفصالية.
ودعا الخبير إلى ضرورة إيجاد حلول "استباقية ومنصفة"، قادرة على كبح الأزمات.
وفي معرض حديثه عن أمثلة للنزعات الانفصالية بالعالم، تطرّق الصديقي إلى الأزمة الأخيرة بين إقليم كتالونيا شرقي إسبانيا والحكومة المركزية في مدريد.
واعتبر أنّ المعركة السياسية بإسبانيا وضعت أوزارها تقريبا لصالح خيار وحدة إسبانيا، بالنظر للتفاوت الواضح في موازين القوى السياسية والمادية لصالح الحكومة المركزية".
ووفق الخبير، فإنه "لم يتبقّ للتيار الانفصالي خيارات كثيرة، وسيجد نفسه مضطرا لمواصلة عمله في إطار المؤسسات القائمة، وهو ما تؤكّده تصريحات زعماء التيار الانفصالي ممن أكدوا مشاركتهم بالانتخابات القادمة التي دعت إليها مدريد".

وبغض النظر عن الانتخابات المقبلة بالإقليم، والتي يتوقع أن تعيد الأحزاب المؤيدة للوحدة لتتصدر المشهد السياسي، اعتبر الصديقي أنّ خيار الانفصال "خسر المعركة الحالية".
ومستدركا: "غير أن هذا لا يعني أن التيار الانفصالي سيعيش أزمة أو انكماشا لافتا، بل بالعكس، بوسعه العودة بقوة مستقبلا، خصوصا في حال واجهت إسبانيا أزمات اقتصادية وسياسية كبيرة".

ومع ذلك، لفت إلى أنه يظل من الصعب على هذا التيار تحقيق حلمه دون الحصول على "تأييد أو على الأقل حياد الاتحاد الأوروبي".

** الاتحاد الأوروبي.. التوفيق بين الانفصال ووحدة الدول

وتوقّع الخبير المغربي أن يشكّل مآل أزمة كتالونيا مؤشرا على طريقة تعامل الاتحاد الأوروبي مستقبلا مع دعوات الانفصال.

وأشار الصديقي أن مآل الأزمة يظهر أيضا، وفق المؤشرات الحالية، محدودية فرص نجاح النزعات الانفصالية في ظل غياب دعم إقليمي ودولي.

وبشأن دور الأزمة في تحديد الخطوط العريضة للسياسة الأوروبية تجاه دعوات الانفصال، توقع الخبير المغربي أن "يبتكر الاتحاد الأوروبي مناهج أخرى ليوفق أكثر بين المطالب الانفصالية والحفاظ على الوحدة الإقليمية للدول الأعضاء".

ورجح أن "يجد الحل، مستقبلا، في شكل متقدّم للحكم الذاتي". 

وفي معرض حديثه عن مدى تأثير الأزمة على الاتحاد، قال إن محاولة انفصال كتالونيا لا تشكل أزمة حقيقية للمنظمة الأوروبية.
وأشار أنّ "الأزمة التي أثرت إلى حد ما في الاتحاد الأوروبي كانت بسبب الوضع الاقتصادي الصعب في اليونان، والذي كاد أن يؤدي إلى انسحابها من مظلته، وستتفاقم أزمة هذه المنظمة أكثر بعد إعلان انسحاب بريطانيا منها" رسميا. 
وعن موقع بلاده في خضم تفاعل الاتحاد الأوروبي مع مشاكل بلدانه الأعضاء، قال الصديقي إن المغرب يستفيد اقتصاديا بشكل أكبر، حين تكون المنظمة الأوروبية قوية ومتماسكة، وقادرة على تنفيذ جميع التزاماتها المتعلقة بالشراكة مع المملكة.

ولفت أنّ أي أزمة قد تؤثر على قدرة الاتحاد على تنفيذ التزاماته، وسيدفعه إلى الانكماش والاهتمام بمشاكل الدول الأعضاء.

** كتالونيا.. نزعة انفصال جديدة

وبشأن تأثير أزمة كتالونيا داخليا على إسبانيا، قال الصديقي إن البلد الأوروبي لا يزال يكابد من أجل الخروج من ارتدادات الأزمة المالية لعام 2008".

غير أنه قلل من تداعيات أزمة كتالونيا على الاقتصاد الإسباني الذي يواصل نموه، حسب التقارير الرسمية.

وأوضح أنّه بإمكان الحكومة الإسبانية التحكّم في أي آثار اقتصادية محتملة في المستقبل القريب، خصوصا في حال استعاد الوضع في كتالونيا إلى استقراره، ولم تنفّذ بعض الشركات الكبرى تهديدها بمغادرة الإقليم.

ووفق الخبير، فإن المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، تعتبر الاقتصاد الإسباني الأفضل أداء في منطقة اليوور، في السنوات العشر الأخيرة، معتبرة أن توقعات الاقتصاد الإسباني لا تزال ايجابية.

غير أنه لم يستبعد أن يؤثّر استمرار أزمة الإقليم دون حلّ نهائي، على المدى القريب، في ثقة المستثمرين بالاقتصاد الإسباني.

أما سياسيا، فاستبعد الصديقي تفاقم الوضع في إسبانيا أكثر مما هو عليه حاليا، نظرا للتأييد السياسي العام الذي حازه موقف الحكومة من قبل مختلف القوى السياسية، وخصوصا التأييد الواسع من مختلف القوى الممثلة في مجلس الشيوخ الذي فوض رئيس الحكومة تفعيل المادة 155 من الدستور بما يؤدي إلى حل حكومة كتالونيا. 

وأوضح أن تداعيات الأزمة السياسية ستنحصر في طريقة تدبير العلاقة مستقبلا بين الحكومة المركزية والأحزاب التي دعت إلى الانفصال. 

ومطلع أكتوبر/ تشرين أول الماضي، أجرت حكومة كتالونيا استفتاء على الانفصال، من جانب واحد، وأعلنت أن 90 % من المقترعين صوّتوا لصالح الانفصال، فيما وصفت الحكومة الإسبانية الاستفتاء بـ"غير الشرعي".

و فوّض مجلس الشيوخ الإسباني، الحكومة المركزية بتطبيق المادة 155 من الدستور، التي تنص على حل حكومة كتالونيا، وإجراء انتخابات مبكرة خلال 6 أشهر.

وفي خطوة مضادة لاحقة، أعلنت الحكومة المركزية الإسبانية، يوم 28 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، عزل حكومة كتالونيا ومدراء الشرطة المحلية عن مناصبهم، وتعيين وزراء لها، لتولي مهام حكومة الإقليم عقب حله.

10/11/2017