الشيخ ماء العينين.. إمامة وسياسة وولاية

ماء العينين اسم لشخصيات كثيرة بالمغرب وموريطانيا، لكنه إذا أطلق يعني علـَما واحدا وكبيرا من أعلام الغرب الإسلامي الحديث. إنه محمد مصطفى بن محمد فاضل بن مامين.
ولد الشيخ بالحوض الشرقي من الصحراء (وهي الآن بموريتانيا) لأب عالم ورجل فاضل وصالح،

فلازم أباه حتى أخذ عنه أكثر ثقافته، وهو المقصود حين يقول في كتبه: قال شيخنا، أو كان شيخنا.
وإذا كان الشيخ ماء العينين ابن بيئته وعصره، وكانت ثقافته ثقافة زمانه وبلاده، إلاّ أنه شخصية عجيبة فعلا. فقد جمع بين العلم والعمل، بين التصوف والجهاد، بين الخطابة والكتابة، بشكل يندر أن تجد له مثيلا في القرنين الأخيرين.
في العلم تنوعت اهتماماته وتأليفاته، فكتب في علوم اللغة، والعقيدة، وفي الفقه وأصوله، وفي التصوف والسلوك وفي الطب والحساب والفلك، حتى إنني رأيت في إحدى ترجمات الشيخ لائحة بأكثر من مائة كتاب ورسالة، بكل الأحجام، وأكثرها مخطوط.
لكن مما يثير انتباه القارئ المختص حين يطلع على تراث الشيخ أنه رحمه الله اهتم بعلم مقاصد الشريعة، في وقت كان هذا العلم مهجورا، فاختصر مسائله في كتاب «المرافق على الموافق». وهذا وعي متقدم من الشيخ، فهو من هذه الزاوية كالشيخ محمد عبده الذي عرّف أهل مصر بهذا الكتاب العظيم للشاطبي.
الملاحظة الثانية أن الشيخ رحمه الله حاول إحياء علم اندرس من أيام ابن خلدون الذي نعاه في مقدمته الشهيرة، وهو علم الخلاف العالي، وذلك حين ألّف «دليل الرفاق على شمس الاتفاق». والبيئة المالكية عموما في زمان الشيخ، بل قبلها، كانت قد هجرت علم الفقه المقارن ولم يكن العلماء يدَرسونه بله أن يكتبوا فيه.
الملاحظة الثالثة تتعلق بما كتبه الشيخ في السلوك، وهنا لابد أن نشيد بكتابه الجليل «نعت البدايات وتوصيف النهايات». فهذا الكتاب عبارة عن زبدة لعلوم التصوف وآدابه وفنونه في القرون المتأخرة، وهو تصوف عملي أخلاقي لا مكان فيه تقريبا لأيّ فلسفة إشراقية أو نظرية.
والملاحظة الرابعة أن الشيخ أبدع في بعض ما كتب وأتى بالجديد، كما في نظمه الغريب «فاتق الرتق على راتق الفتق» وهو نظم لا أظن أن أحدا ألف مثله في تراثنا. ومن العجيب الجديد عند الشيخ رحمه الله كتابه «المذهب المخوف على دعوات الحروف».
لم يكن الشيخ مجرد مؤلف منعزل بزاويته أو مكتبته، بل تصدّر لقيادة قومه وإرشادهم، فكانت بلدته محجا لعشرات الآلاف من الزائرين على مدار السنة، حتى أصبح مقامه مكانا للعبادة والذكر وتعلم العلوم وتدارس الرأي والتشاور في القضايا العامة. كل ذلك والشيخ يقوم بشؤونهم جميعا من مسكن ومأكل، والله سبحانه بارك له في ذلك كله، هكذا انتشرت زوايا الشيخ ببلاد المغرب وصحرائه، وعرفت بـ»الزاوية المعينية».
إذن فقد خاض الشيخ رضي الله عنه غمار السياسة، وعاصر خمسا من ملوك الدولة المغربية واتصل بهم وحاول التنسيق معهم لمواجهة الاستعمار. وهنا يتكشّف الوجه الآخر المضيئ في حياة ماء العينين، فقد قاد قبائل الصحراء وقاوم التدخلات الاستعمارية مقاومة شديدة، هو وأبناؤه الكثيرين الذين ساروا على نهجه، وكان من ثمار ذلك أن تأخر دخول الاستعمار إلى الجنوب المغربي حتى سنة 1926، أي أربعة عشر سنة من تاريخ الحماية الفرنسية على المغرب. ولم تنطفئ هذه المقاومة، والتي ساهم فيه أبناء الشيخ مع غيرهم، إلاّ سنة 1934. يكفي أن نستحضر هنا بعض المعارك كأكجوجيت والمينان وأطار وأغسرمت والنيملان، وغيرها.
ثم توفي الشيخ رحمه الله سنة 1910 بمدينة تيزنيت ودفن بها، وكان يوما مشهودا. وبلغ عدد من رثاه 520 راثيا.
لابد أن نؤدي ديْن الشيخ علينا بطريقتين:
الأولى: جمع تراثه المخطوط، وهو الأكثر، وتحقيقه تحقيقا علميا ونشره وطباعته. فتراث الشيخ إما مخطوط، أو مطبوع طباعات كثيرة الأخطاء. ومن المعلوم أن الفرنسيين أحرقوا خزانة الشيخ بمدينة السمارة حين هاجموها، لكن أكثر تراثه موجود الآن. ولا عذر لأحد في إهماله. ومن يظن أن كتب الشيخ تكرار للثقافة القديمة من جميع الوجوه فهو واهم، بل هذا دليل أنه لم يقرأ للشيخ شيئا. ولا يمكن تفصيل هذا هنا.
الثانية: تسجيل تاريخ الصحراء، بما فيها بلاد شنقيط، في مقاومة الاستعمارين الفرنسي والإسباني، ومكانة الشيخ وآل ماء العينين عموما في ذلك. لذا ينبغي الحفاظ على الآثار ذات العلاقة بالشيخ وحركته في المغرب وموريطانيا، باعتبار ذلك جزء من تاريخ المنطقة.
إن خدمتنا للشيخ وآثاره هي في النهاية خدمة لأنفسنا ولتراثنا ولنهضتنا المنشودة.

إلياس بلكا

19/04/2015