الصحراء المغربية و العائدين الى ارض الوطن

كنت قد انتهيت، قبل شهرين، من إخراج فيلمي الوثائقي « العائدون »، عن قضية الصحراء في المغرب. وعلى الرغم من أن اهتمامي، وعلى ما يزيد عن عقد ونصف، بالموضوع الفلسطيني، ولأسباب كثيرة، كان منها عودتي من كندا إلى رام الله، ولقربي من الأحداث المربكة والمتشابكة في فلسطين، رغبت أن أبعد قليلا. وبحكم عملي في الشؤون العربية في صحف كندية سنوات، كان لقضية الصحراء في المغرب نصيب كبير في اهتمامي.

عمر قضية الصحراء أربعة عقود، بدأت عندما طالبت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو)، بانفصال بعض الأقاليم الصحراوية عن المغرب وإقامة دولتهم المستقلة. وفي احتكاكي بمخرجين وصحافيين عرب، ومن محادثاتي الهاتفية معهم، في الخليج ودول إفريقيا والأردن، وحتى في فلسطين، لمست غياباً واضحا لفهم حقيقة الصراع. وكانت أهم الملاحظات عدم معرفة كثيرين أن مخيمات تندوف التي يقيم فيها عناصر « بوليساريو » توجد في منطقة تندوف في الجزائر، وليس في المناطق الصحراوية في المغرب. من يوجد ويسكن في تلك الأقاليم الموجودة في الداخل المغربي ليسوا معارضة ضد النظام المغربي، ويؤيدون موقفه من الصحراء. في المناطق الصحراوية، والتي زرتها مرات عديدة لتصوير فيلمي الوثائقي، كانت الأعلام المغربية في كل مكان، والحياة مستقرة وعادية. في الشوارع التي مشيتها، لم ألمح أية دوريات حفظ للأمن. وتلاحظ تطوراً عمرانياً حظيت به تلك المناطق، يدلل على اهتمام الحكومة المغربية بها بشكل كبير. تلمس تطوراً اقتصادياً، وكان الميناء البحري في منطقة الداخلة من أبدع ما رأيت. المرأة هناك تحظى بما لا تحظى به في مجتمعات عربية أخرى. قد يكون مصادفة أن جميع المغربيات الصحراويات اللواتي قابلتهن، ينظمن الشعر الفصيح والحساني، ويتقنّ الإسبانية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية التي تمتاز بوضوح أكثر من اللهجة المغربية في مدن المركز، في الرباط ومراكش مثلاً. في الأقاليم الجنوبية، إذا طُلقت المرأة ينظم لها احتفال خاص، وإذا ما تقدم أحد لخطبتها يرتفع مهرها إلى الضعفين.

حظيت بلقاء مئات من العائدين من مخيمات تندوف في الجزائر إلى مناطقهم. منهم من كان قيادياً في الصف الأول في « بوليساريو »، ويتبوأ، الآن، مناصب متقدمة في المغرب، ومنهم كثيرون عينوا سفراء للمغرب في دول أوروبية، ومنهم من انضووا في الجبهة في السبعينيات وقرروا الرجوع، ومنهم من ذهب مع والديه وهو صغير، وعاد، لأنه لا يؤمن بهم. وقد بدأ العائدون الرجوع إلى المغرب، منذ أطلق الملك الراحل، الحسن الثاني، في الثمانينيات، مقولته الشهيرة « الوطن غفور رحيم ».

سردوا لي عن الحياة الصعبة في مخيمات تندوف، لا كهرباء ولا ماء والبنية التحتية معدومة. من غير المسموح دخول المخيمات من دون تصريح من الأمن الجزائري، ما يخالف التعريف الدولي لمخيم اللجوء، حيث يجب أن يسمح بحرية الدخول والخروج منه. في هذه المخيمات، والتي تعتمد على المعونات الخارجية، لا يعمل فيها الشباب. روى لي أحدهم، كان عائداً للتو من تلك المخيمات، إن سبب عودته « أنه يبحث عن مستقبل ». كنت أجلس في خيمة أحدهم، وهو من زعماء قبائلهم، وكانوا يتحدثون، في كل مرة، عن مجموعة جديدة رجعت إلى « أرض الوطن ». الأبرز فيهم كان محمد شريف، عمل مع « بوليساريو » منذ البدايات، وفي فترة العمل السري. قال إنه عندما ذهب فوجئ من المحسوبية، ومن أخطاء فادحة يرتكبها القياديون واستغلالهم مناصبهم. وأضاف « كنت ناقماً على الوضع، لأنهم أوهمونا أنها ثورة، ولم تكن كذلك. بدأت بالنقد، فوضعوني في السجن في ظروف صعبة ست سنوات، في غرفة صغيرة لا تستطيع أن تمد يدك فيها، ولا يبعد سقفها عن رأسك إلا سنتيمترات قليلة. كانوا يضعون أقنعة على وجوهنا، ويستخدمون الأرقام، لا الأسماء، لتمييزنا ». وقال شريف إن صديقين له توفيا هناك، وإن كل ما كان يريده أن يبقيه الله على صحته وجسده وعقله، ليخرج ويفضح ممارسات « بوليساريو »، وقد استطاع الهروب في التسعينيات، ويرى أن دوره، منذ ذلك الوقت، كشفهم أمام العالم.

مغلاها الدليمي، إحدى الشخصيات في فيلمي « العائدون »، ذهبت صغيرة مع والديها إلى مخيمات تندوف، شرحت كيف يتم اختطاف الأطفال الصغار من مخيمات تندوف، وبالمئات عنوة، ومن دون موافقة الأهل. خطفوها مثل بقية الأطفال، وذهبوا بهم إلى كوبا. كانوا يدرسون في الصباح، وبعد ذلك يعملون في حقول الزراعة من دون أجر. كانوا يعلموهم حمل السلاح والتعامل مع القنابل في سن مبكر. كانوا يغيبون عن أهلهم الموجودين في مخيمات تندوف زمناً طويلاً، حتى انتهاء الدراسة في كوبا، قد تصل إلى خمسة عشر عاماً، إلا من تفوق قد يسمح له بزيارة الجزائر ورؤية أهله.

أما زينب الكوري، والتي شاركت، هي وأهلها، في انتفاضة 1988 ضد « بوليساريو »، فقد شرحت كيف أن الشباب، في حينها، أدركوا التضليل الذي مورس عليهم من قيادات الجبهة المنتفعة، على حد تعبيرها، فقرروا إسقاطها. وقالت إن كثيرين انضووا في « بوليساريو » بالتضليل، وكانوا جهلة مع انتشار الأمية في ذلك الوقت، وعندما بدأت الأمور تتضح للناس، وتحديداً للشباب، كانت ثورة 1988 ضد قيادة « بوليساريو ». « وحتى وقتنا هذا، هناك من يعانون، ولا أعلم لماذا لا يتحرك العالم »، تضيف الكوري. وتستدرك « هم يعتمدون على الدعم من دول غربية تعمل ضد المغرب ».

هو صراع طويل، اخترع في وقتٍ هيئت له الظروف ليخدم « بوليساريو »، فقد الآن كل مسوغاته. ولعل سحب دول عديدة في أفريقيا اعترافها بدولة « بوليساريو » دليل على حصول هذه التغيرات. أما عن تشبيه هذا الصراع المفتعل بالقضية الفلسطينية فهو مغلوط تماما، وكانت « بوليساريو » تشيعه لإضفاء مصداقية غائبة عن قضيتها، وإظهارها عادلة، تشبه عدالة شعب فلسطين الجبار، والذي لا يقارن بفئة، أو تنظيم أو حزب صغير، حتى لو استخدموا علمه، أو قضية نضاله العادلة ضد الاحتلال، وحتى لو استخدموا صور أطفالنا، كما فعلوا في ترويج صور لأطفال فلسطينيين أصيبوا واستشهدوا في أثناء عدوان « الرصاص المصبوب » الإسرائيلي على غزة، وترويج أن هذا ما فعله النظام المغربي بأطفالهم.

تغريد سعادة

27/03/2015