خبير يتهم الجزائر بالإهمال القانوني والأخلاقي لسكان تندوف

متَحَ الدكتور صبري الحو من قاموس القانون الدولي ليبرهن بأن الجزائر والمفوضية الأممية تعبثان بمسؤوليتهما القانونية والأخلاقية إزاء ساكنة مخيمات تندوف، من حيث الحفاظ على الطابع المدني للمخيمات، ومبدأ التزام احتكام اللاجئين في خصوماتهم إلى قانون دولة اللجوء، وأيضا من ناحية إهدار الحق في التعبير والحق في التنقل وتعطيل الحلول الدائمة".

وشدد الحو، وهو محامي بمكناس وخبير في القانون الدولي، في مقال خص به هسبيرس، على أن الجزائر تنتهك الحقوق التي يكفلها القانون الدولي للاجئين الصحراويين، مبرزا أن الوضع الذي يوجدون عليه ليس له تكييف آخر خارج الاحتجاز الجماعي، أو إقامة إجبارية في غياب ارتكاب اللاجئين الموضوعين رهنها لأية جريمة، ولا حوكموا من قبل أية هيئة قضائية".

وهذا نص مقال الحو كما ورد إلى الجريدة:

 

" أنا عايش مجهول لا مكان ولا عنوان وما عندي كيان"....الفنان الصحراوي الناجم علال

بغض النظر عن الظروف التي أملت أو أجبرت فئة من الصحراويين أو غررت بهم على النزوح إلى التراب الجزائري ، وبالضبط بتندوف، واكتسابهم صفة "لاجئين" على إثر الوصف الجماعي باللجوء، الذي أطلقته الأمم المتحدة عليهم. وهو الوصف والتسمية التي أثارت سجالا وجدالا كبيرا بين فقهاء القانون الدولي ولقي رفضا من قبل المغرب دون أن يصل حد الضغط لإلغائه ورفضه. فإن ما تطابق عليه إجماع الكل، دولا وقانونيين دون اعتبار صف ميلها الإيديولوجي أو طبيعة النظام السياسي لها ولا انتمائهم، يكمن في مضمون الالتزام على عاتق دولة وعلى المفوضية السامية للاجئين لصالح شخص أو فرد بسعي منه لسبب من الأسباب، والتي بموجبها بحث عن الحماية لدى دولة أخرى، ويعتبر هذا الالتزام في جزء كبير منه حقوقا تؤول لفائدة اللاجئ.

ومن أجل تحديد طبيعة الالتزامات القانونية على عاتق دولة الإقليم، الجزائر، لفائدة اللاجئين في تندوف، يجدر بنا أولا الوقوف عند مجموعة من الاتفاقيات والمواثيق الدولية المنظمة والمؤطرة للجوء والمركز القانوني للاجئين، بغية تحديد الحقوق والحريات التي تقرها، قبل الانتقال في مبحث ثان للتعريف بالآليات الدولية التي أنشأت من أجل كفالة وضمان احترام الدول المستضيفة فوق إقليمها للاجئين لحقوقهم المشار إليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، أو في تشريعات الدول الداخلية، في حالة توفيرها قوانينها الداخلية لهم لحماية أكبر.

أولا: مجموعة القانونية على المستوى الدولي

بدأ الاهتمام بحقوق مجموعة من الفئات؛ كالأجانب والمهاجرين والنساء والأطفال والمعاقين والأحداث والمدنيين أثناء الحروب والمستعبدين والمسترقين واللاجئين وغيرهم، بمجرد ما تفطنت المجموعة الدولية لأهمية ضرورة إقرار قواعد قانونية دولية لضمان الحقوق والحريات الأساسية للفرد. وهو اهتمام كان الهاجس من خلفه صد التيارات والسلوكيات التي كانت تجنح لاحتقار الإنسان وإهدار كرامته، بعد سلسلة تجارب نجمت عن ويلات الحروب الأهلية أو نتيجة حروب عالمية، أو فقط نتيجة القهر والاضطهاد سببه أنظمة شمولية واستبدادية ديكتاتورية، ضيقت من الحقوق وصادرت الحريات.

ويمكن ضبط تاريخ جلب الانتباه الرسمي للمجموعة الدولية بفئة اللاجئين في عهد عصبة الأمم، وبالضبط 1921 بتعيينها لمفوض سام اهتم باللاجئين الروس، واستمرت هذه العناية انتهاء الحرب العالمية وتأسيس منظمة دولية بديلة لعصبة الأمم، منظمة الأمم المتحدة الحالية، وقرارها إنشاء المنظمة الدولية للاجئين سنة 194، كما أن اهتمام المجتمع الدولي بتلك الفئة تعكسه القواعد القانونية المتعددة والموزعة في اتفاقات دولية عديدة أو حتى في الدساتير الوطنية، التي أولت اهتماما خاصا بها.

-أ- القواعد القانونية الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان

قبل سبر ما توفره مجموعة من الاتفاقيات الدولية الخاصة بوضع فئة اللاجئين من حقوق وحريات لفائدتهم، فإنه من الضروري بدءا الإشارة إلى ما يوفره القانون الدولي لحقوق الإنسان ومجموعة الاتفاقيات الإقليمية من قواعد قانونية تعزز حماية حق حرية التنقل وحق الخروج من بلد الإقامة والعودة إليه، بالإضافة إلى كفالة حق طلب الحماية لدى دولة أخرى لمن يعاني القهر والاضطهاد السياسيين، وهكذا فان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 في مادته 13 الفقرة الثانية والمادة 14 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 12 الفقرة الثانية، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أو اتفاقية حقوق الإنسان والحريات الأساسية بروما 1950، والتي أضيفت إليها مجموعة من البروتوكولات، بقصد إضافة بعض الأحكام عليها أو الإقرار بمزيد من الحقوق والحريات، أخرها اعتماد بروتوكول 1998، وبالرغم من غياب حق اللجوء كحق أساسي من حقوق الإنسان في هذه الاتفاقية، فان هيئات الاتفاقية الأوروبية اجتهدت لإيجاد بديل يغطي ذلك الفراغ فأجازت مثلا دخول الأجانب وإقامتهم درءا لمخالفة بعض مواد الاتفاقية 3 و4 و8 و14. والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، المادة22 الفقرة السابعة، والتي تنص على حق اللجوء في حالة الملاحقة بسبب جرائم سياسية وحتى في إطار جرائم الحق العام، واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية بأديس أبابا 1969، وإعلان قرطاجنة 1984، ومبادئ بانكوك حول ومعاملة اللاجئين 1966، والنظام الأوروبي المشترك للجوء 2004.، هذا ناهيك عن الدساتير الوطنية، التي أصبحت عبارة مدونات عالمية للحقوق، وتتضمن مواد لها علاقة بمعاملة الأجانب واللاجئين و تحديد حقوقهم وحرياتهم، والتي لا تنقص في جزء كبير منها على حقوق وحريات الوطنيين وفي بعضها تلك المحددة للأجانب أو في إطار المعاملة بالمثل في على شكل اتفاقيات ثنائية مع الدول الغير.

أما الاتفاقية الخاصة بوضع فئة اللاجئين، فهي الاتفاقية، التي اعتمدت بتاريخ 28 يوليوز 1951، في مؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين بشأن اللاجئين وعديمي الجنسية، من أجل كفالة أوسع لحقوقهم وحرياتهم الأساسية، وكذا البروتوكول الخاص بوضع اللاجئين 1966.

-ب- مضمون الحقوق والحريات الواردة في المواثيق والاتفاقيات الدولية

يدور مضمون الاتفاقيات على تحديد الوضع القانوني للشخص اللاجئ، حيث تطابقت في خضوع اللاجئ في أحواله الشخصية لقانون بلد موطنه أو قانون بلد إقامته، إن لم يكن له موطن. وتلتزم الدولة المانحة لحق اللجوء أو التي يقع اللاجئين في إقليمها على منحهم معاملة لا تقل عن الرعاية والحماية الممنوحة لمواطنيها في ما يتعلق بملكية الأموال سواء كانت منقولة أو عقارية وصناعية وتجارية وأدبية وغيرها، كما تضمن الدول المتعاقدة للاجئين حق الانتماء للجمعيات وحق التقاضي الحر أمام محاكمها، وهم في كل ذلك سواء في المعاملة التي يتمتع بها المواطن من حيث التقاضي أمام المحاكم. وفي ما يتعلق بالعمل المأجور فان دولة الإقليم تمنح للاجئين في ما يتعلق بممارسته أو في ما يتعلق بممارستهم عملا لحسابهم الخاص في كافة الميادين معاملة الوطنيين وتولى لهم رعاية لا تقل عن تلك الممنوحة للأجانب عند رغبتهم في ممارسة مهنة حرة تخولها لهم شهادة يحملونها ومعترف بها. وهي نفسها الرعاية الممنوحة لهم في الإسكان. وفي التعليم الأساسي، حيث تضمن الاتفاقية للاجئين عناية المواطنين في مقابل ما يمنح للأجانب بخصوص باقي فروع التعليم غير الأساسي.

أما فيما يخص التدابير الإدارية فان الدول ملزمة بإصدار وثائق وشهادات وبطاقة الهوية لمن لا يملك وثيقة سفر صالحة لصالح اللاجئين تمكنهم من حرية التنقل بصورة نظامية في إقليمها واختيار محل إقامتهم. ويمتد التزام دول الملجأ بخصوص اللاجئين الموجودين بصورة غير مشروعة إلى منع فرض عقوبات عليهم بسبب ذلك، وتمتنع كذلك عن فرض قيود على تنقلاتهم وعلى طردهم أو ردهم. كما تلتزم الدول باستيعاب اللاجئين ومنحهم جنسيتها.

ثانيا: الآليات الدولية لتعزيز الحماية للاجئين

مهما تكن تغطية القواعد القانونية شاملة ومتينة وجيدة، فان احتمال عدم تنفيذها وإهمالها وخرقها وانتهاكها أو التحايل والالتفاف عليها، في حكم السلوك والتصرف الوارد جدا من طرف السلطة، التي لا طالما وصفت أنها تميل نحو الشطط والتعسف، الشيء الذي قد يفوت الحماية لأشخاص وأفراد ما أحوجهم إليها، ففروا وهربوا ولجئوا إلى بلدان بحثا عنها، فوجدوا أنفسهم مهددين بالعودة والطرد إلى حيث كانوا مهددين في حياتهم وأرواحهم، أو على الأقل اللجوء إلى حبسهم واعتقالهم واحتجازهم بسبب بحثهم عن الحماية، أو يجدون أنفسهم أسهما للمتاجرة، أو أذرعا بشرية لقاء انتزاع موقف أو تحقيق مصلحة أو ابتزاز لقاء فدية أو أداة للاعتداء على سيادة دول. ومن تم فكرت المجموعة الدولية في إحداث آليات دولية تعزز احترام حقوق وحريات اللاجئين، وهكذا فتم تأسيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سنة 1951 تنفيذا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 428 ، ويدور عملها ذو الطابع الإنساني والاجتماعي المحض غير السياسي، حسب النظام الأساسي للمفوضية، في توفير وتأمين الحماية والمساعدة الدولية من الحكومات المعنية للاجئين الذين تشملهم اختصاصات المفوضية بواسطة المفوض السامي، الذي يسهر على ذلك. ومؤازرة الجهود الحكومية والخاصة التي تصبو تسهيل وتيسير عودة اللاجئين باختيارهم إلى أوطانهم أو اندماجهم في بلد اللجوء أو في مجتمعات وطنية جديدة. ويدور هدفها الآخر في سعيها الحصول من الحكومات على معلومات بشأن عدد اللاجئين الموجودين على أراضيها( أي إحصائها)، والأوضاع التي يعيشون فيها، وبشأن القوانين والأنظمة الخاصة بهم.

وهنا يعن لنا أن نطرح السؤال الجوهري: هل اضطلعت المفوضية والمفوض السامي بمهامه وأتيا التزامهما وواجبهما تجاه "اللاجئين" الصحراويين في تندوف و في مواجهة دولة إقليم إقامتهم بالجزائر؟ أم أنها تلكأت عن أداء دورها وتواطأت أو غضت الطرف على سلوكات وتصرفات هي من صميم عملها واختصاصها؟ وهو ما سنتناوله في المبحث الأخير.

ثالثا: المسؤولية القانونية والأخلاقية للجزائر تجاه "اللاجئين" في مخيمات تندوف

بمعرفتنا للحقوق والحريات التي تولى المجتمع الدولي وبالتراضي إقرارها لفئة اللاجئين والموزعة في مجموعة من الاتفاقيات الخاصة بالشرعية والإعلانات والعهود والمواثيق الدولية وفي الاتفاقيات الخاصة بتلك الفئة، وبتحديدنا لالتزامات دولة الإقليم تجاه اللاجئين وتحديدنا لدور المفوض السامي المعني باللاجئين. نخلص إلى نتيجة مفادها أن فحص وتقدير مدى احترام وضمان الجزائر لالتزامها الدولي والقانوني والأخلاقي تجاه اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف، الإقليم الخاضع لسيادتها، يستدعي الوقوف عند سلوك الجزائر بخصوص الحقوق المفترض تمتيع اللاجئين بها، انسجاما مع التزامها القانوني بانضمامها وتوقيعها ونشرها لتلك الاتفاقيات..

أ- من حيث مبدأ الحفاظ على الطابع المدني للمخيمات

تعتبر قاعدة الحفاظ على الطابع المدني والإنساني والسلمي لأماكن إقامة اللاجئين بما فيها المخيمات، أحد الواجبات والالتزامات التي تلتزم بها دول إقليم إقامة اللاجئين، بما فيها الجزائر باعتبارها دولة إقليم تندوف، الذي يقيم فيه اللاجئون الصحراويون، وهذا المبدأ أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارات متواترة، منها على سبيل المثال لا الحصر، القرار أ58/149 والقرار أ59/172 والقرار أ60/128 وكذا الخلاصة 94 المعتمدة من لدن اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين سنة 2002، وبالضبط 8 أكتوبر.

وهذا المبدأ قد انتهكته الجزائر من خلال سماحها بعسكرة المخيمات، إذ تعج المخيمات بأجهزة أمنية مختلفة من شرطة وقائدها محمد الشيخ، ودرك وقائده محمد علال وعسكر ووزيره الأمين البوهالي، وهو ضابط صف في الجيش الجزائري قبل انخراطه في البوليساريو، ومخابرات، التي يطلق عليها مديرية حماية المؤسسات وقائدها إبراهيم بيد الله، وهو بالمناسبة شقيق محمد الشيخ بيد الله رئيس مجلس المستشارين المغربي الحالي، وجهة أخرى تسمى الناحية السادسة مكلفة بمراقبة الدخول والخروج من وإلى المخيمات وقائدها أبا حمودي بالإضافة إلى مؤسسة تسمى وزارة الداخلية ووزيرها حمة سلامة. وهذه الأجهزة ليست جزائرية بل أنشأتها قيادة البوليساريو لإحكام قبضتها وإحكام حصارها على المخيمات. وقد وقفت منظمة روبرت كيندي للعدالة وحقوق الإنسان عند هذه حقيقة وأقرت بوجود هذه المؤسسات الأمنية ، وأشارت بالاسم إلى وزارة الدفاع. وهو تصرف لا ينسجم هذا ووضع اللجوء؟ وترخيص وسماح لا ينسجم هذا والتزام دولة الإقامة الجزائر بالحفاظ علي الطابع المدني للمخيمات.

ب-من حيث مبدأ التزام احتكام اللاجئين في خصوماتهم إلى قانون دولة اللجوء وأمام تنظيمها القضائي

تلتزم دولة إقليم اللاجئين بتطبيق قانونها على ما قد ينشأ من دعاوي وخصومات بين اللاجئين وأمام محاكمها التي يتولى تنظيمها القضائي تحديد عددها ودرجاتها واختصاصاتها وتركيبتها وهم في ذلك سواء مع الوطنيين. وهذا المبدأ خرقته وانتهكته الجزائر من خلال سماحها بتطبيق قانون غير قانونها الداخلي في مخيمات اللجوء بتندوف، إذ يطبق قانون البوليساريو فيها، كما خرقته ثانية بسماحها بإنشاء محاكم خارج تنظيمها القضائي. إذ تم رصد تقاضي سكان المخيمات إلى محكمة الصلح ، وهي عبارة عن قضاء تقليدي شعبي يحتكم إليه عادة للنظر في دعاوي الأحوال الشخصية الخاصة بالزواج والطلاق.

هذا بالإضافة إلى محكمتين ابتدائيتين، إحداهما بمخيم أوسرد وتشمل دائرة اختصاصها أوسرد ومخيم العيون ومخيم السمارة، والمحكمة الابتدائية الثانية وتوجد في مخيم الداخلة. أما المحكمة الزجرية الواحدة، فهي توجد في مخيم بوجدور، وتعتبر في نفس الوقت محكمة استئناف ومحكمة نقض.

وكل هذه المحاكم لا ينص عليها التنظيم القضائي الجزائري ولا يطبق فيها القانون الجزائري ولا يرأسها ويحكم فيها قضاة جزائريون، بل كل ذلك من صنع وإنشاء البوليساريو وبترخيص وتشجيع جزائري.

ومن تم نخلص ثانية إلى خرق الجزائر لهذا المبدأ.

ج-من حيث إهدار الحق في التعبير والحق في التنقل وتعطيل الحلول الدائمة

ينص القانون الدولي لحقوق الإنسان في الاتفاقيات العامة والخاصة بما فيه النظام الأساسي للمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين على كفالة حماية شمولية وبمفهومها الواسع للاجئين، تتجاوز توفير الغذاء والمسكن والعناية الصحية. إلى مراقبة المفوضية لمدى وفاء الدول المعنية بإقامة اللاجئين فوق إقليمها لالتزاماتها وواجباتها القانونية لصالحهم. وتتعدى مسؤوليتها (أي المفوضية) تتعدى المراقبة إلى مسؤولة اطلاع اللاجئين في المخيمات بتندوف بحقوقهم وتوعيتهم بها وضمان حق التعبير عن أفكارهم وآرائهم بشكل فردي أو جماعي وحق الانتماء إلى الجمعيات. وهو الدور الذي لا تضطلع به المفوضية والحقوق التي لا تضمن حمايتها الجزائر لأنها فوضت ووكلت عنها البوليساريو التي تصادرها، إذ لا يسمح بالتعبير سوى لصوت واحد، صوت الانفصال وصوت أن المغرب استعماري وأن المغرب توسعي. أما من يحمل رأيا مخالفا فهو يتحين فرصة للهروب، وأن تحدى وامتلك الشجاعة وحصل على ضغط إعلامي وحقوقي مثل مصطفى ولد سلمى فانه يبعد ويطرد. أما باقي المواطنين فإنهم يقتلون مثال للشابين اللذين أُطلق النار عليهما مؤخرا على الحدود الموريتانية، أو منهم من يتعرض للاعتقال أو الاختطاف وآخرهم الشاب محمد مولود بوسحاب، الذي اعتقل لمدة ثلاثة أيام لأنه تقدم إلى المفوضية قبل اعتقاله بعشرة أيام بطلب مساعدته في العودة إلى المغرب .

ويتعدى ذلك ليشمل عدم تيسير عودة اللاجئين باختيارهم إلى أوطانهم أو اندماجهم في مجتمعات وطنية جديدة، وهو ما يطلق عليه بإعمال الحلول الدائمة. وهو ما ترفضه الجزائر من خلال امتناعها عن ضمان حرية التنقل للاجئين وتلكئها عن تسليمهم وثائق الهوية ووثائق السفر، باستثناء قيادة البوليساريو وثلة قليلة من السكان، المضمون ولاؤهم بشراء ذممهم أو بحكم المناصب السامية التي يتقلدونها والمنافع التي يحصلون عليها. والكل ممنوع خشية العودة الطوعية والجماعية إلى المغرب. وفي ذلك فان الجزائر لا تنتهك حق التنقل المفترض ضمانها لهم فحسب، بل تمنع المجتمع الدولي من حل النزاع، لأن حرية التنقل لو كانت مضمونة وتحت إشراف ومراقبة المفوضية وفي غياب العسكرة للمخيمات لربما انتهي النزاع منذ أمد بعيد. وما يقال عن قمع إرادة اللاجئين في العودة يقال عن تعطيل حل إعادة التوطين كأحد الحلول المعتمدة في القانون الدولي.

أما الاندماج في النسيج الاجتماعي بمنح الجنسية للاجئين الصحراويين في المخيمات. فان الجزائر تأبى وتمتنع عن تفعيل ذلك الحق، فجميع اللاجئين في المخيمات استوفوا شروط اكتسابهم بالنظر لإقامتهم فوق التراب الجزائري بشكل مستمر ومنتظم لأكثر من سبع سنوات، وهي المدة التي تشترطها المادة العاشرة من الأمر 70-86 وتاريخ 15 دجنبر 1970. فحق القول بأن كل اللاجئين في تندوف جزائريون بمقتضي القانون الجزائري. إلا أن الجزائر تتعمد تعطيل ذلك الحل ولا تسمح للاجئين حتى بتقديم طلب بذلك خوفا من تبعاته السياسية أمام المجتمع الدولي، متناسية عن قصد أن ذلك التزام أخذته على عاتقها، فأين المفوضية وأين المفوض السامي وأين الجمعية العامة للأمم المتحدة وأين المجلس الاقتصادي والاجتماعي؟؟ !!.

ه-من حيث الامتناع عن إجراء الإحصاء

قبل هذا وذاك، فإن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ملزمة بالحصول من الحكومة الجزائرية على معلومات بشأن عدد اللاجئين الموجودين على أراضيها والأوضاع التي يعيشون فيها، وبشأن القوانين والأنظمة الخاصة بهم، وهي التزامات أهملتها المفوضية مدة زمنية تربو على أربعة عقود ضدا على التزامها القانوني، فبعد 38 سنة لا حظنا لأول مرة زيارة المفوض للمخيمات وتحاشى حضور مكان الاحتجاج والاعتصام منذ 19 يناير أمام المفوضية بمخيم الرابوني، كما تنكر لواجب الإحصاء لصالح الجزائر والبوليساريو ليتاجرا عن طريق طلب المساعدات، التي وصلت أسواق موريتانيا ومالي وتشاد وغيرها. أو لابتزاز المغرب سياسيا.

وفي ظل انتهاك الجزائر للحقوق التي يكفلها القانون الدولي للاجئين الصحراويين، فإن الوضع الذي يوجدون عليه لا يمكن أن نجد له من تكييف آخر خارج الاحتجاز الجماعي أو إقامة إجبارية في غياب ارتكاب اللاجئين الموضعين رهنها لأية جريمة ولا حوكموا وأدينوا وعوقبوا من قبل أية هيئة قضائية بذلك. فأية جهة يمكن أن تحقق في جرائم الجزائر وقيادة البوليساريو؟ وأية جهة يمكن أن تتولى مهمة تسطير صك الاتهام بالاحتجاز الجماعي، وآية محكمة لها ولاية واختصاص الإدانة وتوقيع العقاب؟ وهو نفس الطلبات في مواجهة شريكها في الإجرام المفوض السامي؟

إنها قضية سياسية لن يتابع فيها غير نيابة وادعاء سياسي، ولن يتولى الفصل فيها غير قضاة السياسة، ولن يقتنعوا بغير مرافعة دفاع ماهر يجيد لعبة السياسة يجمع بين الحق والقانون والقوة ويرجح الميزان لصالحه. إنها مقومات متوفرة يكفي استعمالها لفائدة معادلة التفوق والتي من شأنها أن تنهي المعاناة، ويجسد قرار مجلس الأمن الأخير أن المغرب لم ينجح بعد للنفاذ إلى الاعتقاد الصميم للمجموعة الدولية لتلتزم الجزائر بإعطاء اللاجئين في تندوف حقوقهم وإعمال الحلول الدائمة برضاهم وتحت سهر المفوض السامي، وذلك ليس لتهاون من المغرب، بل لأن مجلس الأمن، ولا المفوضية، ولا الجمعية العامة، ولا المجلس الاقتصادي، ولا مجلس حقوق الإنسان خاضعين لأشياء أخرى خارج القانون.

 

*محامي بمكناس وخبير في القانون الدولي