كتاب جدير بالقراءة ومتابعة القضايا الكبرى من الفساد الذي عاشته وتعيشه منظمة الأمم المتحدة. يصف بالتفصيل، عبر حلقات، الأكثر إثارة وعارا، مما هو غير معروف لهذه المنظمة الدولية، المتهمة بالاعتداء على الأطفال ودورها في الحرب الباردة وسوء التدبير واختلاس الأموال وغيرها من الفضائح.

 

 الأمم المتحدة: تاريخ الفساد، للصحافي والكاتب ايريك فراتينى، واكب بالبحث والتقصي فضائح المنظمة منذ الصفحات الأولى، المليئة بالفساد. يروى بالأسماء والألقاب ستون سنة من الغش، الفساد، المحسوبية، الاحتيال، الاعتداءات الجنسية، العنف، التعذيب، الرشوة، سوء التدبير، الإدارة الكارثية وغيرها من القضايا الكبيرة التحى تورطت فيها المنظمة وأمنائها العامون والمسؤولين الكبار فيها.

 

 كتاب واضح ومباشر، نشر لأول مرة عام 2005 في الذكرى 60 لإنشاء منظمة الأمم المتحدة، وبعدها صدرت عدة طبعات، آخرها نهاية عام 2011. فمنذ عام 1945، تاريخ إنشائها، تحملت المنظمة الأممية مسؤولية القيام بدور في الكثير من المناسبات، ضد روح ميثاقها، يكشف عنها هذا الكتاب والى مظاهرها ومعالمها الفضائحية.  ستة سنوات بعد نشر الكتاب، وبنفس المواصفات، عاد المؤلف في آخر سنة 2011 لإصدار طبعة جديدة، منقحة ومزيدة، حيث قام بمراجعة محينة وواسعة لتاريخ المنظمة، المليئ بأعمال الفساد والمسؤولين الذين تصرفوا بغموض في تدبير شؤونها.

 

 كمثال، ما جاء في الكتاب بأن أول أمين عام للمنظمة، النرويجى تريجفي لي، تعاون بشكل مفتوح ومباشر مع (لجنة الأنشطة المناهضة للأمريكيين) التي أنشأها السيناتور الأمريكي مكارثى، أو أنه، بين أعوام 1972 و 1981، الأمين العام الآخر، النمساوي كورث فالدهايم، كان ضابطا في الجيش النازي. أما الأمين العام الأسبق كوفى أنان، فقد صم أدانه عن عنف الإبادة الجماعية في رواندا وسربرنيكا، كما أنه، في خلال مدة عمله، اغتنى ابنه عن طريق "برنامج النفط مقابل الغداء" الذي كان قد فرض على العراق في عهد الراحل صدام حسين.

 

 اعتبارا لكون المؤلف باحث من الطراز الرفيع، فقد تعمق في البحث عن فضيحة أخرى المتعلقة ب (القبعات الزرق) والاعتداءات الجنسية لأفرادها على القاصرين في البلدان التي كانوا يقصدونها بهدف الدفاع عنها، كما يحلل طريقة اشتغال فريق (أكنور) للاجئين، التي يعتبرها تجارة رابحة، وغيرها من القضايا.

 

 الكتاب عبارة عن وثيقة مدمرة، بحث صحافي يكشف تفاصيل 60 سنة من الاختلالات في حظيرة منظمة الأمم المتحدة وسوء تدبير الإدارة وفروعها ووكالاتها المتخصصة. يروى عبر حلقات مترابطة مظاهر الفساد وكأنها مستخرجة من رواية خيالية، عبر العديد من الوثائق والتقارير التي جمعها المؤلف لتواجهنا وقائع مؤلمة، مخجلة وصادمة. نكتشف بواسطتها، منذ نشأة المنظمة، كابوس حقيقي وضخم ووجه مكلف للغاية.

 

 ويكبر الذهول ويتعاظم حينما نعلم بأن الأمناء العامون الثمانية الذين تعاقبوا على تسيير المنظمة، ليس فقط لم يحاربوا الفساد، بل دعموه وحموه، وفي بعض الحالات استفادوا منه، حيث يقوم الكاتب بتشريح كامل وتشخيص مفصل وشامل لمختلف الأمراض التي تسكن المنظمة. ويعود بنا التحقيق إلى بدايات إنشاء المنظمة وسابقتها، عصبة الأمم، ومؤتمر التأسيس، حينما اقترفت أولى الأخطاء التي لا زالت تؤدى فواتيرها إلى اليوم.

 

 افتتح مؤتمر التأسيس بتاريخ 21 غشت من عام 1944 باجتماع الأمريكيين والسوفيات والبريطانيين والصينيين، لضبط الهيأة الأولى لما كان المفروض أن تكون عليه منظمة الأمم المتحدة. انتهى اجتماع (الآباء المؤسسين) بليلة جنسية وخمرية تطلبت تدخل الشرطة لفضها. وقد تحولت المفاوضات بين القوى الرئيسية إلى (لعبة بوكر) حيث الكل يشك في الكل، مع معركة مصالح تسببت في مخاطر حقيقية في تخطيط معمار المنظمة. هذا ما نكتشفه من خلال فصول الكتاب التي تكشف عن تداعيات تلك المصالح على تدبير شؤون المنظمة وتدخلاتها في الشؤون الدولية.

 

 وكان من المشاهد المؤلمة، احتلال المنظمة عن طريق المصالح الخاصة للدول الكبرى واستعمالها لقضاء تلك المصالح عبر الموظفين الكبار والجواسيس الذين حولوا المنظمة إلى عش الأفاعي بتفريخ العديد من المصالح الاستخباراتية التي تشتغل بدون أية عوائق، خصوصا بواسطة جاسوسات عاهرات يربطن العلاقات مع مندوبي مختلف الدول في حمامات القيادة العامة للمنظمة. كما إن بناء مقر المنظمة لم يخل من أول قضية فساد.

 

 لكن، الأكثر سوداوية، حين يكشف المؤلف عن الجرائم، الانتهاكات، الإساءات والأعمال الوحشية التي اقترفتها الفرق العسكرية للأمم المتحدة، المعروفة ب (القبعات الزرق) في بعض المناطق الإفريقية والأسيوية. كما إن سياسة (الحياد والنزاهة) التي تريد المنظمة أن تتصف بها، لم تفلح في منع الإبادة الجماعية ل 800 ألف شخص من الرجال والنساء والأطفال في رواندا و 8.000 آخرين في البوسنة.

 

القيادة العامة للمنظمة، هدف آخر للمؤلف، حينما يكشف عن الحلقات المخجلة لها، كالتعتيم وإخفاء الماضي النازي للأمين العام الرابع للمنظمة، والاعتداء الجنسي على العاملات والموظفات، كما يتطرق إلى (سيرك الجلسات العامة) التي تتحول إلى أسفار سياحية للمندوبين الأجانب. هناك أيضا، الفساد الشامل، التبذير، الغش واستغلال النفوذ، وعبر كل ذلك نكتشف بعار وخجل بأن أكبر مظاهر التبذير والغش تظهر بوضوح في الوكالات الأممية المكلفة بمساعدة الأكثر حاجة إلى المساعدة، حيث تصل قمة استغلال النفوذ والفساد في (برنامج النفط مقابل الغذاء) الذي تم تنفيذه بين عام 1996 و 2003، حيث تحول إلى أكبر عملية نصب واحتيال على الصعيد الدولي.

 

 انه كتاب لمعرفة تعقيدات واحدة من أكبر مراكز الفساد في العالم الغربي.

 

اشتغل ايريك فراتينى مراسلا مقيما لبعض الإذاعات والجرائد الاسبانية في كل من لبنان والقدس المحتلة. قام بعدة أبحاث وتحقيقات عن أكبر قضايا الإرهاب والاستخبارات ومنظماتها ومؤسساتها، كالمافيا والفاتيكان والاستخبارات الأمريكية والروسية والصهيونية وغيرها. كما كان مديرا وكاتبا لعدة أفلام وثائقية لأهم القنوات التلفزيونية الاسبانية، ومساهم في عدة برامج إذاعية وتلفزيونية. كما ساهم في عدة دورات تدريبية ومحاضرات حول الأمن والاهاب لصالح قوات الأمن والاستخبارات الاسبانية والبريطانية والبرتغالية والأمريكية.

 

 كتابه عن "الأمم المتحدة، تاريخ الفساد" ترجم لعدة لغات ونشر في 47 دولة.

 

 ازداد بليما، عاصمة البيرو، عام 1963، أستاذ باحث للتحقيقات الصحافية بجامعة مدريد وعضو جمعية الصحافة بالعاصمة الاسبانية. يعتبر خبيرا في قضايا الفاتيكان والمصالح الاستخباراتية الدولية.

بقلم: المختار الغربي

14/09/2016