ضيفٌ كبير كانت تتأهبُ الرباط لاستقباله، في نوفمبر من العام المنصرم، لولَا أنَّ حظوةَ الملفِّ النووِي الإيرانِي، وقتئذٍ، بأولويَّة الإدارة الأمريكيَّة، جعلت وزير الخارجيَّة الأمريكي، جون كيري، يقطعُ زيارته إلى المنطقة، ميممًا شطر جنيف، دونَ الإخطار بموعدٍ لاحقٍ، لاستئنافها، حتَّى الإعلان، مؤخرًا، عن حلوله بالرباط، يومَ الرابع من أبريل الجارِي.

كيري سيترأسُ، إلى جانب نظيره المغربي، صلاح الدين مزوار، أشغال الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة، وذلكَ من أجل فتحِ آفاقٍ أرحب للعلاقات الثنائيَّة بين البلدين، تنحُو إلى تطبيق ما خلصَ إليه البلاغ المشترك، الصادر في أعقاب الزيارَة التي أجراهَا الملكُ محمدٍ السادس، إلى واشنطن، في نوفمبر الماضي، والتقى خلالها الرئيس باراك أوباما، بالبيت الأبيض.

الباحثة في معهد واشنطن، فيش ساكتيفيل، تذهبُ في تحليلٍ أفردته لبواعث الزيارة، إلى أنَّ الأهميَّة الاستراتيجيَّة التِي توليهَا واشنطن لكلٍّ من الرباط والجزائر، تجدُ تفسيرهَا في قدرة البلدين المغاربيَّين على مراقبة "تنظيم القاعدَة في بلاد المغرب الإسلامي"، وتطويق نفوذها، سيمَا أنَّ المغربَ يرفلُ في استقرارٍ أكبر، قياسًا بما تعيشه دول الجوار، على إثر "الربِيع العربِي".

الباحثة قدمت قراءتها زيارة كيرِي، في سياق حلول المسؤولِ الأمرِيكي بالرباط، بعدَ مدَّة قصيرةٍ من عودة الملك محمدٍ السادس من جولته الإفريقيَّة، وإثر انتهاء مناورات الأسد الإفريقي، بمشاركة الجيشين المغربِي والأمريكي، كذا عناصر من جيوش دول تشغلُ عضويَّة "الناتُو" من بينهَا ألمانيا.

ولأنَّ المنطقَة على صفيحٍ ساخن، حيث تكابدُ طرابلس الانفلات الأمنِي وسط غياب الدولة، واستمرارِ الخطر السلفي أمام تونس، فيمَا لم تتضح بعد مآلات العهدة الرابعة التِي يتجهُ الرئيس الجزائرِي، عبد العزيز بتوفليق، نحو الفوز بها، رغم الاحتجاجات، يبرزُ المغربُ فاعلًا جهويًّا، بفضل استقراره، كما تخلصُ إلى ذلك، الباحثة.

وبالنظر إلى أن التوتر الذِي طرأ على العلاقات المغربيَّة الأمريكيَّة، السنة الماضية، في أعقاب تقدم الإدارة الأمريكيَّة بمقترح لتوسيع صلاحيَّات المينورسُو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، كانَ منشؤهُ حقوقيًّا، فإنَّ الباحثَة ساكتيفيل، تلفتُ إلى مجيء زيارة كيري، فِي ظلِّ تعاظمِ دور المجلس الوطنِي لحقوق الإنسان، معتبرةً إنهاء محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، نقطةً إيجابيَّة سجلها المغربُ على الصعيد الحقوقي، فِي خضمِ توالِي انتقادات بعض المنظمات الحقوقيَّة، حيث يبعثُ تعزيز المغرب عبر تعزيز آلياته الوطنيَّة في حقوق الإنسان، بأكثر من رسالة.

وفيمَا تصبُو واشنطن إلى أنْ تضع الرباط والجزائر خلافاتهما، جانبًا، في مجابهتهما خطرَ الإرهاب المتنامِي بالمنطقة، تطفُو عدَّة إشكالاتٍ، حسب الباحثة، أبرزها ما تعيشهُ الجزائر بسبب العهدة الرئاسية الرابعة لبوتفليقة، التِي لا ينبغي أنْ يغفل البيت الأبيض غضب الشارع إزاءهَا، زيادةً على صعوبة التنسيق المغربِي الجزائرِي، حيث أنَّ البلدين قد يجدان صعوبةً في إفشاء بعض المعلومات الاستخباراتيَّة، فيما يعدُّ كلُّ واحدٍ منهما عدَّة السلاح، توجسًا من الآخر.

وتبقَى المهمَّة الأصعب، أمام كيري، وفقَ ما تخلصُ إليه الباحثة الأمريكيَّة، ممثلةً في قدرته على أنْ يقنع الرباط بأنّ استقرارها يحظى بالاهتمام الأمريكي، دون أنْ يعني ذلك مجافاة واشنطن للجزائر، بمعنى أنْ ينجح كيري في طمأنة الرباط حول مصالحها، ويؤكد لها أنَّ القرب مع الجزائر لن ينال من علاقة أمريكا بالمغرب.

ولأنَّ لدى المغرب قضيَّة يقيسُ بها مجملَ علاقاته بالخارج، فإنَّ الرباط، تطمح كما تقول ساكتيفيل، إلى موقفٍ أمريكي من قضيَّة الصحراء أكثر تحفيزًا، بيد أنها تحذرُ بلادها من الانحياز إلى أحد طرفي النزاع، على اعتبار أنَّ ذلكَ سيفقدُ واشنطن نفوذهَا وتأثيرها على الطرف الآخر، فِي حين يتوجبُ عليها أنْ تمسكَ العصا من الوسط.

02/04/2014