الأسباب الثلاثة للمطالبة بإنهاء مهمة كريستوفر روس

سنة 2009 أعلنت الناطقة الرسمية باسم الامين العام للامم المتحدة، عن تعيين مبعوث جديد للصحراء، خلفا لبيتر فان والسوم الذي قدم استقالته من مهامه، بسبب فشله في مهمته التي أرجعها بالأساس إلى يقينه باستحالة إجراء الاستفتاء بالأقاليم الصحراوية، في هذا الإطار تم تعيين المبعوث الجديد، الذي أصبح بعد مرور أكثر من ستة سنوات على توليه لهذا المنصب يدفع لطرح السؤال حول جدوى استمراره في القيام بمهام الوساطة، و هو الرجل الذي لم يحقق طيلة هذه المدة أي تقدم في الملف، أو في المفاوضات، بل عرفت فترته أكبر انحصار في مسلسل المفاوضات، و في مسلسل التسوية الأممي، الذي يظل المسؤول عنها و عن مآلها أمميا و إقليميا، باعتباره مبعوثا شخصيا للأمين العام للأمم المتحدة.

قبل، التطرق للأسباب التي تجعل من أهمية المطالبة بتغييره، و إنهاء مهامه كأولى الأوليات في مسلسل المفاوضات، خاصة في علاقته مع الطرح السياسي الذي قدمه المغرب و تبنت فكرته الأمم المتحدة التي جعلت من المفاوضات الط يق الامثل للتوصل لحل سياسي متفاوض بشأنه، مقبول لدى الطرفين، لكن بالأساس مقبول لدى سكان المخيمات اللذين يظلون هم الصوت الغائب في هذه الحلقة، و أصبح مع مرور الوقت و طول أمد النزاع، و ظهور أصوات معارضة للبوليساريو يطرح السؤال حول الجبهة نفسها، و حول مدى اعتبارها الممثل الشرعي و الوحيد للاجئين، و هي نقطة سيتم التفصيل فيها بمقال لاحق، وجب قبل كل ذلك لمعرفة خلفية كريستوفر روس أن تتم الإشارة للمهام التي تقلدها، التي بلا شك أثرت على طريقة اشتغاله، و جعلته يتجه نحو الفشل في مهمته المتمثلة في إدارة التفاوض و في تقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع، وفقا للخلاصة التي توصل إليها سلفه، فقد كان مكلفا بشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا)، كما شغل منصب سفير الويلات المتحدة الامريكية في كل من سورية والجزائر قبل أن يتولى،منصب مستشار سام لمنطقة (مينا) بالبعثة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة، بالتالي فطبيعة المهام الدبلوماسية التي تقلدها خاصة المهمة الظبلوماسية بالجزائر كانت و ماتزال محددة في خلفية اشتغاله و في المقاربة التي يقدمها للنزاع.

بالعودة للموضوع، تجدر الإشارة بداية إلى أن المغرب قد سبق له في عدة مرات أن أبدى انزعاجه، و تحفظه من طريقة تحرك كريستوفر روس بالمنطقة، و في جوهر المقاربة التي يعالج بها الملف، و الكيفية التي يدير بها المفاوضات، هذا ما دفع المغرب الى التحفظ عليه سنة 2012، و تكرر الأمر منذ شتنبر 2014 إلى قبيل أبريل 2015 تاريخ استصدار القرار الأممي الصادر عن مجلس الأمن بخصوص الصحراء، و في كلتا المرتين قد تم تسجيل ثلاث ملاحظات تجعل من ضرورة الإسراع بمطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بإنهاء مهمة مبعوثه، و البحث عن خلف له متوافق حوله مهمة مستعجلة، خاصة مع انسداد المفاوضات التي من المفترض أن يشرف عليها، هذه الأسباب يمكن إجمالا في:

السبب الأول: انحيازه عن الخلاصة الأساسية التي توصل إليها المبعوث السابق بيتر فان والسوم، الذي خلص في استقالته إلى أنه من المستحيل في ظل المعطيات الحالية إجراء الاستفتاء، خاصة مع انعدام أية إمكانية تسمح بإجراء دقيق لإحصاء اللاجئين بسبب تلاعب الجزائر و جبهة البوليساريو في ساكنة المخيمات التي من المفترض أن تكون هي الكتلة الناخبة المشاركة في الاستفتاء المفترض، و قد كان تعيين كريستوفر روس في منصب سلفه، ينتظر منه أن ينطلق من الخلاصة التي تم التوصل إليها سلفا، و الاشتغال عليها في أية مفاوضات مستقبلية، خاصة و أن تعيينه تزامن مع الجولة الرابعة للمفاوضات بين المغرب و البوليساريو، و هي الخلاصة التي تبنتها ضمنيا الامم المتحدة في مختلف قراراتها عندما أدرجت ”مبادرة الحكم الذاتي” كخيار آخر من بين الخيارات الكلاسيكية التي كانت مطروحة منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، باعتباره حسب تعبير هذه القرارات ” مقترحا جديا، يحضى بالمصداقية”، و هو المقترح الذي كان على المبعوث الجديد أن يقوم بالتفاعل معه إيجابا، و الانطلاق منه كنقطة عبور نحو التوصل ” للحل السياسي التفاوض بشأنه”، لكن و منذ انطلاق عمله و هو يحاول الالتفاف على المقترح المغربي، و تهميشه، و التعاطي مع المغرب و كأنه لم يقدم أي مقترح المنتظم الدولي الذي بالمقابل تعاطى معه إيجابا، و حاز مع مرور الوقت على دعم دولي متزايد، بالمقابل عمل على بعث الروح في الآليات الميتة المؤدية إلى الإستفتاء رغم يقينه انطلاقا من مضمون استقالة سلفه إلى استحالة تنظيمه، للشروط الموضوعية و الذاتية المتعلقة بالتطورات التي عرفها الملف، مما حوله إلى طرف في الصراع و ليس إلى مبعوث مهمته تقريب وجهات النظر بين الجهات المتصارعة أو المتنازعة، و هذا يحيل على السبب الثاني.

السبب الثاني: افتقاده للصداقة و النزاهة، في عمله و في إدارته للعناية التفاوضية، ليس فقط انطلاقا مما سبق ذكره أي التفافه على المقترح المغربي، بل أصبحت الشبهة تحوم حول جل تحركاته التي يقوم بها داخل المغرب، و بالأقاليم الصحراوية خصوصا، التي اذا ما قورنت بالكيفية التي يتحرك بها بالمخيمات سيتم التوصل إلى أنه في جل جولاته التي أقامها بالجنوب المغربي كانت موجهة لخلق رأي عام داخلي متواجد بالمنطقة يتم تزكيته و تقوية حضوره إعلاميا و إعطاءه نوعا من المصداقية و الشرعية الأممية التي يوفرها لهم بإصراره الدائم على لقاء ” نشطاء الداخل” الذين أصبح يبرز وجودهم في نفس السنة التي عين فيها، و جعلهم مخاطبين رسميين له في كل زياراته التي يقوم بها للمغرب، لكن بالمقابل عند تواجده بالضفة الأخرى فإنه يقتصر في اللقاءات التي ينظمها على قيادة البوليساريو إما داخل المخيمات أو خارجها بالعاصمة الجزائرية، و يرفض في كل المرات لقاء المعارضين للجبهة، بل يتغاضى على الأعمال الإجرامية التي تمس حياة سكان المخيمات، و نشطاءها الرافضين و المعارضين لجبهة البوليساريو،و للقبضة الحديدية التي تدار بها المخيمات، بل لم يسعى يوما إلى مواجهة النظام الجزائري و مطالبته بتنفيذ التزاماته الدولية باعتباره أرض اللجوء، و نظرا لكون أحداث العنف التي تمارس في حق اللاجئين تمارس تحت رعايته و بأرضه، يمكن الاستدلال هنا ما تعرض له العديد من المعتصمين بالرابوني الذين طالبوا لقاءه أثناء تواجده بالمخيمات إلا أنه رفض الاستماع إليهم و لمطالبهم، بل تمت مراسلته في عدة مرات من طرف أهالي الضحايا خاصة أهالي الشباب الذين تم اغتيالهم من طرف الدرك الوطني الجزائري السنة الماضية لكن دون أن يجيبهم، و دون أن يطالب البوليساريو بالكشف عن مصير الفتيات اللواتي يتم احتجازهن بالمخيمات فور عودتهن من إسبانيا آخرها عملية الاحتجاز التي تفجرت بداية هذا الشهر تتعلق بالشابة نجيبة التي انقطعت كل اخبارها فور عودتها و تم حجزها و حجز جواز سفرها الاسباني، بالاضافة إلى العديد من الحالات الاخرى...و دون ان يساءل الجزائر عما يمارسه مسؤوليها الأمنيين في تخوم المخيمات.

هذه الملاحظة اذا ما قارناها بالكيفية التي يتعامل بها مع الادعاءات التي يقدمها ما يسمى بالنشطاء الحقوقيين بالأقاليم الجنوبية، سيتم التأكد بأن كريستوفر روس قد تجرد من مهمته، التي تفرض عليه الالتزام بالحياد التام، الاستقامة، النزاهة، التجرد...و هي الأوصاف التي وجب الإتصاف بها من طرف أي وسيط أممي يشتغل تحت مظلة الامم المتحدة، لذلك فعدم الحياد هذا حوله إلى طرف، بل و طرف أساسي في النزاع، يتحمل مسؤولية فشل المفاوضات و استمرار وضع الجمود الحالي الذي يؤدي ثمنه سكان المخيمات.

السبب الثالث: انسداد أفق الحل، و هو الانسداد الناتج عن الطريقة التي أدار بها كريستوفر روس المفاوضات، التي بدل أن تكون فرصة لتقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع، عمدت طريقته إلى دخول المفاوضات لمرحلة مظلمة، تنذر باستمرار الوضع الحالي، بل تحايله على مقررات مجلس الامن و على التوجهات الأساسية التي أطرت وجهة نظر الأمين العام للأمم المتحدة، من خلال تأكيده على منطلق الحل السياسي، كأرضية للتفاوض الجدي، التي كان على كريستوفر روس أن تكون القاعدة السياسية التي ينطلق منها في تحركاته، و في إدارته للمفاوضات، لا أن يعمد إلى العودة بالملف لمرحلة ما قبل استقالة بيتر فان والسوم، و يعود بالملف برمته إلى نقطة الصفر جعلت من فترة ولايته التي وصلت لحدود اللحظة لستة سنوات،صفحة بيضاء في مسلسله التفاوضي،مما أدى الى ان يراوح الملف مكانه و يضاعف من معانات اللاجئين الصحراويين.

بالتالي فاستمراره على رأس المفاوضات يعني استمرار الوضع الحالي، وضع الجمود الذي دخل فيه الملف، و جعل المغرب لأكثر من مرة يوقف التعامل معه ”سنتي 2014-2012”، كتنبيه مباشر للعالم أجمع على أن مصداقيته أصبحت محط تساءل، و وجب مراجعتها بل و مراجعة استمراره كمبعوث شخصي للأمم المتحدة في هذا الملف.

نوفل البعمري

17/10/2015