تحيل السياسة الخارجية إلى مجمل البرامج والأهداف التي تسعى الدول إلى بلورتها وتحقيقها على المستوى الخارجي عبر مختلف الوسائل المشروعة..، ولم تعد هذه السياسة مقتصرة على نسج وتعزيز علاقات تقليدية بين الدول، بل أصبحت تحمل على كاهلها مسؤوليات تتصل بتدبير الأزمات المختلفة، وجلب الاستثمارات، وتعزيز المصالح العليا للدولة في جوانبها المتجددة والمتطورة، إضافة إلى الإسهام في تعزيز السلم والأمن الدوليين.

وتؤكد الممارسة الدولية أن المواقف والسلوكات الخارجية للدول، تظل بلا معنى في غياب مقومات مختلفة تدعمها، كما أن المصالح العليا للدول تفرض تجنيد كل الإمكانات المشروعة الداعمة لسياستها الخارجية.

أضحت الدبلوماسية في عالم اليوم فناً وعلماً، فهي لا تحتاج بذلك إلى أساس قانوني داعم فقط، بل إلى كفاءات تستوعب مجمل التحولات والمتغيرات الدولية الراهنة أيضاً.

إن المجال الدبلوماسي هو شأن سيادي ظلت تمارسه الدول عادة عبر الآليات الرسمية، غير أن تطور وتشابك العلاقات الدولية وتعدد الفاعلين، وتعقد المصالح والقضايا والأزمات الدولية وتنوع القنوات المؤثرة في ملامحها وتوجهاتها، وضع السياسة الخارجية للدول أمام محك حقيقي فرض عقلنة أكبر وانفتاحاً أوسع، بالشكل الذي يضمن نجاعتها وعقلنتها وتحقيقها للأهداف والمصالح المتوخاة.. وهو ما أتاح المجال لبروز الدبلوماسية الموازية التي تقودها مختلف الفعاليات من أحزاب سياسية ومجتمع مدني ومراكز بحثية وجامعات وإعلام وجاليات وجماعات محلية.

إلى جانب مهامها المرتبطة بالتشريع وإعمال الرقابة على العمل الحكومي، تحظى الهيئات التشريعية للدول (البرلمانات) في مختلف النظم الدستورية ببعض الصلاحيات المرتبطة بالشأن الدبلوماسي، وتحيل الدبلوماسية البرلمانية حول مجمل التشريعات والتدابير والإجراءات التي يتخذها البرلمان على طريق بلورة مواقف وسلوكيات تؤثر في القرارات الخارجية، وعلاقة ذلك بالإسهام في تدبير الصراعات والأزمات، وجلب الاستثمار، وتوضيح ودعم المواقف الخارجية الرسمية للدولة إزاء قضايا وطنية ودولية وإقليمية عدة.

وتظل فاعلية أداء البرلمان في هذا الصدد، متوقفة في جزء كبير منها على استحضار الخبرة والكفاءة العلميتين والتقنيتين في النخب البرلمانية على مستوى الخبرة التفاوضية، وتقنيات إدارة الأزمات الدولية، والإطلاع على اتفاقات ومعاهدات عدة تهم الدولة، وعلى القانون الدبلوماسي، ومبادئ القانون الدولي بشكل عام، كما يتطلب الأمر تطوير كفاءة النخب البرلمانية في المجال الدبلوماسي، عبر إقامة دورات تكوينية منتظمة في هذه المجالات.

وإلى جانب إسهام البرلمان في هذا الشأن، ظهرت الدبلوماسية المحلية، مع تطور أسلوب اللامركزية في تدبير الشأن العام، وتجاوز التدبير المحلي للمهام التقليدية اليومية إلى تدبير منفتح واستراتيجي يقوم على التخطيط وخلق الثروة والحوكمة الجيدة. 

وتشكل الأحزاب السياسية - من الناحية الافتراضية - مدارس لترسيخ الممارسة الديمقراطية، ومشاتل لإعداد وتكوين النخب التي ستتحمل المسؤولية في مختلف المؤسسات التمثيلية محلياً ووطنياً، كما لا تخفى أهمية هذه القنوات في إعداد وتأطير وتعبئة المواطنين بصدد قضايا مختلفة.

ويعد المجتمع المدني أحد تجليات الممارسة الديمقراطية التي يفرزها مناخ التعددية والحرية داخل المجتمع، لأنه من الأسس التي تبنى عليها الديمقراطيات الحديثة، وهو يلعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة، كما لا تخفى انعكاسات الممارسة الديمقراطية على صعود المجتمع المدني وتطور أدائه، وهو ما تؤكده التجارب الغربية الرائدة في هذا الصدد.

وتنطوي أدوار المجتمع المدني على أهمية كبرى في المجال الدبلوماسي سواء على المستوى الأفقي في علاقة ذلك بتعبئة الرأي العام بصدد الكثير من القضايا والمواضيع أو على المستوى العمودي، من حيث اعتماد تقنيات التسويق والإقناع والمرافعة.

ولا تخلو الدبلوماسية العلمية من أهمية ووجاهة، بعدما أصبح للبحث العلمي مكانة وازنة في عالم اليوم، وهو ما جعله يشهد اهتماماً واستثماراً متزايدين من قبل الدول المتقدمة، وتخصص له إمكانات مالية وتقنية وبشرية هائلة، باعتباره خياراً استراتيجياً لتجاوز مختلف الإكراهات والتحديات، داخلياً وخارجياً، كما يتم الاستئناس بمخرجاته في صناعة القرارات والسياسات العمومية وعقلنتها.

ويمكن للجامعات ومراكز الأبحاث المتخصصة أن تدعم الدبلوماسية الرسمية وتواكبها عبر طرح المقترحات والحلول والبدائل، وتنظيم الملتقيات والمؤتمرات حول مختلف القضايا والإشكالات التي تواجه صانع القرار، وإصدار الكتب والتقارير بمختلف اللغات، وتعزيز التبادل العلمي مع مختلف المؤسسات الجامعية والعلمية في مختلف دول العالم.

إن الدبلوماسية الموازية هي دبلوماسية مكملة وداعمة ومواكبة للدبلوماسية الرسمية، يفترض أن توفر الظروف المواتية للتحرك، وتواكب القرارات المتخذة وتمنحها عمقاً، وجدير بالذكر أن فعالية هذه الدبلوماسية لا ترتبط بمستوى الهامش القانوني والإمكانات المالية المتاحين فقط، بقدر ما تظل رهينة باعتماد الأداء الاحترافي الذي ينبني على الكفاءة والخبرة والقدرة على المرافعة.. 

اعتبر المجتمع المدني أحد تجليات الممارسة الديمقراطية التي يفرزها مناخ التعددية والحرية

إدريس لكريني

 

 

12/08/2016