يخلد العالم كل سنة اليوم العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر، وهي مناسبة لا تعني لبعض المحرومين غير الألم والحسرة، على الوضع الذي أجبروا على عيشه، فهي تذكرهم باستمرار مأساتهم أكثر مما تقدم لهم عونا للتخفيف منها. 

من هؤلاء أناس نزحوا منتصف السبعينات، هربا من الحرب التي كانت تدور رحاها في إقليمهم، والتجئوا إلى الجزائر، التي منحتهم صفة لاجئين على ورق. فقد أسكنتهم سلطات  البلد المضيق منطقة نائية من الجنوب الغربي الجزائري، وعزلتهم عن العالم بما في ذلك  مواطنيها الذين منعوا هم أيضا من ولوج منطقة تيندوف التي تحتضن المخيمات الصحراوية. 

 

ففي الوقت الذي تنص فيه المواثيق والعهود الدولية والتشريعات المحلية في كل بلد، على أنه: 

- لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته. 

- لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده. 

- لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول إلى بلده. 

  

بالإضافة لما تنص عليه المادة 26 من الاتفاقية الدولية لحقوق اللاجئين بخصوص إقامة وتنقل اللاجئين في بلد اللجوء: 

"تمنح كل من الدول المتعاقدة اللاجئين المقيمين بصورة نظامية في إقليمها حق اختيار محل إقامتهم والتنقل الحر ضمن أراضيها، على أن يكون ذلك رهنا بأية أنظمة تنطبق علي الأجانب عامة في نفس الظروف"                                                                       و ما تؤكده المادة 07 من الاتفاقية ذاتها: حيثما لا تنص هذه الاتفاقية على منح اللاجئين معاملة أفضل، تعاملهم الدولة المتعاقدة معاملتها للأجانب عامة. 

ظل الصحراويين في مخيمات اللجوء بمنطقة تيندوف الجزائرية محتجزين في رقعة جغرافية ضيقة، لم تتغير حياتهم عن الحالة التي دخلوا فيها الأراضي الجزائرية لأول مرة، فإلى يومنا هذا لا يستطيع أي لاجي صحراوي في مخيمات تيندوف، الخروج من مدينة تيندوف إلى أي من المدن الجزائرية الأخرى إلا بإذن من سلطة البوليساريو تقدمه للسلطات العسكرية الجزائرية قد تقبله هذه الأخيرة أو ترفضه، وفي حالة الموافقة فهو حق في زيارة مدينة بعينها دون غيرها من المدن الجزائرية و لا يرخص للاجئ التنقل بسيارته الشخصية إن وجدت. ومنذ سنة تقريبا بدأت السلطات الجزائرية بمباركة من قادة البوليساريو تقلص المساحة التي يسمح للاجئين الصحراويين التنقل فيها، حتى صار اليوم سكان مخيم السمارة مثلا ممنوعون من زيارة مقبرة المخيم لدفن أو الترحم على موتاهم بعد أن فصلتها الأحزمة الرملية التي أحاطت بها الجزائر مخيمات الصحراويين كحدود يمنع  تجاوزها دون إذن من السلطات الأمنية، مع ما يرافق تلك الأحزمة من حراسات( انظر الرابط التالي الذي يوضح الأحزمة المذكورة). 

 

و برغم أن الجزائر من الدول الموقعة على اتفاقية حقوق اللاجئين، إلا أن اللاجي الصحراوي، دون غيره من اللاجئين والأجانب بصفة عامة المقيمين في الجزائر، لا يستطيع ممارسة أي من حقوق الكسب كالعمل بأجر أو التملك التي ترتبط في التشريع الجزائري بإثبات شرعية الإقامة فوق التراب الجزائري، وذلك بسبب منعه من  حقه في الحصول على بطاقة لاجي التي تعد بمثابة وثيقة إقامة، خلافا لما تنص عليه المادة 17  من الاتفاقية المذكورة: "تصدر الدول المتعاقدة بطاقة هوية شخصية لكل لاجئ موجود في إقليمها لا يملك وثيقة سفر صالحة". 

وفي غياب شبه كلي للحماية التي من المفترض أن يتمتع بها اللاجي، و بتواطؤ أو تفويض من المفوضية السامية لغوث اللاجئين؟؟؟، تدير منظمة البوليساريو المخيمات الصحراوية. هذه الأخيرة التي عمدت إلى عسكرة مخيمات اللاجئين على مرأى من المنظمات الدولية، وقلصت من فرص تأهيل الشباب الصحراوي للحياة العملية، بفرض التجنيد وقطع كل أشكال المساعدة سواء كانت إدارية أو نفعية عن كل من يخالف ذلك. وتختار لمن انصاع لقراراتها القطاع الذي سينتسب إليه، وفي الغالب يكون عسكريا. 

 

أما الحديث عن بقية الحقوق فانتهاكها هو خبز السلطات الأمنية للبوليساريو، فمن يجرؤ على رأي مخالف لرأي القادة يجرم. فإن لم يهدر دمه، كما كان في عهد السبعينات والثمانينات، فإنه يتلقى شتى صنوف التنكيل الجسدي والمعنوي، كحالة تعرضي للنفي والإبعاد عن أبنائي بسبب رأيي السياسي، والاعتداءات المتكررة من طرف ذات الأجهزة على النشطاء الصحراويين كحالة الفنان الناجم علال الذي لا زال يتعالج من الاعتداء الأخير الذي وقع عليه بسبب طلبه لقاء الممثل الخاص للامين العام للأمم المتحدة في زيارته الأخيرة للمخيمات الصحراوية. 

  

إن اللاجي الصحراوي وإن دفعته ظروف قاهرة إلى الوضع الذي هو فيه، فإنه يظل إنسانا، وبقدر ما هو في حاجة للعون المادي فهو محتاج أن يكون قادرا على التعبير عن رأيه والتنقل بكل حرية، خاصة وأن السلطات التي تديره والتي تؤويه تحمل شعار التحرير وتقرير المصير. فإلى متى يظل هذا الإنسان محتجزا و حقه و أمانه رهن بصمته، والى متى تظل اعتبارات البترول الجزائري أولى من اعتبارات حرية الإنسان الصحراوي. 

 

10/12/2012