إذا كان المغرب قد برهن عن جديته ومصداقيته في البحث عن حلّ سلمي لقضية الصحراء يُجنب المنطقة حرباً إقليمية طاحنة بينه وبين الجزائر، فإنّ الانفصاليين وحاضنتهم ظلوا مُتكلِّسين في مواقفهم ولم يقدموا ولو تنازلاً واحداً! بل على العكس تماماً، كلّما قدّم المغرب تنازلاً يُقرب الحلّ، إلاّ ووضعوا عراقيل وحواجز للعودة إلى نقطة الصفر.

وهكذا أفشلوا الاستفتاء مع سبق الإصرار والترصد من خلال تفجير مسلسل تحديد الهوية، مما حذا بالأمين العام الأممي الأسبق كوفي أنان، وليس المغرب كما يزعمون، إلى الإعلان عن استحالة تنظيمه سنة 2002. ثمّ أفشلوا المفاوضات حول الحل السياسي المتفاوض عليه والمقبول من الأطراف، وحاولوا تهريب المفاوضات من عمقها السياسي إلى مواضيع جانبية مثل مناقشة الثروات وحقوق الإنسان، وأخيراً وليس آخراً توسيع صلاحيات المنورسو.

وكلها مناورات تهدف في نهاية المطاف إلى عرقلة المسار الأممي، والحيلولة دون التوصل إلى أي حلّ سياسي شامل، مع إبقاء الوضع على ما هو عليه خدمةً لأهداف داخلية تخص الوضع الجزائري المتفجر اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. ومن جهة أخرى إلهاء المغرب في مفاوضات عبثية، واستغلال الوقت لتسجيل "انتصارات" في الهوامش من أجل توظيفها في "الحسم".

وأعني بالهوامش المعارك اليومية في الاتحاد الأوربي والبرلمان الأوربي والمحكمة الأوربية، والاتحاد الإفريقي، وجمعيات المجتمع المدني، والأحزاب اليسارية في الدول الاسكندينافية وإسبانيا وإيطاليا والبرازيل، وغيرها. وهي وإن كانت على "الهوامش"، فإن ذلك لا ينقص من خطورتها، لأنها تضرب سيادة المغرب على الصحراء في العمق، كما هو الشأن بالنسبة لانضمام الكيان الوهمي إلى الاتفاقية الرابعة لجنيف الخاصة بحماية المدنيين خلال الحروب، وحكم المحكمة الأوربية مؤخراً حول الصادرات المغربية من أقاليمنا الجنوبية.

وبصرف النظر عن مدى صحة الشائعات التي تحوم حول فحوى المقترح "الجديد" للمبعوث الأممي المتعلق بنظام شبيه بالفدرالي أو الكونفدرالي، والذي كان مطروحاً منذ 2012 في الكواليس، فإن مجرد قبول مناقشته من الطرف المغربي سيشكل انزلاقاً خطيراً في مسار التسوية، ونكوصاً إلى الوراء لا يخدم إلاّ أجندة نظام "العسكرتاريا" الجزائري الذي يدرك تمام الإدراك أن جبهة الانفصال أصبحت تعيش حالة موت سريري، وحْدَهُ استئنافُ المفاوضات سيعطيها فرصة لتضليل الرأي العام المحلي والدولي بأنها لم تمت بعدُ.

إلى ذلك، يجب على الطرف المغربي استحضار كل التنازلات التي قدمها المغرب على مضض، منذ لقاء قاعدة بن جرير إلى مانهاست. كما يجب استحضار تنصل الأمين العام من التزاماته تجاه العاهل المغربي مرتين متتاليتين؛ الأولى على خلفية سحب الثقة من ممثله الشخصي سنة 2012، والثانية إثر أزمة توسيع الصلاحيات سنة 2014.

ويكفينا حُجة لعدم استئناف اللاّ-مفاوضات، كون الأمين العام الحالي سيغادر البيت الزجاجي في نيويورك في 31 ديسمبر القادم، وكذلك الشأن بالنسبة لكل طاقمه، بمن فيه مساعده للشؤون السياسية ومبعوثه الخاص، السيدان فيلتمان وروس. ولا ننسى أيضاً الاستحقاقات الدولية الأخرى وعلى رأسها تغييرُ ساكنِ البيت الأبيض. فالوقت إذن ليس لاستئناف المفاوضات، بل لوضع الخطط والسناريوهات لاسترجاع "الامتياز" في لعبة الأمم مع الفريق الأممي الجديد.

أمام هذه المعطيات، وقبل الحديث عن أي استئناف من عدمه، تقتضي المصلحة الوطنية، وبكل تجرد، إعادة ترتيب الأوراق، وتقييم مسار المفاوضات منذ البداية إلى اليوم، بما في ذلك أداء فريق المفاوضات، ومنهجية اشتغاله، وهل هناك فريق للدعم كما هو معمول به في كل المفاوضات الدولية؟ وهل هناك أرشيف للمفاوضات منذ 1988؟ وهل هناك سناريوهات استباقية ضمن مقاربة احترافية؟ وغيرها من الأسئلة الحارقة التي لا يمكن بسطها على الملأ في ملفٍ ذي طبيعة إستراتيجية وجيوسياسية كهذا.

وفي انتظار ذلك لا بدّ أولاً من وضع الشروط الموضوعية والسياسية لاستئناف أي مفاوضات، وعلى رأسها التوصل بجواب السيد كريستوفر روس، أو من سيخلفه، عن المذكرات الكتابية التي وجهت له بخصوص جوهر المفاوضات وأرضيتها ومحدّداتها وآجالها حتى نخرج من الدائرة المفرغة التي يريد النظام الجزائري إبقاءنا فيها إلى ما لا نهاية.

وينبغي ثانياً أن نشترط إحصاء اللاجئين في تندوف ووضعهم تحت إشراف المفوضية العليا للاجئين كما هو الشأن بالنسبة لكل اللاجئين في العالم. واعتبار هذا الشرط هو المحدد لأي استئناف للمفاوضات، بحكم أنه لا يمكن التفاوض على مجهول، ولا يمكن للأمم المتحدة أن تسكت على انتهاك القانون الدولي الذي يعطي الحق لكل لاجئ في الإحصاء والتوفر على الضمانات الدولية، ويسمح للراغبين في العودة إلى وطنهم أو التوجه إلى وجهة ثالثة، وهو ما يخيف الجلادين في تندوف. فالإحصاء بهذا الشكل سيفقدهم "الأصل التجاري" الذي يتاجرون به في مأساة إنسانية تمس حوالي 40 ألف مواطن مجردين من أبسط حقوقهم.

ومن ناحية ثالثة يجب الطعن في تمثيلية جبهة الانفصاليين وفرض "جبهتين" على الأقل كأطراف في أي حوار أو مفاوضات. وأقصد بالجبهتين الأخريين، المنتخبون في أقاليمنا الجنوبية في البرلمان والمجالس الجهوية والإقليمية والبلدية. فبمعايير القانون الدولي يعتبر هؤلاء الممثل الشرعي لسكان أقاليمنا الجنوبية، لأن الذي أفرزهم هو صناديق الاقتراع الحرّ، بينما ساكنة المخيمات لا تتمتع بحرية الاختيار أو القرار، والدليل هو المرشح الوحيد الذي فرضته المخابرات الجزائرية، ومنع "خط الشهيد"، وطرد مصطفى سلمى، وعودة العديد من القيادات والخوف من الإحصاء الأممي للمخيمات.

أما الجبهة الثالثة، فهي جبهة العائدين الذين يُقدَّر عددُهم بحوالي 12 ألف مواطن يشكلون حوالي 25% من ساكنة تندوف، وليس من حق أي جهة، سواء في تندوف أو في المنتظم الدولي، أن تحرمهم من حقّهم الأصلي وغير القابل للتصرف في المشاركة في تقرير مصيرهم. فلا يعقل، لا قانوناً ولا منطقاً ولا أخلاقاً، أن تتفاوض جبهة تندوف باسم أولئك الذين ثاروا عليها وفروا من جحيمها ومعتقلاتها.

رابعاً وأخيراً، لا يمكن القبول باستئناف المفاوضات قبل عودة الأوضاع في المنطقة العازلة إلى ما كانت عليه عند توقيع اتفاق 1991، لأن هذا الاتفاق ينص على الحفاظ على الوضع القائم ومنع أي تغيير على الأرض، كما يحظر أي عمل استفزازي في المنطقة.

ومعلوم أن جبهة الانفصاليين احتلت مواقع في بئر لحلو وتِفارتين، وأجْرت ما سمته "مناورات" بالأسلحة تحت أعين قوات المنورسو، وكلها خروقات تسمح للمغرب بوقف العمل بالاتفاق أعلاه، والتدخل لوضع حدّ للاعتداءات المتكررة على أراضيه. بل إنّ الأخطر في الأمر الدعاية الجزائرية التي تُسوّق للعالم هذه المنطقة كأراضٍ "محررة"، وهو ما سيعطي بُعداً آخر يفتقده الكيان الوهمي في تندوف إذا لم يتنبّه المغرب لخطورة ما يُحاك ضده.

أحمد نور الدين

10/08/2016