أكد فؤاد زويريق، ناقد وكاتب مغربي مقيم في هولندا، أن قضية الصحراء المغربية بمختلف أبعادها الحضارية والتاريخية والسياسية قلَّما يُلتفت إليها في السينما الوطنية، بل هي منعدمة، حيث "لا تتواجد الصحراء في أفلامنا سوى لدغدغة مخيلة المُشاهد، بمناظرها ورومانسيتها وتضاريسها"، يقول زويريق.

 

وشدد زويريق، في مقال خص به هسبريس، على أن "السينما المغربية عليها تطوير نفسها من أجل بلورة صرح قادر على مخاطبة الرأي العام، وتوجيهه من أجل التفاعل مع قضية حساسة بالنسبة له، وفي نفس الوقت توجيه سلاحها نحو الخارج".

 

وهذا نص مقال فؤاد زويريق كما توصلت به هسبريس:

 

هل أنصفت السينما المغربية قضية الصحراء

 

لاشك أن للصورة السينمائية دورا فعالا في عكس رؤى وأفكار وتوجهات أصحابها، بل لها القدرة على تغيير مسار تاريخي بأكمله، وفتح الباب على مصراعيه للدخول واستكشاف قضايا قد تكون مصيرية. الصورة السينمائية لم تعد تعبر بالضرورة عن المجال الترفيهي الكلاسيكي المتجاوز شكلا ومضمونا، بقدرما أصبحت تستوعب سياسات دول بكاملها، سياسات تتقاطع داخلها عناصر اخرى بعيدة عن الفن كمفهوم مجرد، عناصر قادرة على التغلل بعمق الى فكر المتلقي بدل دغدغته، ومن هنا اصبح للصورة ذاتا ناطقة مؤثرة يتحكم في توجيهها من له القدرة على فهم قواعد اللعبة ومجاراة سحرها.

 

قد تكون للسينما أهداف نبيلة، كأن تكون منبرا للشعوب المقهورة مثلا، أو صوتا للطبقات الكادحة والفئات المهمشة، أو وسيلة ناجعة لطرح السؤال، وإثارة القلق حول بعض القضايا المصيرية، لكنها في نفس الوقت هي سلاح فتاك بيدي صاحبها، ليس بالضرورة ان يكون هذا الصاحب مؤسسة أو دولة أو شخصا عاديا حتى، وليس بالضرورة أيضا ان يكون ظالما أو مظلوما، صادقا أو كاذبا، بل يكفي ان يكون متمكنا من خيوط اللعبة، حتى يؤثر في المُتلقي، بل في العالم اجمع. إذا رجعنا إلى تاريخ السينما العالمية، سنجد روادها قد تنافسوا فيما بينهم من اجل تفعيل الصورة كممارسة فنية ابداعية تجمع بين ماهو ترفيهي وفكري، ولن نجد احسن من نموذج شارلي شابلن الذي حول الصورة الى أيقونة مقدسة ناطقة باسم طبقة مقهورة كادحة، هي الطبقة البروليتارية، بل أكثر من هذا، توغل ليغرق في مستنقع من القضايا الحساسة ، التي بسببها تعرض لمضايقات عدة بل وصل الامر الى طرده من الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1952 ، هذا فقط أنموذج مصغر من عدة نماذج أخرى عرفتها السينما العالمية، وأثبتت قدرة عدسة الكاميرا على التأثير.

 

إذا ما اتجهنا صوب عاصمة السينما العالمية هوليود، سنجدها تعكس بشكل من الاشكال نظرة الولايات المتحدة الامريكية وايديولوجياتها المتعددة الموجهة نحو العالم.. هوليود مارست ومازالت تمارس دورها في تسليط الضوء على القضايا الحساسة والمهمة، ونقلها الى العالم بعين الدولة التي تحتضنها، هذه الاخيرة التي أدركت قيمة الشاشة في غسل الأدمغة وتغيير الرؤى، وتعد حرب الفيتنام المرحلة الفارقة التي شكلت لدى امريكا الوعي الكافي لتوجيه دفتها نحو تدجين الصورة واستغلالها لصالح سياساتها، فبعد الهجوم التي تعرضت له أثناء وبعد حرب الفيتنام من طرف مخرجين سينمائيين كبار، أمثال المخرج فرانسيس فورد كوبولا في فيلمه ''نهاية العالم الآن ApocalypseNow'' أو المخرج أوليفر ستون في فيلمه ''الفصيلة Platoon '' ، أخذت وزارة الدفاع الامريكية (البانتاغون) على عاتقها، الاهتمام بالسينما، بل أسست لنفسها مقرا في هوليود، تقدم من خلاله المساعدات اللوجيستكية والمعلوماتية مجانا لصناع الافلام، فاصبحت بذلك الذراع الطولى للدولة داخل هوليود، حيث ظهر تأثيرها في عدة أفلام، خصوصا تلك التي تمس مباشرة عمق الدولة وسياستها الخارجية، كحرب الخليج مثلا أو الحرب ضد الارهاب...

 

القضايا المصيرية لاتموت بالتقادم، قد تبعث من جديد مهما طال الزمان، والجميل والمجدي ان تقوم السينما باثارة مثل هذه القضايا ونقلها الى الرأي العام لتقرير مصيرها على الملإ، بأسلوب فني حضاري ممتع، وبالتالي المساعدة في استيقاظ وعي المُتلقي، ولم لا الدولة في حد ذاتها، ولنا في ذلك نماذج عدة وقد يكون فيلم ''بلديون Indigenes'' للمخرج الجزائري الاصل رشيد بوشارب واحدا منها، خصوصا اذا ما عاينا، الضجة التي خلقها ابان ظهوره، هذا الى جانب مساهمته في تغيير مسار فئة كانت الى وقت قريب مظلومة ومهمشة من طرف الدولة الفرنسية.

 

هل السينما المغربية أدركت اللعبة وتناولت قضايا الوطن الحساسة التي تنتمي إليه بالشكل المطلوب؟ للأسف لا، قد نقول إن هناك محاولات اتخذت من نفسها ناطقا باسم الدولة في توجهاتها، كمحاربة التطرف مثلا، أو قضية المرأة - خصوصا بعد تعديل المدونة- أو تناول الممارسات القمعية التي كانت الدولة تمارسها إبان سنوات الرصاص...وهي كلها قضايا تثيرها الدولة برغبتها، لتنطلق بعدها أفلام من هنا وهناك، تكريسا لرؤية الدولة، ووجهة نظرها لدى المُتلقي، وقد يكون ذلك بتوصية من الدولة نفسها، سواء أكان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهذا ليس سلبيا فمثل هذه الأفلام لابد أن تتواجد كما قلنا سابقا، وليس غريبا مادامت الدولة هي التي تسيطر على القطاع السينمائي وتدعمه ماديا، لكن يبقى السؤال ماذا عن قضيتنا الوطنية الكبرى (قضية الصحراء) والتي يجمع عليها الكل..

 

لماذا لم تقم الدولة بتوجيه اهتمامها ودعمها لأفلام سينمائية بهذا الخصوص من اجل نشر الوعي كاملا حول هذه القضية؟ لماذا لم تقم بالمطلوب من أجل قضية أصبحت مصيرية لكل المغاربة؟ لماذا لم تقدم لحد الآن على الاستثمار في هذا المجال بقوة؟ فالصورة كما قلنا أصبحت من أقوى الأسلحة وأفتكها على الإطلاق، وخصوصا في زمن العولمة، هذا دون ان ننسى المكانة التي اصبحت للسينما المغربية عربيا، وحراكها التي اصبحت من خلاله تشارك في المهرجانات والملتقيات الدولية، هي امتيازات علينا ان نستثمرها ونستغلها من اجل الترويج لقضيتنا عربيا ودوليا.

 

للأسف قضية الصحراء المغربية بأبعادها التاريخية والسياسية مهملة في السينما المغربية، بل هي منعدمة تماما، لاتتواجد الصحراء في أفلامنا سوى لدغدغة مخيلة المُشاهد، بمناظرها، ورومانسيتها، وتضاريسها... وهي عناصر قد تخدم الشكل الفني والجمالي للفيلم بكل تأكيد، لكن لن يستفيد منها المُتلقي في تكوين نظرة معمقة حول قضية حساسة كهذه القضية.

 

السينما المغربية عليها تطوير نفسها من أجل بلورة صرح قادر على مخاطبة الرأي العام وتوجيهه من أجل التفاعل مع قضية تعتبر حساسة بالنسبة له، وفي نفس الوقت توجيه سلاحها نحو الخارج والعمل على تنوير الآخر البعيد بدل هذا الركود الذي نشهده الآن. الدولة قادرة على الدخول بقوة في هذا المجال، وتفعيل مساره، بامكانياتها المادية واللوجيستيكية، قادرة على تخطي الزمن، واستغلال الفن كأسلوب حضاري من أجل الدفاع عن حدودها وترابها، خصوصا أن المغرب لا تنقصه المواهب الابداعية القادرة على خوض المغامرة بشقيها الفني والايديولوجي، فإذا كان المغرب قادرا على توفير كل ما تحتاجه الافلام العالمية التي تصور على ارضه، من موارد بشرية وتقنية، فهل سيقف عاجزا أمام افلامه هو؟ لا أظن ذلك.

 

نتمنى حقيقة ان تقوم الدولة بدورها في تسليط الضوء على قضية الصحراء المغربية من خلال دعم الافلام المغربية بجنسيها الروائي والوثائقي، تلك الافلام القادرة على حمل توجهاتنا بأمانة، وبالمقابل نتمنى من الرأي العام المغربي أن يبادر إلى ممارسة الضغط على الدولة، من اجل هذا التوجه التي تفتقر اليه سينمانا الوطنية.

06/11/2013