سألته الرحيل عنها والذهاب بعيدا حيث لا ورودها تستقي بماء قبلاته ولا شفتاه تقرآن خطوط كفها فتنكشف له أسرار قلبها المولع بعشقها له وهيامها بصوته. بينما كان هو منشغلا بالبحث عن عمل، بعد نهاية العام الدراسي مباشرة، تلقى رسالة منها، تخبره خلالها أنها لا تريد بعد الساعة تلك، التي لا يتذكر كم كانت بالضبط، أن تعرف عنه شيئا بعد الآن، والتمست منه بنبرة قاسية تحسسها في أسطر الرسالة النصية تُركها وشأنها قليلا من الوقت حتى ترتب أفكارها وتصفي ذهنها استعدادا لاجتياز امتحانات نهاية السنة. لحظتئذ تيقن أنه كان يزعجها ويشتت أفكارها، وأنها تطلب منه الانصراف منها لأجل غير مسمى، بينما كان يعتقد أنه جزء من حياتها، ومصدر قوتها. 

كانت طالبة في كلية الصيدلة. بعد حصولها على شهادة الباكالوريا في علوم الحياة والأرض والحصول على شهادة الدوك من كلية العلوم السملالية في مراكش التحقت بكلية الصيدلة بالرباط. مواضبة على الصلاة والصيام يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع، الشيء الذي جعل حياتها منظمة تبعا لمواقيت الصلاة. طفلة جميلة كانت، وجمالها كان يزداد يوما بعد يوم.

 قبل أن تعرف قصتهما الحياة والتي لم يكتب لها أن تعيش طويلا، كان يلمح طيفها من بعيد بين الفينة و الأخرى وهي في طريقها إلى الثانوية، إذ كانا يسلكان الطريق عينها.  كان الاحترام والحب الذي خبا نوره قبل أن يولد يجمعهما.

  كانت وما تزال  التقوى لباسها، وطهر روحها يطفو على سطح محياها الذي ركبه الخالق في أبهى الصور. 

كان كلما صادفها غادية أو رائحة، كانت إما تكون برفقة صديقتها فتيحة، أو بمفردها. لاينكر أنه أحيانا كان يطلب من الخالق، في أعماقه، أن يجعلها زوجة صالحة له، دون أن يخطر بباله أنه يوما ما سيقعان في حب بعضهما البعض، أو كما كانت تقول هي، في ود بعضهما البعض. 

ربما القدر جمعهما، ثم فارق بينهما. لكن أليس الإنسان من ابتدع القدر، ليخلي نفسه من مسؤولية أفعاله. كان كلما أخبرها انه يحبها ويريدها زوجة له، ابتسمت وقالت إلى كنا مكتابين لبعضياتنا. كان كلما قالت هذه الجملة احتقن الدم في وجهه. يرفض كلمة مكتاب، ويلعن المكتاب والقدر، لأنه كان يعلم يقينا أن هذه الكلمة بداية لفراق مؤجل قريب.   

بشهية من يلتهم قطعة خبز باردة من فرط الجوع فتح هو حاسوبه ليتنفس، الكتابة قنينة أكسجين يضعها في باله طيلة الوقت، بحيث يستعملها إذا تحسس اقتراب أجله يتدفق بين مرايا الوحدة والشوق إلى التي ستكون موته. تناسى أمر قصتهما، أو بالأحرى كتابة قصتهما التي سيختلقها حتى وإن لم توجد، وها هو الآن فتح حاسوبه ليكتب من جديد شبحها حسبما يريد هو، دون أن يجرده من مسحته الواقعية... التي يهرب منها بينما تطارده. 

كان منهمكا بمطالعة كتاب، في حين كانت هي تراجع درسا في الصيدلة ستمتحن فيه لاحقا، كان يعاملها باحترام الزوج لزوجته، يشاركها الحديث من وقت لآخر، أحيانا ينظران إلى بعضهما البعض نظرة ود وحنان ثم يبتسمان. 

فجأة وكعادته حينما يبدأ في بلورة فكرة ما في ذهنه، يقبل ظاهر يده، وحين رأت ذلك هي ضحكت وتعجبت قائلة: وكأنك تقبل يدك، أجننت؟

 ضحك ثم قال: لفرط ما أقوم بذلك أثناء الانهماك في قراءة كتاب، أو بلورة فكرة ما، تحول إلى عادة، ولا أظن إن كانت عادة سلبية أم لا، إذ لم أفكر في ذلك من قبل، ثم سألها، بدساسة العاشقين، إن لم أقبل يدي فيد من سأقبل، يدك؟

ثم ابتسم برقة. 

قالت: وهل تستطيع أن تفعل ذلك؟

قال: نعم أستطيع، إن أُذنتْ لي سيدتي طبعا.

لمحت له بحركة بأصابعها، ففهم أنها ترغب في أن يقبلها حبيبها، بل قلبها هو من أراد ذلك، هن النساء هكذا، بحركة منهن أو بنظراتهن وصمتهن يقلن كل شيء. فإن لم تكن قادرا على فهم لغة الإيماءات، فلا مجال لك في عالمهن. بل ومنهن من يشركننا بجرائمهن، أو يقتلنا ويسرق منا أحلامنا. هن الشياطين   وهن الملائكة. 

 قبل ظاهر يدها اليسرى، تم غرز قبلة بين خطوط كفها، بعد ذلك قبل أصابعها الخمسة على حدة، القبل كالموت. ما أجمل الموت و أنا أقبل راحة يدها. كان كل ما لامست شفتاه بشرتها الناعمة كالحرير، سرت رعشة من رأسه إلى أخمص قدميه، هزات حبه لها حركت صفائح كيانه. نظر إليها فابتسمت، شفتاها كوردة استنشقت نسيم الفجر فتفتحت، عيناها ابتسمتا ونطقتا بكلمة أحبك، طلب منها في مخيلته أن تكررها، فرفضت برقة وهيام، لكنه سمع فؤادها يقولها من جديد. 

حان وقت الرحيل، ساعة فراقهما، الفراق الذي ما بعده لقاء إلا بالمصادفة والقدر، ذلك القدر الملعون الذي يمسك بمقود حيواتنا ويسوقها أينما شاء. رافقها حتى باب الحي الجامعي المخصص للإناث بأكدال، دخلت وبقي هو يراقبها حتى اختفت بين الجدران، هذه المرة لم تلتفت كما في المرة الماضية، ربما لأنها علمت أنه سيستمر بالنظر إليها ليثبت حبه لها أكثر فأكثر، وإذا التفتت هي الأخرى ستظهر له أنها تحبه بجنون، والحب عندنا مرادف للضعف. يحب مشيتها، تتحرك كالفراشات. يحبها حتى الموت. بل هي موته. 

أنظر إليه من بعيد، كلما قررت تحذيره منها، أو بالأحرى من حبها الذي عصف به، ترددت، لم يكن ليصغي إلي، فتيار القلب الآن أقوى من أن تجري عكسه قوانين العقل والواقع. 

تناديه، كلما بعثت له رسالة نصية، بـالبوكوص ديالي. ملك الدنيا وما فيها، تمنحه قوة ألف حصان، بل قوة جيش طروادة، ودهاء دون خوان في، هكذا هو الحب.

 ألف وجودها ولو عبر الهاتف، هي امرأة حياته. 

تحدثه بالأمازيغية الدمناتية، لأنها تنحدر من دمنات هي الأخرى، وتقطن على بعد ألف متر من حيث يقطن هو، لذلك فهي قريبة منه جدا، ما جعله يشعر بأن ما يجمعهما أكثر مما يفرقهما، ويزيد من يقينه بخصوص زواجهما الذي ينتظره بفارغ الصبر. 

حبا بالله يا محمد لا تستسلم لها هكذا، فالمرأة المغربية لها فكر انتقامي تجاه الرجال، وخيالها خلاق إذا تعلق الأمر بممارسة جميع أشكال التعذيب على رجل إذا أحبها وخضع لها. لذا لا تترضاها إذا غضبت، ولا تتفداها إذا رضيت. 

اتصلت به ذات يوم، بعيد أيام قليلة من تعارفهما الذي تسبب فيه القدر الملعون دائما، لتخبره أن ما يجري بينها يدخل في إطار العلاقات الغير الشرعية، وذلك يغصب الله (سبحان الخالق). وافقها الرأي وأقنعها أن حديثهما لن يتجاوز نطاق الاحترام، لن يكون هناك كلام معسول كذلك الذي يتبادله العشاق المتمردون على القوانين الإلهية والثقافية، ولن يقول لها الكلمة التي تعتبر الحبل السري في كل علاقة "حبيبتي". كانت ترفض ذالك رفضا باتا لا يتناطح عنه نعزان، لذلك لم يدرج هذه الكلمة في قاموس حبهما.  

كانت سريعة الغضب حتى وإن لم يكن هناك داع لذلك، وكان يتنازل ويهدأ من روعه، لأنه كان يعلم يقينا أنه إن لم يستجيب لغضبها ذاك، فستراجع نفسها لامحالة، وتطرح على نفسها السؤال: لما هو هادئ وأنا أستشيط غيضا، ثم تهدأ. يسألها: هل انتهيت، لنتكلم بهدوء؟

ـ لا، لم أهدأ بعد، ولن اهدأ، أنت تغضبني.

 وتبتسم

ـ حسنا، اصرخي، فلغضبك حلاوة الكرز.

ـ أصدقا ما تقول أيها الشاعر؟

ـ لا، بل أنا كاذب... وإلا فلن أكون شاعرا.

يبتسمان. 

يقول ذلك مازحا، هي تعلم ذلك وتعلم يقينا أن فؤاده لا ينبض لغيرها.

تصمت قليلا، يخبرها أن الحوار أهم شيء لفض النزاعات التي تنشب بين رجل وامرأة، إذ غالبا، لا يكمن المشكل في الصعوبات التي يواجهها الناس، بل في الطريقة والنهج الذين يتبعهما الناس لحلها. 

غضبك حلو كالكرز أو أشد حلاوة. ضحكتك توقف الساعات، تمحي الزمن وتأخذ مكانه. كيف له أن يتخيل الحياة بدونها، وهي الآن تستتر في مسام جلده. 

التقيا شخصيا لأول مرة في باب الحد، بعد أن وصل هو إلى الرباط على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال، واستقل سيارة أجرة: كان القلب يرجف، وكاد يخترق صدره. ها هي المرأة التي تحبها قادمة، التي لم تكن قط ضمن حساباتك، في زيها الذي يشبه في تصميمه، الجلباب العصري، مصنوع من الدجينز، ورأسها مغطى بشال أو "خرقة" مزركش باللونين الأزرق والأصفر الفاتحين، وموضوع على الطريقة التركية. كان هندامها متواضعا ورائعا، فكما يقولون، كل بسيط جميل، والحب يجعله أجمل وأجمل و أجمل. في الصورة الأولى التي بعثتها له في الفيسبوك ليتعرف على محياها، بما أنها لم تكن تضع صورة على صفحتها، كانت ترتدي الملابس ذاتها، غير أنها كانت تضع نظاراتها الشمسية. 

لاحظ ذلك، وقال في أعماقه، هذا لن يكون محض مصادفة، لأن العاشق لا يترك مجالا للمصادفات قدر ما يستطيع، بل يحاول أن يتحكم في الأحداث ويكون بطلها. فكر أنها تريد أن تخبره أنني أنا هي الفتاة التي عرفتها عبر الفيسبوك، وقبل ذلك، تلك الفتاة التي كنت تراها في الثانوية. لقائنا الفيسبوكي الأول رأيتني بهذا الزي، وهنا أيضا، لقائنا الواقعي الخالي من أي افتراضات، أريدك أن تراني بالزي ذاته.

 تعلم أني من محبي البيتزا، فقد أخبرتها بذلك في إحدى محادثاتنا الفيسبوكية، وقلت مازحا أنني سأحل عما قريب ضيفا عليها، لذا فأريدها أن تطعمني البيتزا، فضحكت. أحبها. لذا نحن هنا في مطعم " ...". لا أخفي أن لوعة الفراق، تحولت الآن إلى هلع من حبيبتي الصغيرة، خوف اختلط بفرح لا تصفه أبهى الكلمات. المرأة التي أريدها، أريد روحها وجسدها، رائحة فمها وهي صائمة، النظر إليها وهي نائمة بجواري، ساجدة بين يدي الله وفي بطنها تحمل ابني أو ابنتي. دائما تخبرني أنها ترجو من الله أن يرزقها مني بطفل تسميه سيف الدين، وطفلة نور الهدى، وبينما كنا نتجول في باب الحد قلت مازحا:

ـ لم نحضر معنا سيف الدين ونور الهدى.

ـ ابتسمت وقالت: ها أنا ذا ما أزال أحملهما في بطني.

اعترتني الفرحة، ودخلت في غيبوبة سعادة. أنا برفقة أجمل النساء في الكون وأطهرهن. إنها تحبني.

عبرنا باب الحد، متوجهين إلى باب لمريسة في مدينة سلا، هناك جلسنا فوق مقعد إسمنتي، يتأملان براءة الأطفال، ثم نتحدث عن مخططات كلانا في الحياة وطموحاتنا المستقبلية والمسار الدراسي لكلينا. تذكرت أنها أخبرتني باقتنائها حلقة مفاتيح خشبية على شكل قلب خط عليها اسمينا: محمد ونهاد. أجمل هدية من أجمل فتاة، لا، بل من أجمل موت.    

أفتح صفحة الفايسبوك وأحرك فأرة الحاسوب لأتنقل عبر الصور التي غالبا ما تكون خالية من أي دلالة. أستمر في التيه وسط التعليقات والتغريدات فأرى أشلاء نفسية هذا وذاك، والرغبة في سحب الاعتراف مني ومن الآخرين، والرغبة في رغبة الأخر… 

في عشية يوم الأربعاء 15 من ابريل 2015، تبددت الغيوم عن سماواتي، وانشرح صدر العشق لي، وفتّحت لي الجنة أبوابها الثمانية، وكثرت زغردات البلابل، وتفتحت الورود وانشق القمر. 

مر يوم عصيب آخر، مثقل بالتعب وضيق النفس بما رحبت.

لا مفر من الروتين؛ الدراسة، ثم العودة إلى المنزل لتناول وجبة الغداء، وفتح صفحة الفايسبوك، لتكسير الروتين، قبل بداية حْريقْ الرّاسْ بْالقْرَايَهْ. فتحت صفحتي، فإذا بشخص لا اعلم من يكون، بعث لي دعوة صداقة. ضغطت الزر وبدا لي اسم فتاة لا يوحي إلي بشيء. قبلت دعوتها بعد أن جلت وارتحلت في صفحتها، لكن بغير تركيز.

 ـ قلت السلام بأحرف لاتينية، بعد هنيهة أجابت عليكم السلام.

ـ أسبق لنا أن التقينا أو تعارفنا يا آنسة؟ 

ـ لا، لا أظن ذلك، بيد أني سبق لي أن رأيتك.

ـ كيف خطر لكي أن تراسليني إذن، وغن سبق أن رأيتني فأين؟

ـ بصراحة كنت ابحث عن صديقة في الفايسبوك، فرأيت صورتك مصادفة، فتذكرت أني سبقت لي رؤيتك، وهكذا، قررت مراسلتك. ألست من دمنات، لأنني دمناتية؟

ـ بلا، لكني لم أعرف قط فتاة باسمك" نهاد". أيمكنك أن تريني صورتك؟ حتى أتعرف إليك أكثر.

ـ يمكنني ذلك، غير أني لست أحبذ وضع صوري في صفحتي، لكن، لكَ وحدك أرسلها. انتظر لحظة من فضلك.

ـ حسنا. لكن إياك وإرسال صورة ليست صورتك.

ـ لما تقول هذا، أرابك ريب في صدق كلامي؟

ـ لا والله، لكن هذا ما تفعله الفتيات. طيب أصدقك، ابعثيها.

 أرسلت لي صورتها، التي حين رأيتها ارتسمت على شفتاي ابتسامة المتفاجئ. دبت الحياة بكامل تفاصيلها في خلاياي، ثم استشعرت ذبذباتها المشحونة بخليط سحري من المشاعر الرقيقة العذبة تنسج خيوطها بداخلي، لقد عرفت أنها ابتسامة الحب.

تحدثنا لساعات دون أن نشعر بذلك، حتى أنه خيل لنا أن الزمن توقف، وأننا أنا وأنت نصبنا ملكين على الأرض. جميلة مشرقة، وتحملين وردتين على خديك الفضيين يزدان بهما وجهك القمري، وللحظة تخيلتني في الجنة. لقد كنت أجمل من الجمال. تسربت عواطفي عبر شقوق قلبي، وحملها الدم كلمات لينقشها على ورقات قلبك الأطهر من الطهر عينه.

محمد أرسلان

28/03/2016