ينتظر كثير من المراقبين ما ستسفر عنه الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إلى المغرب، المقررة بعد أقل من أسبوع، وما سيتمخض عنها من اتفاقيات على المستوى الاقتصادي والمالي، بالخصوص. لكن ما يشد الانتباه أكثر في هذه الزيارة، نتائجها على مستوى العديد من الملفات ذات البعد الاستراتيجي، للطرفين. أولهما يتعلق بملف الصحراء، الذي دخل في الآونة الأخيرة منعطفا حاسما، وثانيهما التدخل العسكري الفرنسي في مالي، الذي لقي دعما وترحيبا كاملا من طرف الرباط.   

 

وإذا كانت الملفات المرتبطة بالجانب الاقتصادي والتجاري، و كذا التعاون الثنائي في مجال الاستثمارات بين باريس والرباط ستحظى بالأولوية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى المغرب، فإن هذه الزيارة لن تمر حتما دون التطرق إلى قضايا وملفات أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، بدءا بالوضع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد الربيع العربي، مرورا بتداعيات الأزمة السورية، والوضع في ليبيا، وصولا إلى القضية الوطنية، و الحملة العسكرية بمالي.   

 

كان المغرب من بين أولى الدول التي أعلنت مساندتها للعمليات العسكرية الفرنسية في مالي، وفور انطلاق هذه العمليات، أعلن فرانسوا هولاند أن السلطات المغربية قررت السماح للأسطول الجوي الفرنسي بالمرور في أجواء المملكة، وهي إشارة إلى أن الرباط لا يمكن أن تعترض على مثل هذا الطلب، خصوصا وأنها أعلنت إثر اندلاع حركة التمرد التي عرفتها مالي قبيل الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في أبريل من السنة الماضية، عن اصطفافها إلى جانب الشرعية في هذا البلد. 

 

ومع توالي الأحداث في هذا البلد الإفريقي، الذي كان يشكل إلى وقت قريب، نموذجا للانتقال الديمقراطي في القارة الإفريقية، كان المغرب من الداعين إلى وقف العصيان وعودة الشرعية إلى البلاد. كما حمل لواء الدفاع عن الاستقرار به في المحافل الدولية و الإقليمية، و ساند فرض عقوبات على المتمردين. فكان من الطبيعي أن يعلن دعمه و مساندته للتدخل العسكري الفرنسي، الذي يسعى إلى تحقيق نفس المطالب التي كان ينادي و يدعو إليها. 

 

موقف المغرب من الأزمة في مالي يعود بالأساس إلى أن سلطات باماكو، إلى وقت قريب، تغير موقفها من قضية الصحراء بنحو إيجابي. و من شأن استمرار الأزمة المالية أن يؤثر على موقف المغرب بخصوص هذه القضية. 

 

وكان المغرب يتابع عن كثب تطورات الأزمة في مالي أمام تقدم قوات المتمردين و استيلائها على عدد من المدن شمال البلاد و عزلها كليا عن باقي المناطق. و مع إعلان فشل الحوار بين المتمردين و مسلحي الحركات الإسلامية، دخلت الازمة المالية في منعطف خطير، ينذر بعدم الاستقرار، ليس في هذا البلد وحده، و إنما أيضا في مجموع منطقة الساحل.   

 

و من منطلق أن فرنسا تعتبر حليفا استراتيجيا قويا للمغرب، يعززه التطابق التام في وجهات النظر بخصوص قضايا عديدة، فإنه من الطبيعي أن يعلن المغرب مساندته للعمليات العسكرية في مالي، خصوصا و أنه قد أبدى استعداده للدفاع عن القضايا الإفريقية، خدمة لمصالحه المشتركة معها. 

 

و يمكن فهم هذا الموقف أيضا من خلال دعوة المغرب، غير ما مرة لمواصلة الحرب لاجتثات الإرهاب في المنطقة، باعتباره أحد الأقطار المهددة بهذا الطوفان الذي يجتاح العالم و يهدد الأمن و الاستقرار. و الهدف الآخر الذي يكمن وراء الموقف المغربي يتمثل في كسب التأييد من طرف الدول النافذة حول قضية الصحراء، و هو أحد المواضيع التي ستطرح على طاولة المباحثات. 

 

و لا تحتاج فرنسا إلى تجديد موقفها من قضية الصحراء، فهي لطالما شكلت أحد الداعمين لموقف المغرب، حتى بعد وصول الاشتراكيين إلى السلطة، و انتخاب فرانسوا هولاند رئيسا للجمهورية، حيث انتظر المراقبون تحولا في موقف فرنسا، إلا أن شيئا من هذا لم يحدث. 

 

وحتى خلال زيارته إلى الجزائر، أكد فرانسوا هولاند بلغة دبلوماسية لبقة أن فرنسا تدعم جهود المنتظم الدولي لإيجاد حل للنزاع في الصحراء، قبل أن يضيف خلال مؤتمر صحفي بالجزائر العاصمة، أن الأوضاع الأمنية في المنطقة باتت تهدد الأمن والاستقرار بها، وهو ما يستدعي العمل على إيجاد تسوية سياسية ونهائية للنزاع الذي طال أمده. 

 

وأثناء اعتراض المغرب على استمرار الوسيط الأممي في مهامه، بسبب عدم حياده، كانت باريس أول محطة في جولة لوزير الشؤون الخارجية والتعاون، لشرح الموقف المغربي وحشد التأييد له. ولم تتأخر فرنسا في مساندة مطلب المغرب.   

 

الآن يدخل ملف الصحراء منعطفا حاسما، يتطلب من المغرب حضورا دوليا قويا للتأثير على الدول النافذة في المنتظم الدولي لإنهاء النزاع. و ستكون فرنسا أول الداعمين و المساندين للموقف المغربي في هذا السياق. 

 

فما بين دعم التدخل العسكري الفرنسي في مالي و تطورات ملف الصحراء، علاقة واضحة، تتمثل في تضييق الخناق على انفصالي "البوليساريو"، بعدما تبين تورط قياديين منهم في استقطاب مقاتلين للقتال في صفوف التنظيمات المتطرفة.

محمد ياسين 

 

03/04/2013