الامم المتحدة و تهميش قبائل الصحراء؟

منذ يوم 5 يوليوز 1830 الى يوم 19 مارس 1962 حكم الجزائر اربعة وستون مقيما عاما يمثلون سلطة الاستعمار الفرنسي و هؤلاء المقيمون العامون هم من كانوا يعملون تصاعديا على تحديد المعطيات السوسيولوجية لمنطقة الصحراء المغربية، أما نظراءهم المقيمون العامون الاربعة عشرة الذين توالوا على حكم المملكة المغربية منذ سنة 1912 الى سنة 1956فهؤلاء لم يكونوا يهتمون بتاتا بتحديد المعطيات السوسيولوجية لمنطقة الصحراء، لأنه لم يكن ضمن انشغالاتهم الحربية تحديد المكونات السوسيولوجية لمنطقة الصحراء.

المقيمون العامون الاربعة عشرة الذين عينتهم وزارة الحرب الفرنسية كممثلين لها على المملكة المغربية، لم يكونوا يولوا اي اهتمام لتحديد المعطيات السوسيولوجية لمنطقة الصحراء لأنهم كانوا يتعاملون معها على اساس انها منطقة تقع تحت النفوذ السيادي لملوك المملكة المغربية.

عكس ذلك المقيمون العامون الفرنسيون بالجزائر العاصمة كانوا يهتمون بشكل كبير بالمعطيات السوسيولوجية و الجغرافية البيئية لمنطقة الصحراء المغربية لأنهم كانوا يفكرون دائما في محاصرة النفوذ الاسباني في المنطقة؛ لدرجة أن أحد المؤرخين الفرنسيين الذي هو بول مارتي كتب في كتابه "قبائل موريتانيا العليا" بأن الفرنسيين توفرت لهم سنة 1837كل الشروط الملائمة للقيام بعملية اختراق تجاري للمنطقة عبر العروض التي قدمها لهم أحد أعيان قبائل الصحراء الذي هو السيد بيروك.

هاجس اختراق المنطقة الإسبانية من طرف الفرنسيين المقيمين في الجزائر العاصمة هو الدافع الاساسي للاهتمام بتحديد المعطيات السوسيولوجية لمنطقة الصحراء المغربية؛ و هذه المعطيات السوسيولوجية هي محددة في وثائق مكتوبة محفوظة في الارشيف الكولونيالي الفرنسي و موضوعة رهن اشارة الامم المتحدة و رهن اشارة كل الباحثين الدوليين المهتمين بتدقيق المعطيات السوسيولوجية لمنطقة الصحراء.

هذه المعطيات خصوصا المتعلقة بعدد سكان قبائل الصحراء نجد بأنها غير متقاربة بتاتا مع المعطيات المدونة في احصاءات لوائح السلطات الاسبانية المعتمدة من طرف الامم المتحدة كلوائح لتحديد الصحراويين الذين لديهم الحق في الادلاء بآرائهم حول كل ما يتعلق بالصحراء.

و اذا كانت اللوائح الاسبانية هي غير متقاربة بتاتا مع المعطيات الديمغرافية لساكنة الصحراء عكس ذلك المعطيات الديموغرافية التي حددها المقيمون العامون على الجزائر هي اقرب الى الواقع بما فيها الواقع الحالي لساكنة الصحراء بداخل الاقاليم الصحراوية المسترجعة من الاستعمار الاسباني و ليس بداخل مخيمات تندوف التي يسهر على تسييرها جنرالات الجزائر، لأن هذه المخيمات لم تكن يوما موجودة.

جنرالات الجمهورية الجزائرية بمساعدة قوى كلونيالية عدة قاموا بعملية اسقاط لنسبة النمو الديمغرافي لقبائل الصحراء للفترة الممتدة من سنة 1914 الى سنة 1975 و على اساس هذا الاسقاط قاموا بتهييء ديموغرافية مخيمات تندوف و كأن كل قبائل الصحراء هجرت ابناءها الى هذه المخيمات. احتساب مؤشر اسقاط نسبة النمو الديموغرافي للفترة الممتدة من سنة 1914 الى سنة 1975 و اعتماد هذا الاسقاط كنسبة نمو لتحديد ساكنة مخيمات تندوف هي عملية خبيثة لم تنتبه الى عواقبها القبائل الصحراوية التي اصبحت بسبب هذا الاسقاط الاحصائي غير صحراوية لأن الامم المتحدة و المنتظم الدولي منذ ظهور ما يسمى بجبهة البوليساريو و هم يتعاملون مع القبائل الصحراوية و كأنها غير صحراوية.

جنرالات الجمهورية الجزائرية لما بعد الاستقلال هم من قاموا بدهائهم و خبثهم بتكييف المعطيات السوسيولوجية حينما عملوا على تكييف الواقع الديمغرافي لمنطقة تندوف مع الواقع الديمغرافي لقبائل الصحراء و قاموا في نفس الوقت على الابقاء على الاهداف و الاطماع التي كانت لدى المقيمين العامين للجمهورية الفرنسية حينما كانوا يفكرون في العبور مباشرة من الصحراء الجزائرية الى مياه المحيط الاطلسي التي هي جزء لا يتجزأ من تراب المملكة المغربية التاريخي.

الارشيف الكلونيالي الفرنسي هو غني بالمعطيات الديمغرافية التي تزكي الواقع الديموغرافي الحالي المتعدد و المتنوع لمنطقة الصحراء المغربية المسترجعة و ليس الواقع الديموغرافي الهجين لمنطقة تندوف المصنوعة على مقاس الحسابات الجيوسياسية و الجيواستراتيجية لمراكز قرار كلونيالية لا زالت تحافظ على نفس الخطاطات و نفس التصاميم.

ارشيف "اللجنة الافريقية الفرنسية" التي كان يترأس هيأتها المقيم العام السابق على السلطات الجزائرية الجنرال شارل جونارت و الذي يوجد مقر هذا الارشيف بالمقاطعة السادسة لباريس يتوفر على معطيات سوسيولوجية و ديموغرافية غنية يمكن الاطلاع عليها من اجل الاستئناس لفهم طبيعة التعدد و التنوع الديمغرافي الحالي لقبائل الصحراء، عكس اللوائح الاسبانية الادارية التي لم تحترم لا علم التاريخ و لا قيم و مبادئ علم السوسيولوجية و علوم اخرى.

ارشيف هذه "اللجنة الافريقية الفرنسية" التي كان يرأس مجلسها العلمي المقيم العام الفرنسي على الجزائر الجنرال شارل جونارت يوجد ضمنه كتاب بول مارتي حول قبائل الصحراء. هذا الكتاب تمت عملية التمحيص في معطياته العلمية يوم 31 ماي 1914 و تم نشره سنة 1915، و هذه الفترة هي الفترة التي تؤرخ للمعطيات السوسيولوجية الحقيقية لأهم التكتلات القبلية لمنطقة الصحراء المغربية قبل تغلغل الاستعمار الفرنسي بداخل المملكة المغربية و قبل حتى صياغة اللوائح الاسبانية الانتقائية.

عنوان الكتاب باللغة الفرنسية هو "قبائل موريتانيا العليا" و يعني بهذه القبائل، قبائل اولاد دليم، قبائل الركيبات و قبائل التكنة. و رغم ان المعطيات الديمغرافية المحددة في الكتاب هي معطيات تعود الى ما قبل سنة 1914، إلا أن هذه المعطيات الديموغرافية تبدوا على انها اقرب الى الحقيقة مع الواقع الحالي لقبائل الصحراء بداخل المناطق الجنوبية المسترجعة، و هي بعيدة كل البعد عن المعطيات الديموغرافية التي تم اعتمادها من طرف الاستعمار الاسباني. لكن السؤال المحير هو لماذا الدولة الفرنسية التي هي عضو دائم في هيئة مجلس الامن و تتمتع بحق الفيتو و لديها ارشيف كلونيالي يحتوي عل كل المعطيات العلمية الدقيقة تسكت عن كل هذه الحقائق؟

على سبيل المثال الاحصاءات المقدمة التي تخص فخذة لوديكات من قبيلة اولاد دليم فهذه الفخذة كانت تتوفر لوحدها قبل سنة 1914 على 165 خيمة، أي مسكن، و نفس الشيء بالنسبة لفخذة خليكة التي كانت تتوفر على 125 خيمة. المعدل الديموغرافي لكل خيمة هو خمسة افراد على الاقل.

قبيلة اولاد ادليم كان يتجاوز عدد خيمها قبل سنة 1914 ما مجموعه 1120 خيمة أي حوالي ثمانية ألاف نسمة، فاين تبخرت كل هذه الديموغرافية في احصاءات القوائم الاسبانية؟ ان ما بني على باطل يجب ان يكون باطلا.

نفس الشيء بالنسبة لقبيلة الركيبات، فاذا كان عدد خيم اولاد دليم تتجاوز سنة 1914 ما مجموعه 1120 خيمة اي حوالي ثمانية ألاف نسمة فان قبيلة الركيبات كانت تمثل انذاك اربعة اضعاف قبيلة اولاد دليم اي تتوفر على اكثر من 4100 خيمة أي حوالي اثنان و ثلاثون الف نسمة. فأين تبخرت كل هذه الديموغرافية في اللوائح الاسبانية؟

ليست الجمهورية الفرنسية وحدها من يسكت عن اباطيل اللوائح الاسبانية المزيفة، بل حتى بعض المعاهد الاوروبية الممولة من طرف الجمهورية الجزائرية تعتبر محمد عبد العزيز رئيسا على كل القبائل الصحراوية و تضغط على مؤسسات الاتحاد الاوروبي الرسمية لكي تقوم بتهميش القبائل الصحراوية و تعويضها بدياسبورا الصحراء الكبرى التي تم تجميعها من طرف جنرالات الجزائر بداخل مخيمات تندوف.

التزييف الديمغرافي الذي مس قبائل الصحراء المغربية من طرف السلطات الاسبانية مس جميع القبائل الصحراوية بدون استثناء و هذه اللوائح هي التي تم اعتمادها من طرف الامم المتحدة كمحدد اساسي لتحديد ديموغرافية اهل الصحراء.

قبيلة الركيبات قبل سنة 1914 كانت تتوفر على 4100 خيمة و تشكل اربعة اضعاف ديموغرافية قبيلة اولاد دليم أما تجمع قبائل التكنة فكان يتوفر على عدد من الخيم اكبر بكثير من خيم قبائل الركيبات فعلى سبيل المثال لا الحصر، قبيلة ايت لحسن لوحدها كانت تتوفر على ما مجموعه 870 خيمة، و قبيلة ازركيين تتوفرعلى ما مجموعه 350 خيمة، و ايت موسى اوعلى 450 خيمة، و قبيلة ازوافيط 560 خيمة، و ايت مسعود 300 خيمة، و ايت اوسى 1200 خيمة و ايت ابراهيم اوعلى 300 خيمة

و ايت بوعشرة 70 خيمة و ايت حماد 200 خيمة و ايت ياسين 140 خيمة.

هذه الديموغرافية الصحراوية الحقيقية لما قبل سنة 1914 هي غير موجودة في اللوائح الاسبانية التي اعتمدتها الامم المتحدة لتحديد هوية الصحراويين و لكنها موجودة حاليا على ارض الصحراء تدير الجماعات المحلية و تدير المنتديات السياسية و الفكرية المدنية. فهلا قامت الامم المتحدة بالتفاوض مع هؤلاء؟

26/02/2015