وحدة الهندسة العسكرية والاستخبارات العسكرية التابعة للقوات المسلحة الملكية تسللت إلى الأقاليم الجنوبية قبل المسيرة الخضراء وقامت بمسح شامل للأقاليم الصحراوية، وخاصة العيون، بوجدور، السمارة، وبئر كندوز وبئر لحلو عن طريق فرقة كان يترأسها الجنرال احمد دليمي سنة 1974، وقد تمت هذه العملية، بشكل سري، وحتىالطرف الإسباني الذي كان يسيطر على تلك المناطق لم يكن على علم بهذه التحركات المغربية.

 

كان الهدف من هذا التغلغل هو إجراء مسح جيولوجي لمعرفة نقط تواجد المياه ومعرفة الطرقات والقيام بمسح عام عن تضاريس المنطقة بهدف إنجاز خرائط طبوغرافية عسكرية من أجل التهييء للمرحلة الموالية.

 

بعد إجراء المسيرة الخضراء بنجاح، تمكن الجيش المغربي من التمركز في جميع النقط الاستراتيجية بالمنطقة، ومن ثمة كان هناك ضمان السيطرة على الأرض. لكن بالمقابل لم تكن هناك مخططات للسيطرة على ساكنة المنطقة، مما سهل مأمورية الاستخبارات الجزائرية التي عملت على وضع برنامج تهجير قسري لصحراويي المنطقة، وركزت حملتها على تهجير الرجال منهم وإعادة توطينهم بمنطقة تندوف شرق الجزائر، وهي امتداد بشري وتاريخي للأقاليم الصحراوية. وتنقسم تندوف بين اركيبات الساحل واركيبات الشرق.

 

استمرت سياسة التهجير القسري لسنوات. ومارست الجزائر واستخباراتها دعاية ضد المغرب عن طريق بث شهادات لعائلات صحراوية مهاجرة تدعي فيها تعرضها لقصف جوي بواسطة قنابل النابالم وراجمات صورايخ، واتضح في ما بعد أن هذه الادعاءات غير صحيحة وأنها مجرد حرب شائعات أطلقتها الاستخبارات الجزائرية، وكانت من بينهاأخبار كاذبة تتعلق برمي شبان صحراويين بواسطة المروحيات، وهذا كله من أجل بث الخوف والرعب في صفوف الصحراويين من أجل العمل على تهجيرهم.

 

ونتيجة لهذا الوضع ستنشب حرب كر وفر بين المغرب والبوليساريو دامت ما بين 1975 وسنة 1991 تاريخ سريان مفعول وقف إطلاق النار.

 

البوليساريو كانت مسنودة من طرف لواء القبعات السوداء التي أنشاها الرئيس الجزائري هواري بومدين لمواجهة المغرب انتقاما لخسارته في معركة الرمال التي وقعت سنة 1963. وتم توظيف هذه القوات من أجل فتح مواجهة مفتوحة مع المغرب، حيث ستنشب على إثرها 3 معارك كبرى تم الاصطلاح عليها، بامغالة 1 و2 و3 وتمت على التوالي في سنوات 81 و82 و83

 

هذه المعارك الثلاث انتصر فيها الملك الراحل الحسن الثاني في مناسبتين في حين انهزم في معركة واحدة، وكان الهدف من ورائها هو استرجاع الحزام القائم بين تندوف ومدينة السمارة ومنطقة تيفاريتي، وقد أعد الحسن الثاني العدة الكاملة للمعركة الفاصلة وتم عقد اجتماع لهيئة الأركان بمدينة فاس سنة 1983 .

 

لكن تدخل أطراف خارجية منها مصر والسعودية وتونس سيدفع الملك الراحل الحسن الثاني إلى وقف هذا الهجوم بعد أن انتقل إلى فاس كل من الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك والملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز ومبعوث للرئيس التونسي بورقيبة، حيث سيتم توقيف عملية استرجاع الحزام الفاصل بين المغرب والجزائر، وهو الحزام الذي تعتبره البوليساريو مناطق محررة في حين هي منطقة فك الاشتباك بحسب المصطلحات العسكرية.

 

في عز المواجهة بين المغرب والجزائر سيوفد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة موفده وزير الداخلية الطاهر بلخوجة من أجل التوسط في عملية إطلاق النار التي كانت مشتعلة بين المغرب والجزائر، وكان بلخوجة معروفا بعلاقته الحميمية مع بومدين فأرسله بورقيبة خصيصا للتأثير في بومدين، كما أن اختياره كان بسبب آخر يتعلق بطبيعة بلخوجة الذي كان معروفا بكونه داهية دبلوماسيا ويجيد فن الكذب.

 

كواليس معركة امغالة على لسان مبارك

 

في لحظة بوح حرة كشف الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عن جزء من كواليس معركة أمغالة الثالثة وعما دار بينه وبين الرئيس الجزائري الراحل هواري بمودين والملك الرحل الحسن الثاني، وذلك خلال استضافته في إحدى الفضائيات المصرية: «بعد أن اشتكى إلي بومدين من تغلغل عناصر الجيش المغربي في الأراضي الجزائرية على إثر مطاردتها لعناصر البوليساريو، وطلب مني أن أفعل شيئا لوقف هذا التغلغل قلت له إن مصر قد فعلت الكثير لصالح الجزائر وساندتها في حرب الرمال ورغم ذلك قلت له لا بأس إني سأذهب إلى الملك الحسن وفعلا ذهبت إلى الملك الحسن وتكلمت معه في الموضوع ونفى لي تغلغل قوات مغربية داخل الأراضي الجزائرية وأخبرني أنه كل ما هنالك أن قواته متمركزة على بعد 300 كلمتر في الحدود قصد منع تسلل مقاتلي البوليساريو، حيث كان يصفهم الملك الحسن بالمرتزقة .

 

بعد ذلك قلت لبومدين الآن الملك الحسن يحاصرك وأنا يمكن أن أقنعه ليفتح لك الباب.. وقد تطلب الأمر مني الجلوس مع الملك أربع ساعات بمدينة فاس لإقناعه بالسماح للقوات الجزائرية التي كانت محاصرة من طرف القوات المغربية بالرجوع سالمة. وتم الاتفاق على أن يتم نشر خبر أن القوات المغربية دخلت لمنطقة تيفارتي دون الإشارة إلى الجزائر، وتم الاتفاق بعد ذلك على عقد قمة بين البلدين بالقاهرة لحل الخلافات بينهما.

 

حينما ارتدى الحسن الثاني بدلته العسكرية

 

أول مواجهة عسكرية خاضتها القوات المسلحة الملكية ضد مقاتلي البوليساريو هي تلك التي شهدتها منطقة أمكالة في يناير عام 1976، وشاركت فيها قوات القبعات السوداء الجزائرية إلى جانب مقاتلي جبهة البوليساريو، وكانت نتيجة هذه المواجهة الشرسة تفوق باهر للقوات المسلحة الملكية التي استطاعت أسر ما يزيد عن 100 جندي جزائري من بينهم ضباط، لكن الحسن الثاني قرر تسليمهم الى الجزائر لتفادي وقوع حرب كبيرة بين المغرب والجزائر. وقد عرفت هذه المعركة بامغالا 1.

 

الرئيس الجزائري هواري بومدين أمام هذه الخسارة الفادحة سيعمل كل ما في وسعه من أجل إعادة الاعتبار لقواته المنهزمة عبر تقديم كافة الدعم لمقاتلي جبهة البوليساريو بالعتاد والسلاح، حيث لم تمض سوى أسابيع من الموقعة الأولى حتى شن مقاتلو البوليساريو، مدججين بأحدث الأسلحة الجزائرية، هجوما كبيرا على القوات المغربية في المعركة التي ستحمل اسم أمكالة2.

 

منذ هاتين الواقعتين، كان على القوات المسلحة الملكية أن تواجه حرب العصابات التي انتهجتها ميليشيات البوليساريو، وكان على عناصر القوات المسلحة المغربية أن تتراجع إلى المدن لتحصينها ضد الهجمات وحماية طرق القوافل لضمان وصول الإمدادات العسكرية والغذائية لها، وانصبت جهود هذه القوات على حماية قوافل الإمدادات، مما فسح المجال أمام مقاتلي البوليساريو للتحرك بحرية بحكم معرفتهم الجيدة لطبيعة الأرض وتضاريسها. وخلال هذه الفترة حققت البوليساريو أهم انتصاراتها في الهجومات الخاطفة التي كانت تقودها ضد قوافل الإمدادات والكمائن التي كانت تنصبها لها، وأيضا من خلال هجوماتها المباغتة على المواقع المدنية، مثل هجومها على مدينة طانطان عام 1979.

 

اضطر الجيش المغربي إلى تغيير استراتيجيته لتعقب فلول البوليساريو الذين كانوا يجيدون حرب العصابات وقادرين على تحمل قساوة الظروف الطبيعية للصحراء ومناخها.

 

الجيش المغربي الذي تلقت عناصره التدريب على خوض حرب تقليدية، فوجئ قادته بحرب بدون جبهات للقتال. من هنا جاءت فكرة إنشاء وحدات وكتائب مستقلة لمطاردة فلول مقاتلي البوليساريو ولخوض حرب عصابات ضدهم.

 

في شهر ابريل من سنة 1983ستعرف المواجهة العسكرية المفتوحة بين المغرب والبوليساريو ومن خلفها الجزائر تطورات كبيرة، حيث سيعقد الملك الراحل الحسن الثاني اجتماعا طارئا لهيئة الأركان بفاس، وكان موضوع هذا الاجتماع الطارئ هو إعداد العدة اللازمة من أجل حسم معركة ما اصطلح عليه بامغالا 3. وقد جعلت الاستعدادات الكبيرة التي تم رصدها لهذه المعركة بحسب الخبير العسكري عبد الرحمان مكاوي الجيش المغربي قاب قوسين أو أدنى من بسط نفوده على الحزام الممتد بين تندوف ومدينة السمارة ومنطقة تيفارتي.

 

وبحسب شهادة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك الذي انتقل على عجل رفقة ملك السعودية الراحل فهد ابن عبد العزيز لمدينة فاس لملاقاة الملك الراحل الحسن الثاني، فإن القوات المغربية تمكنت من محاصرة فيلق بأكمله من الجنود الجزائرية وقامت تلك القوات بمحاصرة تندوف استعدادا للسيطرة عليها بالكامل، حيث سيستنجد الرئيس الجزائري الهواري بومدين بالرئيس المصير حسني مبارك قصد ثني الملك الحسن الثاني عن مواصلة هجومه.

 

وبالفعل، يضيف مبارك، استطاع أن يقنع الحسن الثاني بوقف زحفه على تندوف وتم السماح للفيلق الجزائري الذي كان محاصرا بالرجوع إلى قواعده سالما.

 

الاستعدادات داخل البوليساريو

 

في الوقت الذي كان فيه الحسن الثاني يعد العدة للسيطرة على تندوف كانت منطقة الرابوني التي يتواجد بها عدد من الأسرى المغاربة تعرف استعدادات من نوع آخر سيكشف عنها في ما بعد أسير مغربي يدعى إدريس الزايدي سيروي تفاصيل ما حدث في تلك الفترة في مذكرات أطلق عليها «الخروج من فم الثعبان». في شهر أبريل من عام 1983، ذات صباح، فوجئنا بحالة طوارئ غير مسبوقة في معسكرات الاعتقال.الجزائريون وعناصر البوليساريو في وضع الحيرة والتخبط. ارتبنا في الأمر، فكان ملاذنا هو الاستماع إلى النشرات الإخبارية بالإذاعة الوطنية، حيث علمنا أن الراحل الحسن الثاني استقبل العقيد معمر القذافي. فهمنا ساعتها سبب حالة الطوارئ التي عرفتها الناحية الخامسة في ذلك اليوم. كانت عينا الجزائر في تلك الأيام، من الناحية الاستراتيجية العسكرية، على الزاك، وقد خصصت فرقا عسكرية تظل مرابطة في روس المسامير القريبة من بوكربة القريب من الزاك...كنا نعرف أن هؤلاء الشياطين يراقبون تحركات قواتنا المسلحة، وكنا ندعو الله لإخواننا بالسلامة».

 

ويضيف الزايدي «أعادونا إلى المركز الخلفي للناحية الخامسة. بدأت المؤونة التي كنا نتوصل بها، على قلتها، تتضاءل بشكل ملحوظ، فلما سألناهم عن السبب كان جوابهم: «اذهبوا عند القذافي ليطعمكم»، ثم يشتمون أصل وفصل الرئيس الليبي. أدركنا أن العلاقة بين ليبيا والبوليساريو شهدت انقلابا... والحقيقة أن البوليساريو في ذلك التاريخ كان على أهبة الاستفادة من تدريب عناصره بليبيا على سلاح الجو لكن الصفقة لم تتم. .. وكانت ليبيا ستمدهم بالطائرات، وللإشارة فإن الجزائر شيدت المطارات العسكرية، واحد على بعد 56 كيلومترا شرق تندوف والثاني ناحية عوينة بلكرع وغار الجبيلات، وهو مطار يربطه طريق معبد بتندوف، وهناك تنزل الطائرات العسكرية الجزائرية من صنف الميغ 27 والميغ 29 والميغ 25 والميغ21 والميغ17 روسية الصنع.

 

أما الناقلات التي تتوفر عليها الجزائر فهي: تي 72 و62 و55 و54 والـ PRP وكذلك منصات إطلاق الصواريخ المضادة للطائرات وصواريخ السكود والمروحيات الروسية القادرة على إطلاق الصواريخ وهي شبيهة بالأباتشي، وقد رأيتها بأم عيني.كما أمدت الجزائر ربيبتها بمدافع من نوع 122 و128 و160، فضلا عن الأسلحة التي ذكرت، هناك دبابات جزائرية ذات جنازير وقادرة على حمل الصواريخ، أما السلاح القادم من ليبيا فيتمثل في الدبابات والـ 23 ملم والـ 14.5 ملم والـ 75ملم والـ 120 ملم والـ 12.7 الذي يعد أضعف سلاح كانت ليبيا تمدهم به.

 

وأتذكر أنه عندما كانت تأتي قافلة الإمدادات الليبية على متن شاحنات عملاقة من نوع الماجوريس والMAN والفتح كان أمر تفريغ تلك المساعدات يتطلب من عشرات السجناء مجهود شهر بأكمله قبل الانتهاء منها. لم تشأ الجزائر أن تغامر بحياة طياريها وفضلت أن يكون طيارون من صفوف المرتزقة من يتولى تلك المهمة، لكن تحسن العلاقات المغربية الليبية جعل كل هذه المخططات تذهب أدراج الرياح. وبالمناسبة فإن طياري المغرب ذوو تكوين عال وشجاعة نادرة، وهم يستطيعون الهجوم بالليل والنهار، وقد رأيتهم كيف يهاجمون وكيف ينفذون العمليات في لمح البصر، وقد كان المرتزقة عندما يشتد عليهم القصف الجوي المغربي يجعلون منا دروعا بشرية، وقد استشهد منا العديد في تلك الهجومات».

 

25/04/2016