بينما كان يخط بيمناه قصيدة سريالية عثر عليها بعد ساعات من التنقيب في أركان خيالاته، رنّ الهاتف فجأة فهزه الرنين كمن سيستيقظ حين ينفخ في الصور. كانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل، تمكن منه الخوف، لدى تردد في الإجابة، ثم حاول تهدئة نفسه، فقال: لعله شيء مستعجل. لكنه يجهل الرقم المتصل، الشيء الذي زاد من توجسه. وهو يفكر، توقف الهاتف عن الرنين، وقبل ان يرده إلى مكانه فوق الطاولة، نشأ يرن من جديد، فضغط على الزر بخوف وحزم مختلطين معا، فأجاب.

كان الصوت صوت ذكر.

السلام عليكم.

اطمأن لهذه الجملة، فقال لنفسه، هذه بداية تبشر بالخير.

أجاب: وعليكم السلام.

قال المتصل، أأنت هو السيد المسعود.

نعم أنا هو، لكن من أ...

قاطعه المتصل قبل أن ينبس ببنت شفة.

لا شك أنك شخص ليلي.

نعم.

تحب الخمر؟

قرأت عنه في الشعر، وعليه قال البحتري:

اسقني الخمر وقل هي الخمر

ولا تسقني السر إذا أمكن الجهر

رد المتصل: لم أطلب منك نظم الشعر.

لكن يا سيدي، إن في الشعر حياة لقساة القلوب، وبه يستيقظ النّوام من سباتهم.

سأل المتصل: هل تميل إلى النساء دون الرجال، في ممارسة الجنس أقصد، تضاجعهن من الدبر وعبر الأثداء.

النساء يا...، ولو أن هذا السؤال شخصي وحميمي، وأظن أن كل الأسئلة التي ستوجهها لي حميمية وتمس بحريتي.

نعم، هي كذلك، فأجبني ولا تقف ما ليس لك به علم.

سيد المسعود، أنت تطمح أن تصبح الحمير أحصنة ذات يوم، وتخرج الكلام من الحناجر المبحوحة من هجر الكلام والصراخ.

نعم يا سيدي. لكن كيف علمت ذلك؟ إنني أحاول تحويل الحمير إلى أحصنة، رغم تيقني بعدم قدرتي على القيام بذلك بمفردي.

لا يهمني ذلك سيد المسعود، ولا تستمر في ما تقوم به. لا تكتب القصيدة. هل أنت متزوج؟

نعم، زوجتي شاعرة، وأنا شاعر وأبنائي شعراء.

سيد المسعود، الشعر لا يكتبه إلا الأموات الذين لا يوقنون بذلك، بحيث يقنعون أنفسهم أنهم الأحياء وحدهم، يحيون في واقعهم الذي يصنعونه لأنفسهم، كالفيلسوف الذي يقبع في برجه العاجي ويشرع في سرد ما يوحي له به ذكاءه الغبي. إلى اللقاء.

ربما يفضلون العزلة عن واقع طغت فيه الرداءة، حيث يستهزأ بالشعر والشعراء. إلى اللقاء، وأرجو أن تطلع على آخر أشعاري التي ستحول الحمير، على الأقل، إلى بغال.

محمد أرسلاين

05/05/2016