قبل 12 سنة، دخل فيصل فرطاخ غمار "ويكيبيديا". في ذلك التاريخ لم يكن أحد ليفكر في تزجية الوقت داخل الشبكة العنكبوتية عن طريق بذل مجهود عقلي كبير في كتابة مقالات حول المغرب والمشاهير المغاربة، وذلك على صفحات أكبر موسوعة افتراضية في التاريخ.

 

إلمام الشاب التطواني حينها بلغة شكسبير، وشغفه بالعالم الرقمي والبحث، سيدفعان فرطاخ إلى المساهمة بشكل منتظم في القسم الإنجليزي لهذه الموسوعة التي رأت النور سنة 2001؛ لكن هذه المساهمات البسيطة، في البداية، لم تكن لتزرع في ذهن الشاب الباحث عن تطوير ذاته فكرة مجالسة جيمي ويلز، مؤسس ويكيبيديا وأحد أكثر الشخصيات تأثيرا في عالم الأنترنيت، بعد ذلك بسنوات.

 

"البداية كانت سنة 2005، تعرفت على "ويكيبيديا" في بداياتها الأولى. كنت من بين قراء المقالات، على قلتها في تلك الفترة، قبل أن أفتح حسابا خاصا بي، لأبدأ الرحلة محررا في النسخة الإنجليزية"، يقول فيصل في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية.

 

بداية الرحلة

 

في بداية عهده بالموسوعة الأكثر انتشارا في العالم، كان فرطاخ يكتب عن كل شيء؛ لكن سرعان ما بدأ التركيز، في فترة معينة، على المقالات المتعلقة بالمغرب، فهو أول من كتب مقالا عن العداء المغربي هشام الكروج داخل الموسوعة. كما أسهم في التعريف بالرياضة المغربية بشكل عام.

 

"اشتغلت كذلك حول وسائل الإعلام بالمغرب، ومجموعة من الجامعات وغيرها، إلى جانب تركيزي على كل ما يخص العالم العربي والإسلامي، بحكم قلة الصفحات المتعلقة بهما في تلك الفترة"، يشرح المتحدث ذاته عن مرحلة ما قبل دخول المطبخ الداخلي لـ"ويكيبيديا".

 

بعد مجهودات في هذا القسم، سيصبح فرطاخ أول مغربي يحظى بعضوية لجنة التحكيم داخل الموسوعة. وعن هذه الأخيرة، يبرز بالقول: "تتكون من 15 عضوا، وتمتد ولايتهم إلى 3 سنوات، بحيث يتم اختيار الأعضاء عن طريق انتخابات داخلية.

 

"لجنة التحكيم هي آخر مطاف يصل إليه أي نزاع قد يحدث حول المحتوى، إذ يمكنها قبول أو رفض أية دعوى. ويتمثل دورها في حالة البت في قضية معينة في الاستماع لكل الأطراف، قبل إصدار حكمها في الأخير بناء على تصويت أعضاء اللجنة".

 

داخل أكبر موسوعة افتراضية في العالم

 

يوضحّ فيصل أن "ويكيبيديا" موسوعة رقمية تابعة لمؤسسة "ويكي ميديا"، وتتوفر على أزيد من 290 نسخة (لغة)، لكل واحدة منها استقلالية تامة عن الأخريات، ولها أيضا سياستها التحريرية الخاصة، مبرزا أن الموسوعة كانت تشتغل في بداياتها بطريقة مختلفة عن طريقة اشتغالها الحالية، إذ كان كل العاملين فيها، على قلتهم، عبارة عن متطوعين يقومون بمساهمات بسيطة، لا يتقاضون عنها أية تعويضات مادية.

 

"بعد ذلك، ومع تطور كم المقالات والمساهمين من أنحاء العالم، أحست الإدارة بضرورة وضع قوانين جديدة ومبتكرة تخص التحرير، الانضباط، النقاش (لكل مقال صفحة مخصصة لمناقشة كل ما يتعلق به)، حقوق النشر، السب والقذف، وغير ذلك"، يزيد فرطاخ في التوضيح.

 

ولتنزيل تلك القوانين على أرض الواقع، استنادا إلى المعطيات التي كشف عنها، كان لا بد من انتخاب مديرين، فإلى جانب التحرير، لهؤلاء مهمة مراقبة عمل المحررين، ولكل مخالفة مسجلة، هناك عقوبة معينة تتراوح بين توقيف لمدة 24 ساعة، إلى توقيف مدى الحياة.

 

ما يميز "ويكيبيديا"، حسب فرطاخ، هو أنها لا تدفع أجورا للمساهمين؛ فبصرف النظر عن المشتغلين بالإدارة، وهم مجموعة لا تتجاوز 30 شخصا، كل المساهمين يشتغلون بالمجان. كما أنها لا تتلقى أي أموال مقابل خدمتها، عدا حملات سنوية تقوم بها على الأنترنيت لجمع تبرعات أو مساعدات تقدمها لها الجامعات ومراكز الدراسات من أجل أن تستمر في الوجود. "في مرحلة من المراحل، م طرح فكرة القيام بإشهار لضمان أرباح تساعد المؤسسة على الانتشار؛ لكن غالبية المساهمين رفضوا ذلك رفضا قاطعا، للحفاظ على استقلالية "ويكيبيديا"".

 

لجنة التحكيم داخل الموسوعة العملاقة التي نجح في الانضمام إليها فرطاخ تبتّ في قضايا خلافية كثيرة. بالنسبة إلى المغرب، تبقى أهم قضية تتداول داخل هذه اللجنة هي قضية الصحراء، ومن بين القضايا الأكثر إثارة للجدل لدى اللجنة بشكل عام، هناك المحتوى المتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي وبعض البسودو-ديانات كالسينتولوجيا وبعض المقالات التاريخية والعلمية، وبدأت تبرز مؤخرا قضايا جديدة تخص المجتمع الأمريكي كقضية الحد من استعمال الأسلحة.

"ما يحدث هو أن موضوعا كالصراع العربي الإسرائيلي، الذي قد تجد حوله آلاف المقالات، يشكل صراعا بين مجموعتين من المحررين؛ الأولى تدافع عن وجهة معينة، والثانية تتمسك بنقيضها. وهنا يحدث النزاع حول مجموعة من التصورات، كالخرائط الجغرافية والحقائق التاريخية وما إلى ذلك"، يسجّل المتحدث.

 

قضية الصحراء في ميزان "ويكيبيديا"

 

"خلال سنة 2007، أوقفت لجنة التحكيم داخل الموسوعة محررا كان يعادي المغرب ويفرض سيطرته حول كل المقالات ذات الصلة بقضية الصحراء"، يكشف فرطاخ. ويعود ليسرد تفاصيل الصراع بين المدافعين عن مغربية الصحراء داخل "ويكيبيديا" والمناوئين للمغرب بالقول: "المحررون الذين يعالجون قضية الصحراء محسوبون على رؤوس الأصابع، هناك ثلاثة مغاربة في المجموع، مقابل ثلاثة أو أربعة متبنين للطرح الانفصالي، بينهم إسبانيان وأمريكي واحد".

 

سنة 2005، حدث نزاع وسط "الزملاء الأعداء" حول خريطة المغرب، بين من يراها يجب أن تكون غير متضمنة للصحراء وبين من يتشبث بها غير منقوصة. وبعد نقاشات مستفيضة، "توصلنا إلى حل وسط، يتمثل في الاحتفاظ بها بشكل محايد، مع وجود ملاحظة تحيل إلى المقال لمعرفة أسباب وضع تلك الخطوط الصغيرة بوسط الخريطة"، يكشف فرطاخ، ويضيف: "لو استمر الصراع حول هذه القضية، كانت ستمر إلى لجنة التحكيم؛ لكننا استطعنا حل الأمر على مستوى المحررين دون تدخل لجنة التحكيم أو من إدارة الموسوعة".

 

يحكي فرطاخ لهسبريس أن من بين المحررين غير المغاربة كان هناك أمريكي يتبنى الطروحات الانفصالية، وكان يخلق مشاكل كثيرة للفريق. كما أنه كان يشتغل على مقالاته طيلة ساعات النهار، عكس المغاربة الذين لم يكن بإمكانهم متابعة المقالات حول الموضوع نظرا لانشغالاتهم الأخرى.

 

"بعد شكايات كثيرة قدمت ضده، تم توقيف هذا الشخص عن الكتابة حول كل ما يتعلق بالصحراء أو المغرب بشكل عام؛ لكنه ما لبث أن استأنف الحكم ليعود إلى نشاطه من جديد، ولم يكن يسمح له بكتابة أكثر من مقال في اليوم حول المغرب، شريطة ألا يكون العمل مثيرا للجدل".

 

وعن تأثير المغاربة داخل "ويكيبيديا"، يورد المتحدث ذاته أن "عددهم ضعيف جدا وليس مؤثرا بالمرة، وحتى إذا وُجد بعض المغاربة الذين لا يتجاوزون 4 أفراد، تكون مساهمتهم قليلة، لا تعدو أن تتجاوز مرة في الأسبوع أو شيئا من هذا القبيل، عكس كثير من الدول الأخرى التي يمثلها بـ"ويكيبيديا" جيش من المحررين".

 

إسبانيا على سبيل المثال، يدافع عن قضاياها الوطنية مئات من المحررين، سواء تعلق الأمر بالصراع حول إقليم الباسك أو غيرها من المشاكل الداخلية، وهناك من يخدم القضايا السياسية لبلده عن طريق هذه الموسوعة، إذ تم في العديد من المرات توقيف محررين كانوا يكتبون عن قضايا سياسية من داخل مؤسسات سياسية رسمية، كالكونغرس الأمريكي والكريملين الروسي (القصر الرئاسي) وحتى الفاتيكان.

 

ضعف عربي

 

على النقيض تماما من النسخة الإنجليزية، تبقى النسخة العربية من الموسوعة ضعيفة تماما؛ وهو الوضع الذي يرجعه فرطاخ إلى المشاكل البنيوية التي تعاني منها المنظومة التعليمية بأغلب الدول العربية، إلى جانب عدم تقدير هذه الأخيرة لأهمية العالم الرقمي.

 

ويضيف قائلا: "هناك بالفعل ضعف كبير على هذا المستوى، إذا قارنا مثلا عدد المقالات في الجانبين، نجد أن المقالات باللغة العربية لا يتجاوز عددها 200 ألف. وهذا رقم متواضع إذا ما قارناه بالمحتوى الإنجليزي، الذي يتوفر على أزيد من 5 ملايين مادة".

 

بعد سنوات قضاها فرطاخ داخل المطبخ الداخلي لأكبر موسوعة افتراضية في تاريخ الأنترنيت، سيقرر الانسحاب منها بشكل كلي للمضي قدما في مسارات جديدة، باصما على مسار متميز، ومحتفظا بذكريات كثيرة وعلاقات مميزة بمحررين من مختلف الجنسيات.

 

آخر أيام نشاط فرطاخ داخل موسوعة "ويكيبيديا" كانت سنة 2012، بعدها لم يُعد لتقديم ترشحه لنيل عضوية لجنة التحكيم مجددا؛ فكل قضية مطروحة للمداولة تحتاج حوالي أسبوع كامل من الدراسة وقراءة التقارير والمداولات.. لهذا، فضّل الرجل الاهتمام بمشاريعه الخاصة، التي لم تخرج عن المجال الرقمي، تاركا "ويكيبيديا" نهائيا.

 

"العمل داخل الموسوعة يأخذ معظم الوقت، بحيث من المفروض أن تبقى على علاقة مع محتويات "ويكيبيديا" حوالي 8 ساعات في اليوم، هكذا لن أستطيع تحقيق شيء في حياتي الشخصية"، يقول فرطاخ، مؤكدا في المقابل أن الخدمات الكثيرة التي كان يقدمها، كانت جميعها بدون أي مقابل.

04/08/2017