الجزائر شوهت تاريخ المنطقة المغاربية

عمد بعض مؤرخي الجزائر إلى إعادة كتابة تاريخ المنطقة لتصنع من الدولة الجزائرية قوة وإمبراطورية عظمى في الماضي بشكل تعسفي وكاريكاتوري، وتحجيم دور الدولة المغربية في ذلك التاريخ كجبهة أخرى من جبهات الصراع.

فبعد حرب الحدود سنة 1963 بدأت الدولة الجزائرية في مصادرة حقائق التاريخ لصناعة "إمبراطورية" جزائرية في الماضي في مواجهة المغرب، فكتب الجزائريون عن هذه المرحلة الكثير من التضخيم لدور الجزائر في المنطقة المغاربية، ففي كتاب "الأمير عبد القادر رائد الكفاح الجزائري لـ د.يحيى بوعزيز في مقدمة طبعته الثانية ] يقول : "وفي العهد الإسلامي أصبحت الجزائر مركز الثقل للحكم الإسلامي في الشمال الأفريقي بلادنا، ومن قرية "ايكجال البابو" انطلقت لتمد سيطرتها على المغرب الأقصى، فتونس ثم مصر والحجاز ....وكانت هذه التجربة أمثولة حسنة للمرابطين ومن بعدهم الموحدين الذين حققوا وحدة الشمال الأفريقي مع أقاليم الصحراء الكبرى ... "

يشير الكاتب الجزائري، وربما بشكل غير مباشر، إلى أن الجزائر كان لها الفضل في قيام دولة المرابطين والموحدين، ولكن توفيق المدني، ويقول عنه الجزائريون إنه عمدة المؤرخين، يقول عن عبد المومن الموحدي ما يلي : "بويع البطل الأكبر والإداري الحكيم عبد المومن بن علي الكومي، خليفة المهدي بن تومرت الذي أسس في السوس الأقصى دولة الموحدين، وكان عبد المومن جزائريا من مدينة "ند رومة" تولى عن استعداد سنة 524 أمر الدولة الفتية، وقادها بقوة الإيمان ومتانة العزيمة، إلى النصر والفلاح فحطمت دولة المرابطين تحطيما"

أصبح المغرب الذي تأسست فيه دولة الموحدين مجرد "سوس أقصى" وعبد المومن جزائري قبل تسمية المغرب الأوسط بالجزائر، وهذا ما يؤكده صلاح العقاد في كتابه : "المغرب العربي دراسة في تاريخه الحديث وأوضاعه المعاصرة" : "فعندما احتلت الجزائر من قبل الدولة العثمانية في سنة 1518 واستيلاء خير الدين على البنييون بعد بداية تأسيس ما عرف بنيابة الجزائر فمنذ ذلك التاريخ تحول ميناء الجزائر إلى عاصمة على إقليم المغرب الأوسط منذ ذلك الوقت فقط".

وأكثر من ذلك يتساءل عبدالله العروي عن تجربة عبدالقادر الجزائري هل "تشير بالفعل إلى الوعي بوجود قومية جزائرية متميزة، علما بأن الاتفاقيات التي أمضاه عبدالقادر مع قواد الجيش الفرنسي لا تتكلم إلا على "العرب" مقابل "الفرنسوية" وأنه بايع أولا سلطان المغرب ثم لجأ الى حماية السلطان العثماني ؟". هذه المواقف للقائد الجزائري اتخذت في منتصف القرن التاسع عشر فكيف يستقيم الحديث عن دولة جزائرية في بداية القرن الثاني عشر الميلادي والتي احتلت سوس الاقصى أي "المغرب" والدولة الفاطمية التي تأسست في تونس أصبحت جزائرية ووحدت شمال أفريقيا الإسلامي .

يكتب المفكر الجزائري محمد حربي (ماركسي) عن تاريخ الجزائر بوقائع أقرب إلى ما أكده صلاح العقاد. ففي كتابه " الثورة الجزائرية: سنوات المخاض" وفي نقطة تحت عنوان :"نهضة بلد عريق" أشار إلى أن الدراسات حول الجزائر اتسمت "في أغلب الأحيان بالتشويه والتحريف. وقد نتج عن ذلك شعور بالاستياء والحقد لدى الجزائريين، شكل بدوره عقبة أمام دراسة المراحل التي تمخضت عنها القومية الجزائرية... فالمغرب الأوسط الذي تكونت منه الجزائر تغيرت ملامحه وحدوده على مر العصور ..." ثم يؤكد أن بلاد المغرب الأوسط قبل دخول العثمانيين "لم يكن أحد يتوقع ظهور أمة موحدة في هذه الرقعة التي كانت تتقاسمها دويلات صغيرة متزاحمة وعاجزة أمام تحرشات إسبانيا المسيحية المسيطرة آنذاك على وهران ونواحيها. فرسم حدود الجزائر يرجع الفضل فيه أولا إلى العثمانيين، ثم جاءت فرنسا لتوسعها حتى توات".

وقد ساهم موقف الجزائر من الوحدة الترابية للمغرب في تشويه تاريخ المنطقة بهدف إنكار الحق التاريخي للمغرب في الأراضي التي ضمتها فرنسا للجزائر، والتي تنازل عنها المغرب، وبالتالي محاولة الاعتراض أيضا على الحق التاريخي والوطني في استرجاع الصحراء، أن الجزائر وجدت نفسها الآن مسجونة فيما صنعته بالمال أولا والأيديولوجية ثانيا في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها.

وفما يخص كتابة تاريخ المنطقة بعيدا عن اخضاعه لمصلحة الصراع بين البلدين يتطلب اجراء مصالحة مع أحداث ووقائع التاريخ الفعلي. صحيح أن الكيانات بحدودها الراهنة في المنطقة المغاربية حديثة وأغلبها من صنع الاستعمار، ولكن من الاسفاف والتلاعب بحقائق التاريخ أن يقال عن المغرب الاقصى "سوس الاقصى"، وأن تعتبر الجزائر عبد المومن بن علي بطلا قوميا للجزائر وتضع تمثاله إلى جانب أحد الضباط الاتراك في متحفها الوطني، رغم أن دولة الموحدين أسسها المهدي بن تومرت وخلفه عبد المومن بن علي الذي اتخذ من مدينة مراكش -التي ما زالت موجودة بالمغرب الاقصى- عاصمة للدولة الموحدية، وكذلك أبناؤه فيما بعد.

يستشهد العروي بخطاب شهير لليوطي يقول فيه : " فيما واجهنا في الجزائر حتات شعب وحالة لا تجانس وجدنا بالعكس من ذلك في المغرب أمة ودولة ". إذا كان النزاع في الصحراء ما زال يلقي بظلاله على قراءة الماضي من طرف الجزائر، فإن متطلبات المستقبل تفرض إعادة قراءة التاريخ قراءة مشتركة بين البلدين، في إطار مصالحة تاريخية كما حدث بين فرنسا وألمانيا بعد حروب طاحنة. لأن نهاية النزاع في الصحراء مآله الحتمي المحافظة على وحدة التراب المغربي.
علال الأزهر

13/07/2015