على طول الصحراء .. عائلة بريطانية تكتشف جمال الثقافة المغربية

رحلة الطريق الصحراوي رفقة الأسرة قد تبدو محنة فعلية في الوهلة الأولى، لكنها أفضل طريقة للاستمتاع بوقت بين التضاريس المذهلة في المغرب. سبعة أيام فقط، تكفينا لنجول ونستكشف كل هذا، بحسب ما أكدته مرافقتنا حليفة.

بدأت رحلتنا بإفطار شهي، مكون من مشروب الشاي اللذيذ وأكلات شعبية كـ"المسمن" المدهون بالعسل. كما أننا كنا نشتم روائح زكية تنبؤ ببدء تحضير وجبات الغذاء التقليدية، من كسكس بالخضار وطاجين لذيذ،.

نزعت مرافقتنا حليفة فستانها البربري الرائع لتلبس سروال الجينز، بهدف تسهيل عملية ركوب الدراجة التي أقلتنا جميعا مثلها، وقادتنا عبرها إلى وسط بستان النخيل في زاكورة، وهي بلدة تقع في الجنوب الشرقي على حافة الصحراء.

قطعنا الطريق المحاذي لجدران قصر الحمراء، ومررنا بجانب مجموعات من السكان الذين يستعملون الحمير كوسيلة للنقل أو حمل الأثقال، وتقود هذه المجموعات نساء يرافقهن أبناؤهن الذين يمشون حفاة الأقدام، ويرتدون قمصانا وسراويل رياضية تشير أغلبها إلى كونهم من مشجعي فريق برشلونة.

عند الوصول بدأ الجميع في الترحيب بحليفة، وانضممنا إلى مجموعة من رجال البلدة الذين قاموا بدعوتنا مشاركتهم جلسة شرب الشاي بالنعناع، في جو جد حار وفي وقت تتراءى لك الشمس فيه جد ملتهبة، وينعكس شعاعها القوي على كؤوس الشاي الزجاجية الساخنة.

زاكورة ميزت رحلتنا أنا وزوجتي وابنتي البالغة من العمر 12 عاما، لكننا تركناها وتوجهنا برفقة دليلنا حليفة، إلى الطريق الذي يقود إلى مراكش ثم فاس، طريق تزينه أشجار النخيل، التي تمتد كأشرطة شاهدة على الحضارة الصحراوية، التي اخترقتها قنوات الري والنشاط الرعوي وسط هذه السهول القاحلة، وهو الأمر الذي يبدو غير قابل للتصديق إن لم تره بأم عينيك.

أولى التمور التي تذوقناها كانت لذيذة جدا، وحصل ذلك في فندق بمراكش، بعدما تم ترتيبها بدهاء على طبق تقليدي إلى جانب كؤوس من الحليب، كتقليد وطقس ترحيبي، لنفترق بعدها عن ابنتنا التي أعجبت على الفور بالمسبح هناك، بينما اخترت أنا وزوجتي إتباع الخريطة لتنفيذ زيارة استكشافية إلى المدينة القديمة، التي كانت تتميز بحرارة غريبة من نوعها، يستشعرها الجميع عند عبور الساحة المركزية الصاخبة المقابلة لجامع "الفنا".

هنا يوجد الموسيقيون والسحرة ومروضو الثعابين، يتنافسون فيما بينهم لإثارة اهتمامنا. وبالإضافة إلى ذلك، أبهرنا هنا التاريخ، الذي تشهد عليه فسيفساء ضريح السعديين وأقواس قصر البديع، الذي تزين أعشاش اللقلاق أسواره العالية.

بعد ذلك بيومين، قمنا باستئجار سيارة لنبدأ مغامرة حقيقية أخرى، إذ اتجهنا نحو ممر "تيشكا" في الأطلس الكبير، حيث توقفنا لنلمس الثلج الإفريقي، ثم نتجه إلى المنحدر القاحل على الجانب الجنوبي، ونترك القمم الثلجية تنحسر في مرآة الرؤية الخلفية.

تلك القمم، المنتصبة جنبا إلى جنب في المقدمة تحت وهج الشمس الحارة الصحراوية، ما تزال مرئية من سكورة، حيث كانت وجهتنا ومحطتنا الموالية، التي وجدناها كبستان نخيل آخر.

ليلتان بعد ذلك، ذهبنا لاستكشاف الكثبان الرملية، والاستمتاع بمشاهدة غروب الشمس من فوق الرمل الذهبي اللامع، وأمامنا مباشرة خيام أنيقة من خيم الصحراء، في مشهد يحاكي ما يحكى عن حياة العرب القديمة.

"هذه هي الصحراء الحقيقية يا أبي"، قالتها ابنتي بهمس ينبض بالرهبة من جمال المنظر، لنتابع بعدها طريقنا عبر الصحراء إلى أن ألفت عيوننا مناظرها الطبيعية، التي رافقتنا إلى غاية وصولنا إلى زاكورة.

هناك، في صباح اليوم التالي، كانت لدينا فرصة أخرى لاستعمال الدراجة مرة أخرى، قطعنا عبرها الطرق الوعرة، والأعمق من تلك التي مررنا بها في الصحراء، لنصل أخيرا إلى الكثبان الرملية.

لا يمكن أن يكون هناك شيء أو منظر أكثر كمالا وجمالا من ذلك الذي شاهدناه هناك، جلسنا داخل خيمة ضخمة ذات طراز بدوي، في جنباتها سرير بأربع جنبات، والوسائد مبعثرة على الرمال خارج غرفة الجلوس في الهواء الطلق.

هنا يمكنك أن تتخيل أنك ومن معك تمثلون الشعب الوحيد على هذا الكوكب، خاصة بعد حلول الظلام، حيث جلسنا على مائدة تضيئها النجوم، ويقوم النادل بخدمتنا عبر تقديم الأطباق ووضعها على الكثبان الرملية، وفي جانبنا شعلة نار توضح لنا الرؤية وتجعلنا في غنى عن التكنولوجيا التي نتبجح بها في غير هذا المكان.

طريقنا إلى فاس كان الأطول والأخير، لكن خلاله اتسمت رحلتنا بإيقاع من نوع آخر، خاصة أنها استغرقت سبع ساعات لم تكن بطيئة كما كنت أخشى، فقد تناسينا الوقت عبر التحديق بالمناظر الطبيعية التي أحاطت بنا من وديان وجبال وخضرة تمتع العين وتسكن الروح. وهكذا، حلت نهاية رحلتنا بفاس، التي يكتنز الجزء القديم منها أقدم جامعة في العالم.
مايك أنوين-تلغراف | ترجمة: إ. السعيدي

04/10/2015