يحز في النفس أن تسمع عن نية ترشيح عمداء مدن مغربية و رؤساء مقاطعات لانتخابات مجلس النواب المغربي ينتمون إلى أحزاب كانت تتغنى بالأمس القريب بالديمقراطية.فمهما كانت الذرائع فالأمر مرفوض لعدة اعتبارات.فإذا كان يريد هؤلاء الترشح في الانتخابات البرلمانية فعليهم تقديم استقالاتهم من التسيير الجماعي درءا للمفاسد.فعين الحكمة تقتضي التفرغ لمنصب معين و ليس الجمع بين راتبين عن التمثيلية الديمقراطية. فإذا كانت وزارة الداخلية قد خصت مسيري الجماعات الترابية بتعويضات هامة فلا يعقل أن يعوض هؤلاء عن التعويضات البرلمانية. وإذا كانت تحدوهم الرغبة في الترشح لانتخابات البرلمانية، فينبغي أن يحتفظ هؤلاء براتب واحد  وهذا أضعف الإيمان.هذا إن كانوا لا يضرون بالتسيير الجماعي.وإذا كان المسير يعتمد على نائبه أحيانا، فمن العار أن يأخذ راتب التسيير حفاظا على ميزانية البلد من الهلاك. فاليوم أصبح لزاما علينا إصدار قوانين تنظيمية جديدة تؤطر هذه العملية و تضع حدا فاصلا بين تسيير الجماعات الترابية و العضوية في البرلمان المغربي.وإذا كان الموظف المغربي مطالب بالمكوث في مكتبه ثمان ساعات في اليوم،فلا يعقل أن يحصل  المسير الجماعي على راتب دون الحضور إلى مقر العمل. فما رأي النخب الحزبية في هذا النوع من الفساد المسكوت عنه؟ و كان أحرى بكل من يحب الخير لهذا البلد أن يركز سهام النقد على هذا الفراغ القانوني.  

         ويمكن القول أن القاسم المشترك بين جل الأحزاب المغربية هو كيفية الوصول إلى المناصب التي توفرها العملية السياسية دون الاكتراث إلى الوسيلة الأخلاقية التي ينبغي إتباعها لتحقيق هذه الغاية الحزبية سيرا على المنهج الذي نظر له ماكيافيلي في تناقض مع المرجعية الأخلاقية التي تقتضي التحلي بروح المسؤولية و نكران الذات خدمة للصالح العام.وهذا ما يغيب في الوقت الحاضر لدى فئة كبيرة من السياسيين وأحزابهم التي تحتاج إلى قوانين تنظيمية لدمقرطة الشأن الداخلي.ويمكن القول أن ما يحدث داخل الأحزاب هو انعكاس طبيعي للثقافة الشعبية السائدة التي تعتمد في تجلياتها على الهيمنة.فالرجل يهيمن على زوجته والبائع في السوق يهيمن على زميله ويأخد مكانه أحيانا إلى أخره. و هذا ما يصعب تغيره في الأمد القريب لأنه يركن في اللاوعي الفردي نتيجة للإرث الفكري التاريخي و لا يقتصر ذلك على الثقافة المحلية بل نتقاطع فيه مع عدة دول شقيقة و قد تعود جذوره إلى العصور ما قبل الإسلام.والظاهر أن المبادئ النبيلة التي دعت الأديان إلى غرسها في نفوس الأفراد من إخاء و مساواة لم تعمر طويلا في الأذهان.

    و بالعودة إلى التمثيلية النيابية،يرجى إعادة صياغة العملية السياسية لخدمة لمصلحة الوطن و الحفاظ على ميزانية البلد من النهب غير المبرر.و أصبح علينا تقييم فاعلية الانتخابات كأداة للتنمية مقابل التكلفة المالية التي تقتضي الحزم علما أن غالبية السياسيين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة وهناك من هو أكثر حاجة لتلك الأموال.ولا ينبغي كذلك أن يترك الأمر للنخب الحزبية الانتهازية لتقرير مصير البلد لأنها ستعمل على خدمة مصالحها فقط.وإذا كان المواطن عامة يصعب عليه فرز الغث من السمين في ظل اللبس الحاصل من خلال الزج بالمبادئ و الدين و المصالح الفردية في العملية السياسية، فإنه يصبح من الضرورة بمكان التفكير في مخرج سلس يراعي مصلحة الوطن و المواطنين من خلال تطوير آليات الضبط و التحكيم السياسي بين جميع الأحزاب و تحييد الحقل السياسي من الإديوليوجية لأن هذه الأخيرة تتعارض مع ماهية العمل السياسي الرامي إلى التنمية بكل تجلياتها.وإذا كانت النخب السياسية لا تريد التغيير حفاظا على مصالحها، فإن البلد لا يجب أن يبقى رهينة مصالح حزبية ضيقة و قد حث جلالة الملك في خطاب العرش لسنة 2016 الجميع التحلي بروح المسؤولية الوطنية و التخلي عن المصالح الضيقة. و هنا نجد أنفسنا أمام قائد عظيم ذو نظرة تطلعية واعدة و نخبة حزبية متخلفة تريد قدر المستطاع الاحتفاظ بمصالحها.

   و إذا ترك الأمر للمشاورات الحزبية،فإن الأفق سيكون محدودا و نسقط مجددا في الرتابة و تجريب المجرب.و في اعتقادي المتواضع نحتاج إلى تطوير آليات التحكيم السياسي و فتح المجال لظهور أحزاب جديدة بمرجعيات تنموية و ليس إديولوجية لأن هذه الأخيرة تتنافى مع مصالح الدولة الوطنية القومية و لسنا في حاجة لذلك بقدر ما نحتاج إلى التنمية الوطنية و تقوية النموذج المحلي. و من هنا ينبغي التفكير في المعايرة السياسية للبرامج الحزبية التي ستتقدم بها الأحزاب التنموية الجديدة للانتخابات بكل أنواعها. فلكي تتقدم هذه الأحزاب لانتخابات ينبغي عليها أن تقدم برامج سياسية قطاعية شاملة تتماشى مع المعيارة السياسية التي ينبغي إتباعها. و لن يتأتى ذلك سوى بوضع دليل للبرامج السياسية لجميع أنواع الانتخابات و هذا عمل جبار ينبغي القيام به.ويقتضي تطور التحكيم السياسي كذلك إنشاء مؤسسة وطنية إستراتيجية لتدبير البرامج الحزبية و قد بينت تفاصيل هذه المؤسسة في العديد من المقالات التي نشرتها وهي متوفرة على الإنترنيت ويمكن مطالعتها. 

   

 

07/08/2016