البوليساريون.. “الجهاديون الجدد”

ساهم الصعود الجهادي الذي يجتاح المنطقتين العربية والإسلامية -ما يمكن تسميته بـ”الربيع الجهادي” خاصة في المشرق العربي- والذي صاحب صعود نجم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، بقدر كبير في التأثير على قطاعات كبيرة من جيل الشباب المنتمين إلى جبهة “البوليساريو” الانفصالية، على الرغم من تباين الرؤى الأيديولوجية والعقدية بينهما، خاصة وأن الأسس المنهجية والأيديولوجية للبوليساريو منذ انطلاقتها كانت ولازالت شيوعية ماركسية، ما يعني أنها تخالف جملة وتفصيلًا الرؤية الإسلامية المتشددة لتنظيم القاعدة ومن بعده داعش.. وغيرها من التيارات الإسلامية الجهادية خاصة في المغرب العربي مثل تنظيمي “القاعدة في بلاد المغرب العربي” و”التوحيد والجهاد” الجهاديين.

ما يستدعى المزيد من التأمل حول هذه القضية الشائكة وتداعيات “الصعود الجهادي”.. على جبهة “البوليساريو” وتأثير ذلك على منطقة المغرب العربي ككل، والتي تضم الجزائر والمغرب وموريتانيا.. وما يعقبها من تحولات في المستقبل القريب.
تأسست جبهة بوليساريو أو “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” بعد انعقاد مؤتمرها التأسيسي في 20 مايو / أيار 1973 ساعية إلى إقامة دولة مستقلة في إقليم الصحراء الغربية، ومارست العمل العسكري المقاوم ضد الاستعمار الأسباني في منتصف العقد السابع من القرن الفائت، وساهم المدد العسكري من قبل الجزائر وليبيا في لعب البوليساريو دورًا هامًا في صمودها أمام أسبانيا في ذلك الوقت.
تولى مصطفى السيد الرقيبي زعامة البوليساريو على مدار ثلاث سنوات متوالية منذ انطلاقها حتى مقتله في يونيو 1976 أثناء هجوم على العاصمة الموريتانية نواكشوط، ثم جاء محمد عبد العزيز خلفًا له كأمين عام للجبهة ورئيس لمجلس قيادة الثورة، منذ ذاك التاريخ وحتى يومنا هذا، ولعل بقاء عبدالعزيز في السلطة وتمترسه بها أحد أهم الأسباب التي ساهمت في التحولات الجيلية التي شهدتها مخيمات اللاجئين في “تندوف” مؤخرًا واتسعت رقعتها لتشمل أماكن أخرى في الصحراء.

تمثل فترة السبعينيات -بحق- أخصب الفترات التي ساهمت بقدر كبير في وضع البوليساريو على صدارة المشهد السياسي العالمي، بعد أن أضحت قوة حقيقية لا يستهان بها على الأرض سياسيًا وعسكريًا، جنت أولى ثماره من الجانب الموريتاني المرتبك آنذاك، بعد حدوث انقلاب عسكري على الرئيس “ولد داداه” في 1979 من قِبل الجيش، تم بموجبه الاتفاق بين الجانبين الموريتاني والبوليساري وبرعاية جزائرية، على أن تتخلى الأولى عن الإقليم الصحراوي “وادي الذهب” الذي كان تحت حوزتها، رغبة في إنهاء المعارك الطاحنة بين الجانبين، ودليلًا دامغًا على قوة ونفوذ الحركة آنذاك وتوسعها في المناطق الصحراوية.

فيما لعبت الجزائر دورًا هامًا في السعي نحو الاعتراف الأممي بالبوليساريو وهو الأمر الذي نجحت فيه الدبلوماسية الجزائرية بشكل كبير، إلى أن اعترفت منظمة الوحدة الأفريقية بـ”البوليساريو” وبحكومتها حينئذ، وعلى إثرها اضطرت المملكة المغربية إلى الخروج من هذه المنظمة في نوفمبر 1982 لعدم قبولها بذلك.

إلا أن الرياح أتت مع البوليساريو بما لا تشتهيه، فالأحداث الدامية بين الإسلاميين والسلطة بالجزائر أو ما يسمى بالعشرية السوداء وانشغالها بالاضطرابات الداخلية من جهة، وتخلي ليبيا عن دعم البوليساريو في منذ 1984 من جهة أخرى، ساهما بقدر كبير في ضعف جبهة الوليساريو وارتدادها عن نجاحاتها السياسية والعسكرية التي أنجزتهما بفضل الحليفين الجزائري والليبي.
بيد أنه ومنذ انطلاقة البوليساريو في سبعينيات القرن الماضي وهي تمثل مصدر قلق للدولة المغربية، فيما ظل السجال المتقطع بينهما محور اهتمام منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة اللتين -حتى اللحظة- لم يستطيعا أن يقدما حلًا ناجزًا لهذه القضية التي عمقت حالة “الاغتراب” الأمازيغية في المجتمع المغربي من جهة، وساهمت في تأخر الارتقاء والنهوض بالمنطقة الصحراوية بالشكل الذي يليق حتى اللحظة، ما ساهم بقدر كبير في تدهور الحالتين السياسية والمجتمعية هناك.. وأضحى الشعب الصحراوي تائهًا بين الجانبين لا يجد له مخرجًا من هذا المشهد المتعسر.

ثم جاء الربيع العربي ومن ثم تعثره وتداعياته التي مثلته بقوة صعود الحالة الجهادية وارتفاع أسهم الأيديولوجية الدينية المتشددة، لتتقاطع “البوليساريو” مع هذا الصعود من زاويتين رئيسيتين.

الزاوية الأولى:
ساهم صعود الخطاب الديني والأيديولوجية الدينية القائمة على استنفار الحالة الجهادية بالتوازي مع نجاح وقع خطوات الدولة الإسلامية في العراق والشام – ومن ثم مبايعة التوحيد والجهاد للخليفة البغدادي، وقدرة التنظيم الكبيرة على شغل مساحة كبيرة بين العراق والشام – في خلق طقس من الإعجاب والانبهار بين الشباب داخل مخيمات البوليساريو، بالتوازي مع وجود حالة من السخط والتذمر من قبل هذه الأجيال الشابة صوب حالة العلمانية المتطرفة التي تمارسها قيادات البوليساريو العتيقة، داخل المخيمات والتي لم تعد تلقى قبولًا في أوساط هم، في ظل رغبة جامحة لديهم في أن يكون للدين مساحة أكبر ومنهجية أوسع داخل أطر حياتهم اليومية واستنهاض حميتهم أيضًا تجاه خصومهم.. ما مثل مصدر قلق كبير في الآونة الأخيرة تحاول قيادات البوليساريو عدم إظهاره.

الأمر الذي يؤكده بعض الخبراء والمحللين في الشأن الصحراوي إلى أن ثمة تحولات تشهدها مخيمات اللاجئين وصفت بـ” بوادر صحوة اسلامية” لازالت في إطار النضوج والاستواء تحمل بين جنباتها مشروعًا سياسيًا قويًا يعتمد بالأساس على نقد ممارسات بعض قيادات البوليساريو التي تتأرجح بين ما وصفوه بـ”الفساد، العمالة وتضييع ثوابت القضية”، فضلا عن إضعاف الجيش الصحراوي وتبعات ذلك على المشهد ككل.

ما يعني ذلك أن ثمة تغيير جوهري لم تحسبه أو تضعه قيادات البوليساريو في حسبانها، ينطلق من البعد الجيلي في الداخل، ما يمثل إلى حد كبير “انبعاث إسلامي”.. يشبه بشكل أو بآخر تطورات القضية الفلسطينية وحجم تفاعل القوى المقاومة داخلها -على الرغم من اختلاف الهدف والممارسة وشرعية المقاومة بين النموذجين- عبر تحولات المقاومة للمحتل الإسرائيلي في منهجيتها وأيديولوجيتها من “اليسارية” إلى بروز “الإسلامية” الجهادية، تجسدتا في حركتي فتح اليسارية وحماس الإسلامية وهو ما يعطي حجم التحولات التي من المتوقع أن تشهدها البوليساريو بعدًا هامًا لا يمكن القفز عليه في حال التحول المنتظر من الأيديولوجية الشيوعية الماركسية إلى أكثر مناحي الإسلام تشددًا.. الأيديولوجية الجهادية بفهمها الحالي ما بين القاعدة والدواعش.

في موازاة ذلك ومايؤكد هذا التحليل , انتقد حماتي البيهي، القيادي السابق في البوليساريو في تصريحات خاصة لشبكة هسبريس الإعلامية الوضع في المخيمات الصحراوية، موضحًا بأن المخيمات تشهد غليانًا كبيرًا لا تستطيع تتعامل معه قوات البولسياريو بنوع من الحكمة، بل بشكل همجي وتعيش المخيمات مما سماه حصارًا أمنيًا، ترتب عليه موجة من الانتفاضات الجديدة وغير المسبوقة طيلة أربعين سنة، توازيه حالة من “الغليان الشبابي” الرافض للوضع داخل المخيمات.

الأمر الذي تعززه جريدة “دايلي بوست DAILY POST” الأمريكية في تحقيقها الاستقصائي الذي كشفت عنه مؤخرًا من اعتناق بعض شباب جبهة البوليساريو إيديولوجية دينية أسمتها بالمتطرفة وتخلي البعض عن أفكار الثوريين مثل “تشي غيفارا” و”جمال عبد الناصر”، أرجعتها الصحيفة إلى تراجع الفكر اليساري في المخيمات، ومشيرة في الوقت ذاته إلى تقرير الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” الذي قدمه إلى مجلس الأمن في أبريل 2013م، مؤكدًا على حجم هذا التحول الأيديولوجي نحو الإسلاموية.

الزاوية الثانية:
تمثلت بدقة في التقاء بعض أهداف البوليساريو مع أهداف التنظيمات الجهادية خاصة في منطقة المغرب العربي وتحديدًا جماعتي “تنظيم القاعدة في المغرب العربي” و”التوحيد والجهاد” اللتين تسعيان إلى تغيير السلطة في منطقة المغرب العربي ودوله، بهدف إقامة ولايات إسلامية تابعة لدولة الخلافة الراشدة المتنازع عليها بين “داعش” و”القاعدة”، من خلال العمل المسلح والأيديولوجية الجهادية، كما تعرفها أدبياتهم.
في المقابل تسعى البوليساريو إلى مجابهة الدولة المغربية والسلطة هناك من أجل تحقيق الاستقلال لكونها ترى أن المملكة المغربية تقف حجر عثرة أمامها، فضلًا عن كونها دولة محتلة لأراضيها.. مما يوحد هدفي الجهاديين والبوليساريو.. ويرميا بسهامهما صوب أهدافهما المشتركة، خاصة وأن البوليساريو أصبحت في عوز شديد للدعم المالي الذي يأتي عوضًا عن تقلص الدعم المالي الذي كان يأتي لها من مناطق ودول مختلفة خاصة وأن علاقاتها بالغرب تشهد تعثرًا كبيرًا في الوقت الحاضر بعد جهود الدبلوماسية المغربية دفعت نحو ذلك.
ولعلنا يمكننا أن نؤرخ لبدايات التقارب بين الجانبين الجماعات الجهادية والبوليساري في مساعدة الأخيرة، الأولى في عمليات اختطاف رعايا غربيين بمنطقة الساحل والصحراء، وهم وحدهم العارفين بدروب الصحراء المتعرجة والوعرة.

في موازاة ذلك وعلى الجانب العسكري وحجم التنسيق، كشفت صحيفة “لانديبوندون” المالية اليومية، أنها قد توصلت إلى أن القناصة المسئولين عن وفاة أحد قيادات الجيش المالي خلال مواجهات وقعت في شهر مايو الفائت في منطقة تقع شمال مالي تدعى “كيدال”.. كانوا تابعين إلى جبهة “البوليساريو”.. يقدر عددهم بـ100 مقاتل تمركزوا قرب الحدود الجزائرية مع مالي.

فيما تذكر الجريدة أن مقاتلي البوليساريو كان يدعمهم جهاديون مقربون من القيادي الجهادي الجزائري الأصل “بلمختار” وأنهم كانوا يدًا ضاربة مع البوليساريو لتحقيق أهدافهم في تصفية قادة القوات الماليين المستهدفين على رأسهم الكولونيل “فيصل”، وهو أحد ملازمي الجنرال (المالي) ألادجي غامو.. والعهدة على الصحيفة فيما ذهبت إليه.

ويذكر أن تنظيم ”القاعدة في بلاد المغرب العربي” في الساحل الصحراوي تمكن من الاستيلاء على مدينة تمبكتو شمال مالي، ورفعوا فيها الأعلام السوداء ونجح الإسلاميون المسلحون في بسط سيطرتهم على المدينة، ما استدعى استنفار القوات الفرنسية التي جاءت على الفور إلى مالي، ونجحت بمساعدة القوات المالية في استعادة السيطرة على مدينة تمبكتو من سيطرة الجهاديين.

موجز القول: إننا إزاء تحولات حقيقية تشهدها جبهة الوليساريو، يلعب البعد الجيلي داخلها عاملًا هامًا ومحورًا جديرًا بالوقوف عليه في هذا التحول، قد لا يطال هذا التحول القيادات التاريخية والعتيقة داخل الجبهة، إلا أن ما يمكن قوله أن صعود الحالة الجهادية بقوة في منطقة المغرب العربي واحتلال الجماعات الجهادية نقاطًا حدودية هامة ونجاح مراوغاتها العسكرية معها فضلا عن تهديدها القائم حتى اللحظة، بالتوازي مع حالة العوز الديني التي تعيشها الأجيال البوليسارية الشابة داخل المخيمات، من جهة أخرى . وما يغلفانها من إطار كبير من غياب القضية والهدف والمشروع.. ربما يدفعنا نحو التكهن إلى القول بأننا سنرى في المستقبل القريب ما يمكن تسميته بـ”البوليساريين الجهاديين” نسخة مغايرة للأخرى العلمانية.
مصطفى زهران

08/12/2014