إن أول من تناول دراسة التاريخ من الناحية النظرية هو الفيلسوف وعالم الاجتماع والمؤرخ العربي ابن خلدون، بحيث انتقل بالتاريخ من مرحلة السرد التحليلي لنقل تفاصيل الأحداث التاريخية وسياقها كما فعل تيوسيديد، المؤرخ اليوناني المشهور صاحب كتاب "تاريخ حرب البليبونس"، إلى مرتبة العلمية الفلسفية، عندما فرق بين "علم التاريخ أو فن التاريخ كما يسميه هو، في "ظاهره" وبين "فن التاريخ" في "باطنه". إذ النوع الأول عبارة عن سرد الأحداث، بينما النوع الثاني فرع من فروع الحكمة أو الفلسفة لأنه يبحث في أسباب الأحداث والقوانين التي تتحكم فيها"   

 1.وضعية التاريخ وتاريخ الترجمة

في سنة 1929، بدأ علم التاريخ ينفتح انفتاحا عن مكونات علم الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة. من هنا شقشق صبحه، خاصة، عندما تبنى مجموعة من المؤرخين المختصين نظرية تداخل الحقول la interdisciplinaridad  التي وضعها عالم الاجتماع الأمريكي الأصل لويس ويرث، والتي مكنت من سبر أغوار التاريخ واكتشاف أشياء جديدة كانت مجهولة إلى عهد قريب. 

    وفي سياق التاريخ الجزئي وعلاقته بتاريخ الترجمة، يرى الدكتور مراد زروق، أن هذا الأخير، باعتباره عملية إنقاذ لماضي المترجمين، التحريريين والفوريين، الذين لم يبلغوا المناصب العليا مثل ما وقع مع مجموعة من المترجمين الذين تسلموا مقاليد السلطة عبر بوابة الترجمة، لا تخلو من مشاكل وتحديات من شأنها عرقلة البحث العلمي في هذا الحقل. بعض هذه المشاكل، تتعلق بضعف المعطيات المتعلقة بتاريخ الترجمة. وبعضها الآخر مرتبط بالخلط بين المفاهيم بين ماضي التفكير النظري، والأحداث التاريخية ذات الصلة بالترجمة الكتابية والفورية والمترجمين والتراجمة.  

2.إشكالات منهجية البحث في تاريخ الترجمة            

2.1 ـ تأخر الاهتمام بتاريخ الترجمة

    لم يحظى تاريخ الترجمة بالاهتمام والجدية في البحث الذين حظي بهما علم التاريخ. وعليه، فقد مرتعا لأهواء اللغويين ودارسي الترجمة، إذ أصبح مفهوم التاريخ مجرد عملية مراكمة للمعطيات التي لها صلة بكل من الترجمة التحريرية والفورية، في حين أن دراسة التاريخ أعقد وأعمق من ذلك بكثير ، نظرا إلى أن الترجمة كتابة تتم عن طريق اللغة وتجسد الفكر البشري الذي لا يختلف عقلان عن اختلافه من منطقة إلى أخرى، بل من شخص إلى آخر، بحيث تقول زينب محمود الخضيري، إن "فن التاريخ" في "باطنه"  فرع من فروع الحكمة أو الفلسفة لأنه يبحث في أسباب الأحداث والقوانين التي تتحكم فيها.  وكذلك مفهوم "ترجمة" يحمل بين طياته نظرة الإنسان إلى الواقع والكون والطبيعة والذات والأسباب التي ولدت هذه النظرة.

بهذا الصدد يقول الدكتور مراد زروق:

مع ذلك، لم يمر تاريخ الترجمة من التجارب ذاتها. كما يبدو أن اهتمام دارسي الترجمة المتأخر بتاريخ هذا النشاط لم يتناول بالصرامة العلمية الضرورية لاستكشاف الماضي. الشيء الذي دفع اللغويين ودارسي الترجمة إلى اتخاذ الترجمة هواية واختزال مصطلح "تاريخ" في ماض بسيط مفروش بالورد، وفي تكديس الوقائع المرتبطة بالترجمة التحريرية والترجمة الفورية، بينما التاريخ أعقد مما نتصور. وعند حديثنا عن الترجمة، نشير إلى مفهموم يحيلنا على تصرفات البشر وسردها وسببها وطريقة وقوعها، كما يشير أيضا إلى دراستها، عندما تبلغ قمة التجانس والكمال.       

        نجد أنفسنا بالتالي أمام أحد الإشكالات الكبيرة التي أوردها الدكتور زروق في مقاله، والذي يتمثل في عدم اعتماد الدارسين لتاريخ الترجمة على نظرية تعدد التخصصات interdisciplinaridad كما هو الحال بالنسبة للتاريخ، وعلى منهجيات المؤرخين المتخصصين. بالتالي، تُبخس عملية البحث التاريخي في هذا الحقل المعرفي، وتتحول إلي مجرد عملية إحياء لمعطيات الماضي. 

2.2ـ إشكالية المصطلحات

       يقول الأستاذ ذاته "عندما نتحدث عن تاريخ الترجمة، فإننا نتجاوز عنصرا مهما وهو "تاريخ"، ونتجه مباشرة نحو ما يهمنا "نحن" "ترجمة". (المقال المذكور أعلاه، ص. 3)

       يبدو لنا من خلال ما ذكر، أن العديد من الدارسين يولون أهمية قصوى لمصطلح "ترجمة" أكثر منه لمصطلح "تاريخ"، الشيء الذي يجعل بحوثهم حبلى بمعطيات بعيدة كل البعد التاريخ. 

2.2ـ إشكالية البحث الفوضوي

       يقول الدكتور الدكتور مراد زروق في مقدمة مقاله المعنون نحو تاريخ ترجمة آخر: 

... ما يقلقنا أكثر هو تدريس هذه المادة الفوضوي، وعدم التخصصية، والبحث غير الممنهج، وتوظيف معطيات لم تخضع للتمحيص، وهلم جرا.  

       إذن فقد أكد صاحب المقال أن من بين المشاكل التي تواجه البحث في تاريخ الترجمة، هناك  تدريس هذه المادة في خضم مناخ فوضوي، وخضوعها لمنهجيات تنزع عنها صفة "العلمية"، وذلك يعود إلى أسباب شتى، منها اقتحام مجال البحث من قبل غير المختصين، إضافة إلى الاعتماد على معطيات غير دقيقة. 

       من هنا وجبت ضرورة تصحيح مسار البحوث، بغية الحصول على متون نصية قوية، من شأنها تحسين جودة الدراسات التي تصب في هذا الحقل المعرفي. 

2.3 ـ إشكالية التحقيب

       إن الترجمة كممارسة يومية لها صلة بالواقع المعيش موغلة في القدم، وبالتالي فأي مجهود سيبدل لتحديد تاريخها، سيتحول لا محالة إلى رماد تذروه الرياح. ثم إنه إذا كان مرجحا القيام بذلك عندما يتعلق الأمر بالترجمة التحريرية التي ظهرت بموازات مع ظهور الكتابة، فإن الأمر سيكون عسيرا، بل مستحيلا إذا ما أردنا الإحاطة بتاريخ الترجمة الفورية التي تعود لفترات تاريخية غير محددة. 

       إن التحقيب لتاريخ الترجمة خاضع لأهواء المنظرين أكثر منه للتفسيرات المتعددة التي تقبلها الأحداث المختلفة على مر العصور. في هذا السياق يدرج  د.مراد زروق قول مرغريتا صولتيرو" لقد قسم كل ناقد تاريخ الترجمة إلى مراحل مختلفة معتمدا في ذلك الأهمية التي يوليها لكل حدث تاريخي محدد" . 

       يتفق الدكتور مراد زروق مع مرغريتا صلتيرو في ما ذهبت إليه، فهو يرى أن المترجمين قسموا فعلا تاريخ الترجمة إلى فترات زمنية، وحاولوا أن يبرزوا إلى السطح التفكير النظري الذي اتخذ الترجمات التي ظهرت في الفترة التاريخية نفسها موضوع بحث ودراسة، الشيء الذي يحول تلك الحقبة إذن إلى حجر زاوية تتأسس عليه مرحلة جديدة.

        في اعتقادنا نحن، التاريخ إذن، بما أنه تسلسل أحداث مترابطة، فإن تاريخ الترجمة لن يكون استثناءا، وعليه، فمن غير المنطقي وضع قطيعة إبستيمولوجية سواء بين الترجمات كما  بين التنظير لها، بحيث كما قال إفن زهر في نظريته التي يصطلح عليها "تعدد الأنساق"، يمكن أن يكون نص ما انتقل من الهامش إلى المركز، منطلقا لنصوص أخرى، وذلك عندما يتحول إلى لوحة فنية، أو نص مسرحي، إلخ. بمعنى أن نصوصا جديدة تكون امتداد للنص "الأول" .

2.4ـ إشكالية الخلط بين تاريخ الترجمة وتاريخ نظريات الترجمة

       بالإضافة إلى المشاكل المذكورة، وإتماما لما جاء في الفقرة الموجودة أعلاه مباشرة، هناك، حسب الدكتور مراد زروق، مشكل الخلط بين تاريخ الترجمات التي أنجزت في فترات زمنية مختلفة، من جهة، وبين تاريخ التفكير النظري لتاريخ الترجمة من جهة أخرى. لأن تاريخ نظريات الترجمة حسب ما يراه الأستاذ المذكور، هو "عبارة عن مراكمة الأفكار والنظريات حول مهنة الترجمة عبر التاريخ". في حين أن تاريخ الترجمة "عبارة عن مجموع المعارف ذات الصلة بالترجمة التحريرية والترجمة الفورية، وكذلك بين المترجمين والتراجمة، التي وقعت في الماضي" .              

خاتمة

لقد ناقشنا في مقالنا هذا مجموعة من الإشكالات التي تواجه البحث المنهجي في حقل تاريخ الترجمة، لكن لا يعني هذا أننا أحطنا بالموضوع من جميع جوانبه، إذ لا ولن يمكن ذلك ولو أردنا، فالإشكالات تتعدد نظرا لتعدد جوانب الموضوع. ويبقى مجهودنا المتواضع هذا إسهاما بسيطا ومتواضعا نرجو أن يعود على كل من اطلع عليه بالنفع الكثير، والله المستعان.     

 

 

المراجع المعتمدة

مراجع باللغة الإسبانية

مراد زروق: "نحو تاريخ ترجمة آخر"، ص. 2.

مراد زروق (2006): "التاريخ الجزئي وتاريخ الترجمة"، مجلة سندبار،ص. .3,4,7

مراجع باللغة العربية

زينب الخضيري محمود، (1998): فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، القاهرة 1998، ص. 54.

محمد أرسلان

08/02/2016