أكدت إليزابيث غيغو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية للجمعية الوطنية الفرنسية، أن "المغرب يعد نموذجا في كثير من المناحي، لكونه أظهر أنه من الممكن القيام بالإصلاحات في ظل الاستقرار"، مبرزة أن "نموذج المغرب مؤشر على الأمل بالنسبة لباقي بلدان المنطقة".

 

وأشادت غيغو، في حوار حصري مع جريدة هسبريس الإلكترونية، بالرغبة التي عبر عنها رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، في القيام بالإصلاحات الضرورية من أجل مستقبل المغرب"، كاشفة أن "فرنسا مستعدة لمرافقة بنكيران في هذا الاتجاه".

 

وأفادت المسؤولة الفرنسية، التي تقوم بزيارة للمغرب يومي الخميس والجمعة، أن "دعم فرنسا لخطة الحكم الذاتي المغربية، ورغبتها في تطوير علاقاتها مع الجزائر، لا يتعارضان"، مشددة على أن "الدفء الجاري حاليا في علاقات فرنسا مع الجزائر، لن يكون أبدا على حساب المغرب".

 

وفيما يلي نص حوار هسبريس مع السيدة إليزابيت غيغو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية للجمعية الوطنية الفرنسية.

 

السيدة إليزابيت غيغو، حضرتك ولدتِ ونشأتِ في مراكش، حيث أمضيتِ ثمانية عشر عاما من حياتك، واليوم أصبحتِ إحدى أهم النساء السياسيات في فرنسا وأوربا، فماذا يمثل لك المغرب؟

 

المغرب هو البلد الذي قضيت فيه فترتي الطفولة والمراهقة، وهو بالتالي يحتل مكانة خاصة في حياتي، وفي قلبي. وأحب دائما العودة إليه وزيارته كلما سنحت لي الفرصة، من أجل الوقوف على أصولي، واستحضار ذكريات شبابي، أو لقاء أصدقائي الكثيرين الذين تركتهم هناك. يروق لي دائما أن أقول إنني أعتبر نفسي مغربية وفرنسية بنفس المقدار.

 

إن تجربة نشأتي وترعرعي في المغرب تركت لدي آثارا عميقة، فأنا أكن غاية الإعجاب بهذا البلد المنفتح والمتسامح، الغني بتعدد هويته والموحد تحت المؤسسة الملكية.

 

يرى العديد في شخصك "صديقة كبيرة" للمغرب، لا سيّما أنك تشغلين منصب نائبة رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية المغربية في الجمعية الوطنية الفرنسية، فكيف تنظرين إلى علاقات الصداقة القائمة بين بلدينا في خلال السنوات القليلة الماضية؟

 

هناك بلدان قليلة عبر العالم ترتبط مع فرنسا بعلاقة مبنية على نفس مستوى الكثافة والثقة مثل المغرب. وللذكر، فإن هذه الشراكة الاستثنائية ليست وليدة الأمس؛ فهي تربط بين بلدينا منذ عقود طويلة، لأن لهما نفس القدرة على رؤية التاريخ في الاتجاه ذاته، يدا في يد. وتحظى هذه الشراكة بالإجماع داخل الطبقة السياسية في بلدينا، وهي تخترق بنفس القدر التناوبات السياسية والولايات الرئاسية وفترات الملك.

 

فرنسا هي أحسن صديق للمغرب، المساند الأول لسياسته وأول شريك اقتصادي وتجاري له، بل وأول ممول له. بالنسبة لنا، يعتبر المغرب شريكا استراتيجيا وحليفا ثمينا في المنطقة.

 

وتشهد العلاقات الفرنسية ـ المغربية منذ سنة نشاطا متميزا، تمثل في حوالي عشرين زيارة لوفود وزارية وبرلمانية إلى المغرب، وفي الزيارتين اللتين قام بهما كل من رئيس مجلس الشيوخ ورئيس الجمعية الوطنية، ومجيء رئيس الوزراء، أو الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية بدعوة من الملك.

 

وكانت هذه الزيارة الأخيرة مناسبة للتأكيد، على المستوى الرفيع، على الأهمية التي يوليها بلدينا للاستمرار في تطوير علاقاتنا، لا سيما في قطاعات التربية والتكوين، التي أعطيت لها الأولوية.

 

لقد تقلدت منصب نائبة أوروبية بين عامي 1994 و 1997، وطالما وصفتِ العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي بالعلاقات "الممتازة"، فكيف تقيّمين الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي؟

 

بصفتي مدافعة متحمسة عن أوروبا، وعن القضية المتوسطية، أنا مقتنعة بأنه بإمكان المغرب والاتحاد الأوروبي كسب الكثير باقترابهما من بعضهما البعض، وبالتالي سيسهمان في خلق فضاء متوسطي مفتوح وموحد. فشراكتهما ليست وليدة الأمس: فالمغرب هو البلد الذي وقع معه الاتحاد الأوروبي إحدى أول اتفاقات الشراكة، وأول بلد استفاد من الوضع المتقدم داخل المنطقة المتوسطية.

 

هذا التقارب السياسي بدأت تظهر نتائجه الملموسة والواقعية، لأن العديد من المنتجات الفلاحية والغذائية المغربية تستفيد من إمكانية كبيرة لولوج السوق الأوروبية، والمغرب هو أول بلد مستفيد من السياسة الجوار الأوروبية في جنوب البحر الأبيض المتوسط.

 

كما أن اعتماد البرلمان الأوروبي قبل أيام لاتفاقية الصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب ليعتبر نبأ سارا، لأن تفعيله سيعود بالنفع على الاقتصاد المغربي وعلى أوربا على حد سواء.

 

علاوة على ذلك، فإن المفاوضات التي بدأت في شهر أبريل الماضي، بهدف إبرام اتفاق التجارة الحرة كامل وشامل بين الاتحاد الأوروبي والمغرب ستسمح بإتمام هذه الآلية، وذلك بالزيادة في تعميق عملية إدماج اقتصاد بلدينا بشكل أكبر.

 

كما أن توقيع المغرب على شراكة بخصوص نظام التنقل في يونيو، يجعل من المملكة المغربية أول بلد متوسطي انخرط معه الاتحاد الأوروبي في عملية يجب أن يترتب عنها نظام للتنقل متزايد.

 

تابعتِ التجربة السياسية التي خاضها المغرب في سياق ثورات الربيع العربي، التي أدّت إلى وصول حزب إسلامي إلى رئاسة الحكومة. وقد صرّحت منذ بضعة أشهر أن رئيس الحكومة عازم على إجراء عملية إصلاح، في حين يعتبر البعض أن حصيلة أداء الحكومة في هذا المجال هزيلة جدا. فكيف ترين التجربة السياسية في المغرب، وما هي مواطن قوتها ومواطن ضعفها بنظرك؟

 

لا شك أن المغرب حقق تقدما كبيرا. وبفضل الإصلاحات التي بدأت منذ عشر سنوات على الأقل، بتحفيز من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، فإن هذا البلد قد بدأ في الاستجابة للتطلعات الشعبية لمزيد من العدالة والحرية حتى قبل بداية الربيع العربي. ويندرج مسلسل المرحلة الانتقالية الذي بدأ سنة 2011 بشكل كامل في هذه الدينامية. وهو يعتبر نموذجا في كثير من المناحي، لأنه أظهر أنه من الممكن القيام بالإصلاحات في ظل الاستقرار والتوافق. وبالتالي، فإن نموذج المغرب مؤشر على الأمل بالنسبة لباقي بلدان المنطقة.

 

إن الحكومة التي عينت في يناير 2012، وواصلت عملها في أكتوبر 2013 هي نتيجة انتخابات حرة ونزيهة. وقد عبر السيد عبد الإله بنكيران في عدة مناسبات عن رغبته في القيام بالإصلاحات الضرورية من أجل مستقبل البلد. وفرنسا مستعدة لمرافقته في هذا الاتجاه، بغية الاستجابة للتحديات التي يواجهها المغرب.

 

طالما أيّدت فرنسا المقترح المغربي بخصوص منح الصحراء حكما ذاتيا من أجل إنهاء هذا النزاع. فكيف تتمكن السلطات الفرنسية من الحفاظ على التوازن بين هذا الخيار السياسي، والرغبة في تطوير علاقاتها مع الجزائر؟

 

إن موقف فرنسا بخصوص مسألة الصحراء الغربية واضح وثابت، ولن يتغير. فرنسا تساند إطلاق مفاوضات جديدة على أساس القرارات ذات الصلة التي تبناها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وترى أن خطة الحكم الذاتي المغربية هي قاعدة جدية وموثوق منها للوصول إلى حل متفاوض.

 

إن دعمنا لخطة الحكم الذاتي المغربية، ورغبتنا في تطوير علاقاتنا مع الجزائر غير متعارضة، بالعكس. الجميع سيربح من علاقات فرنسية ـ جزائرية هادئة جدا، بما فيها المغرب، كما أن الدفء الجاري حاليا في علاقاتنا مع الجزائر لن يكون أبدا على حساب المغرب.

 

ألّفتِ كتابين تروين فيهما تجربتك بوصفك امرأة في صلب الحلبة السياسية الفرنسية التي يهيمن عليها الرجال، هما: "أن تكوني امرأة في الميدان السياسي" و "امرأة في صميم الدولة". فما هي الرسالة التي تودين توجيهها فيما يخص مكانة المرأة في الحياة السياسية في يومنا هذا؟

 

إنه رسالة تعبر عن الإرادة والتعبئة. لقد أصبح ملحا العمل للسماح للنساء، أخيرا، بأن يحصلن على المكانة التي يستحقنها في الحياة العامة، وبالتالي تصحيح هذا الظلم التاريخي. 

بالإضافة إلى ذلك، لم يعد مقبولا ولا عصريا أن تستمر مناصب المسؤولية حكرا على نصف الإنسانية. هذا النضال، يجب أن يضطلع به الجميع، رجالا ونساء، على حد سواء. وهو يعني جميع بلدان العالم، بما فيها فرنسا والمغرب.

 

وأغتنم هذه الفرصة لأحيي العمل الجبار الذي أنجزه المناضلون العديدون من أجل التوازن بين الجنسين، والذين ينشطون في المغرب. وأنا أعبر لهم عن دعمي الكامل لهم.

 

ستترتب عن أعمالهم نتائج بوقت أسرع مما يتصورونه، وهو ما سيكون في صالح المجتمع المغربي برمته.

19/12/2013