"إن كان أحسن الشعر أكذبه، فإن أحسن السرد أفضحه" ... الناقد السعودي عبد الله الغذامي

 

لم يجانب الصواب روبرت مونطاني رائد الدراسات الكولونيالية في شمال أفريقيا عندما وصف منطقة الصحراء بمنطقة الموت Zone de mort وهو يتحدث عن أهمية الاستقرار وحفظ الأمن بالمنطقة. فأهمية الأمن اليوم، لدى المغاربة إزاء قضية الصحراء، باتت على درجة كبرى من الأهمية بالنظر إلى المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية للمغرب.

ومن أجل ذلك قاتل مقاومون من أمثال المقاوم محمد بصيري زعيم انتفاضة "الزملة" بالعيون عام 1970 الذي مات في ظروف غامضة، كما دافع جنود مغاربة عن استكمال الوحدة الترابية للمغرب، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من عاش في سجون البوليساريو وكُتبت له الحياة ليسرد ما قاساه من مأساة، ويقص لسامعيه وقارئيه عن واقع ومآل مجموعة من المغاربة المحتجزين في مخيمات تندوف الذين بدؤوا يتمردون على قيادة البوليساريو التي أخلفت ما وعدتهم به.

حمادة تندوف.. القنبلة الموقوتة

في ذات السياق، صدر مؤخرا كتاب بعنوان "حمادة تيندوف، القنبلة الموقوتة "لمؤلفه الدكتور سعيد عمري، وهو أستاذ في مركز تكوين الأساتذة بمدينة مكناس، يتحدث عن تجربة أسير حرب سابق في سجون حمادة تيندوف اسمه موحى خرو.

الأسير موحى خرو، وهو من مواليد البرج الجديد تاديغوست بكلميمة، ويقطن حاليا بمدينة الريش، لا يزال يمتلك ذاكرة وقادة رغم ما عاناه، قاتل في الصحراء وقاوم طيلة ربع قرن في حاويات حديدية وحفر تحت الأرض وقام بأعمال شاقة وسط المخيمات... وبالرغم من ذلك حارب الأمية بعصامية نادرة واكتسب ثقافة واسعة بطرقه الخاصة مكنته من الربط الدقيق بين الوقائع والغوص في تفاصيلها والإلمام بخفايا الحرب والنزاع في الصحراء.

وتضمنت تجربته، كما جاء في مؤلف الدكتور سعيد عمري، وصف معركة البيرات التي أسر فيها وعدة معارك أخرى في الصحراء وحقيقة النزاع فيها ثم طرق تعامل العسكر الجزائري معهم وهم – أي الذين أسروا في معركة البيرات- في طريقهم إلى تيندوف، ثم كيف كانت أولى أيام هذا الأسير بالسجن .

كما تضمنت قصص عن واقع الأسير في السجن والأعمال الشاقة التي يقوم بها ووقع الأحداث التي كانت تقع بالمغرب على المخيمات مثل موت الحسن الثاني، وكذا حقيقة المتاجرة بالمساعدات الدولية وزيارة جمعية ليبرتي للأسرى، ناهيك حديثه عن مختلف عمليات التعذيب التي تعرض لها الأسرى وحتى أهالي من المخيمات بسبب رفضهم لأطروحة البوليزاريو ومشاريع تجارية لمسؤولين بالبوليزاريو بصحراء حمادة تيندوف خاصة بعد وقف إطلاق النار سنة 1991 ، حيث ترك انعدام الحرب فراغا نفسيا لدى مسؤولي ومقاتلي البوليزاريو فكان يسمح لهم بإقامة بعض المشاريع التجارية بتمويل من عائدات المساعدات الإنسانية.

رياح الربيع تهب على تندوف

مؤلف الكتاب، لم يوقف عند سرد موحى خرو للأحداث في سجون المخيمات، بل إنه وضع تجربة هذا المقاوم المغربي السياق الذي نشأ فيه مشكل الصحراء وتطور منذ أواسط الخمسينيات من القرن العشرين وصولا إلى بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، حيث عرج على ظهور جيش التحرير المغربي بالجنوب وميلاد حركة تحريرية في الصحراء ضد الاسبان، ثم فيما بعد جبهة البوليزاريو التي أخذت على عاتقها قتال موريتانيا ثم المغرب بعدها من أجل استقلال الصحراء متأثرة بالإديولوجيا الشيوعية التي انتشرت في بلدان العالم الثالث والتي كانت آنذاك في الجنوب المغربي وسيلة لخلق بؤرة ثورية راديكالية ضدا على النظام السياسي المغربي الموالي للمعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا بالإضافة إلى حدث المسيرة الخضراء التي قلبت موازين القوة على الأرض إلى أن شكل استكمال الجدار الرملي سدا منيعا في وجه هجمات مقاتلي البوليزاريو. وبانهيار المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي ووقوع أحداث 1988 بالجزائر وإحراق مكتب البوليزاريو بالعاصمة الجزائرية علاوة على انتفاضة سكان المخيمات أصبحت البوليزاريو طرفا ضعيفا أكثر من أي وقت مضى فقبلت بوقف إطلاق النار والتفاوض إلى أن اندلعت ثورات شمال إفريقيا فتأثر شباب المخيمات بالربيع الديموقراطي في بلدان هذه المنطقة.

بوليساريو في طبعة مغربية منقحة

مؤلف الكتاب وضع سيناريوهات بخصوص مستقبل المنطقة تتعلق بأسطورة البوليزاريو الجزائرية ومآل استمرارها ومستقبل ملف الصحراء الذي لن يكون إلا في صالح المغرب مع تواصل تكثيف الجهود الديبلوماسية والجمعوية والمقاربات الثقافية بموازاة مع الاستعداد الدائم للحرب والمواجهة.

كما دافع الكاتب عن أطروحة الحاجة إلى بوليزاريو مغربية، أي الحاجة إلى إنزال هذه الأطروحة إلى أرض الواقع بالتواصل الدائم مع قيادات من البوليزاريو التي عادت إلى أرض الوطن وتشجيع شخصيات أخرى لها ثقلها الكاريزمي في المنطقة من أجل تهييئها لتولي قيادة تسيير الشؤون المحلية في الأقاليم الجنوبية، وقد تستقطب هذه الطريقة، برأي مؤلف الكتاب، قيادات أخرى من تيندوف، والأفق، حسب رأيه، هو "الاستعداد لتنزيل الحكم الذاتي على ارض الواقع سواء في إطار حل أممي قد يظهر في الأفق أو في إطار المبادرة بهذا التنزيل تدريجيا حتى يصبح مع الوقت أمرا طبيعيا خاصة إذا تحققت نهاية أسطورة الانفصال بفرار المحتجزين أو تغيير النظام السياسي المترنح أصلا في الجزائر".

كما اعتبر الكاتب أن تمدد الجماعات الجهادية المتطرفة في منطقة الساحل والصحراء مثلما يتبين في صورة غلاف الكتاب، سيجعل المنطقة مأوى للجهاديين لشساعتها وجغرافيتها بالإضافة إلى الزلزال الذي أحدثه الربيع الديموقراطي في شمال إفريقيا والذي لن تنتهي تداعياته في المستقبل القريب لأنه فسح المجال لكل المكونات التي عانت من التضييق لتفجر ما بدواخلها. وغالبا ما تكون بداية الانفجار صعبة إذ لن تهدأ إلا بعد تطاحن وصراع ثم يجلس الكل إلى الطاولة بنضج كبير.

ولما كانت إيديولوجيا الجهاديين عالمية فقد تأتي على الأخضر واليابس في منطقة الساحل والصحراء خاصة إذا كانت الدول هشة وغير متمكنة أمنيا وعسكريا ومخابراتيا. وحمادة تيندوف بواقعها البئيس وتصدع النظام السياسي في الجزائر وعدم استقرا ر شمال مالي والأوضاع في ليبيا وتونس كلها معطيات قد تكون وقودا للجماعات الجهادية لكي تتمدد.

فضلا عن ذلك اقترح المؤلف أهمية نهج مقاربة ثقافية قائمة على استثمار المعطى الثقافي الأمازيغي في المناطق الجنوبية وذلك قصد المساهمة في تحصينها من شر النزعة الانفصالية المتطرفة للبوليزاريو والنزعة الجهادية التي قد تمتد إليها أو تنمو فيها، على اعتبار أن "المناطق الجنوبية بها عربا وأمازيغا كلهم مغاربة حقيقة لكن من شأن استثمار الثقافة الأمازيغية في المنطقة أن تجعل المنتسبين إليها من سكان تلك المناطق يشعرون أنهم في وطن يعترف قولا وفعلا بجانب من ماضيهم وتراث أجدادهم وبالتالي يجعلهم أكثر تشبثا ببلدهم وأكثر دفاعا عنه في وجه قيادة البوليزاريو التي لا تعير لهذا الجانب أدنى اهتمام سواء في المخيمات أو في برنامجها السياسي والإيديولوجي.

ومما يزكي هذا الطرح أكثر في الكتاب شهادة موحى خرو عن وجود قبائل أيت عطا وأيت يوسي وأيت لحسن وإزرقين بتيندوف وبالمخيمات وهم موجودون أيضا بالمناطق الجنوبية".

الكتاب كذلك تضمن حوارا بين المؤلف وناشط صحراوي من الأقاليم الجنوبية وهو من دعاة الانفصال ،وقد دار الحوار حول مستقبل المنطقة وموقعها الاستراتيجي والطبيعي وعلاقة البوليزاريو بالجزائر وبانفصاليي الداخل. وقد دافع هذا الناشط عن موقفه الذي ينطوي في الوقت نفسه دون شعور منه على كون تهميش المنطقة هو أحد أهم أسباب استمرار تشبث الانفصاليين بالاستقلال.

صرخة في وجه المنتظم الدولي والمنظمات الحقوقية

واعتبر سعيد عمري،في اتصال مع هسبريس، أن الكتاب صرخة في وجه المنتظم الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية بسبب معاناة أسرى الحرب المغاربة سابقا في سجون حمادة تيندوف وحتى في بعض سجون الجزائر مثل سجن المدية وبوغار، حيث قتل بعض الأسرى رميا بالرصاص وأخصي بعضهم بالكي ومثل بجثث بعضهم وفقد بعضهم. وهي جرائم تقتضي فتح تحقيق دولي.

كما أن الكتاب أيضا، حسب تصريح كاتبه لهسبريس، نداء لإعادة الاعتبار للأسرى المفرج عنهم في المغرب باستكمال جبر ضررهم خاصة وأن معظمهم بشهادة موحى خرو يعانون من أمراض مزمنة ونفسية مثل الاكتئاب الحاد الذي تسبب لأحدهم في الموت وللآخر في الجنون. كما أنهم ضحوا لسنوات طوال وصلت إلى ربع قرن ، وهم يعانون من الموت البطيء وبالتالي يجب احتساب هذه السنوات ضمن جبر الضرر اعتمادا على الترقيات التي كان من المنتظر أن يستفيدوا منها لو لم يقعوا في الأسر. الكتاب نداء أيضا لوضع نصب تذكاري لهؤلاء.

وأشار الباحث إلى أن هذا الكتاب يُعد مساهمة في المزيد من تسليط الضوء على واقع منطقة الصحراء و حقيقة البوليزاريو ومطامعها هي وصنيعتها الجزائر. كما أنه مساهمة، أيضا، من المؤلف ومعه موحى خرو في الدفاع عن مغربية الصحراء مقابل زيف أطروحة الانفصال التي ذهبت البواعث الإديولوجية التي أدت إلى ظهورها أدراج الرياح إلى الأبد ما لم تنقلب هذه الأطروحة إلى أطروحة أخرى جهادية هذه المرة إذا لم تتم إقامة حكم ذاتي في المنطقة يقيها من شر بقايا النزعة الانفصالية وشر النزعة الجهادية التي تنمو في الساحل والصحراء سنة بعد أخرى والتي قد تجد في المنطقة حمادة تيندوف او المناطق الجنوبية تربة خصبة لها لكي تنتعش وتتمدد.

 

 

12/11/2014