الصمت

لا يدري لماذا كلما كتب سطرا أو أنشد بيتا شعريا أتى على سيرة السيجارة وتغنى بها، ومن ثم، فلا ريب أنه قد تبادر إلى ذهنه أن لهذا الصنيع البشري دلالة فلسفية، ما دامت عادة يقاوم بها الإنسان فكرة الموت. 

كانت فتاة في ربيعها الثاني، ترتدي جلبابا بني اللون وتضع شالا أكحل. 

بما أنه شخص فضولي شيئا ما، فقد لفت انتباهه توتُّرها البادي لكل من كان يجلس في المقهى آنذاك لقتل الوقت. بدت للجالسين كمن فقد شيئا لن يستعيده البتة، عيناها تدوران داخل رأسها كإبرة بوصلة عندما ترسي باخرة الأحزان في بؤرة مغناطيسية قوية، ويدها اليمنى ترتعش كلما ذهبت بها نحو فمها لتستنشق دخان السيجارة المحترقة وترتشف من فنجان القهوة الصامت.

ربما اتصلت بحميد وضرب لها موعدا هنا، لكنه تأخر على ما يبدو، وكلما تعاقبت عقارب الساعة واتجهت الشمس نحو مغربها ازداد توترها وقبل أن يرتد له طرف، لاحظ امتلاء مطفأة السجائر عن آخرها.

استدارة على حين غرة فإذا بكل من في المقهى يحملق بها، فنظرت إليه بعدما رفع عيناه عن كتاب كان بصدد قراءته نظرت استنجاد، وابْتسمَتْ ورددت بابتسامة هو الآخر فاطمأنت واعتدلت في جلستها ووضعت السيجارة بين شفتيها المحترقتين وابتلعت الدخان واتبعته برشفة قهوة وبللت ريقها بجرعة ماء، لكن دون أن تفارق الرعشات أناملها.  

بعد هنيهات، سمع صوتا هزيلا ضعيفا مهزوما ومتعبا يسأله الولاعة خاصته، فوافق على الفور وأقفل الكتاب فاصلا بسبابته بين الصفحات حيث توقف والتي لم يقراها بعد، ثم وضع اليد اليسرى في جيبه وأخرج ولاعتة الحمراء.  لم يطلب منها مجالسته لكنها فعلت.

ـ السلام.

ـ عليكم السلام.

ـ هلا أعرتني ولاعتك إن كنت تملك واحدة؟

ـ بالطبع سيدتي.

ناولها الولاعة وبعد أن ولّعت، جلست دون إذن منه، فاستحيا منها ولم ينبس ببنت شفة. بعد برهة سألته الإذن بالجلوس.

ـ أمعك رفقة؟

ـ نعم، هذا الكتاب.

ـ لحسن حظك أنك تحب المطالعة.

ـ لكني من الحين إلى الحين  أرى العكس ياسيدتي.

ـ أتسمح لي بمجالستك؟

ـ أنت جالسة قبل أن آذن لك.

ابتسمت في خجل وبدت له جبال من الضنك في موجات صوتها، وعيناها قالتا الشيء ذاته، فالعين نافذة على الروح كما يدعي المدعون...      

ـ اشتقت إلى ابنتي علياء. 

ـ عفوا!!!  

طفلتي وصغيرتي علياء، تعيش الآن في إسبانيا. 

إبان ليلة من ليال أكتوبر، كان البرد قارسا، لكنه اشتد أكثر فأكثر حين هجرت منزل والدي القاطن بمدينة الناظور. وأنا أسير على غير هدى بين أزقتها الوسخة، تذكرت أمي الغائبة، بعدما شدت الرحال إلى حيث اللاعودة. ذهبت رفقة أحدهم إلى طنجة. نعم، طنجة، سأسافر إلى طنجة، في جيبي ما يكفي من الدراهم لركوب الحافلة الرائحة إلى هناك. الواحدة بعد منتصف الليل ستقلع الحافلة. انتظرت على جانب الرصيف لأستقل سيارة أجرة تقلني نحو المحطة الطرقية، لكن ولا واحدة تريد التوقف، في مثل الساعة تلك، يوثر سائقو الطاكسيات العودة إلى بيوتهم سالمين، إذ قبيل أيام قُتل سائق في أحد شوارع سلا على يد فتاة في العشرينيات من عمرها كانت برفقة صديقها الذي ظهر من العدم بعدما أوقفت الفتاة الطاكسي، وأشهرت سلاحا أبيض على السائق، ولما قاومهما، أردته قتيلا.

طاكسي، طاكسي... الحمد لله أنك توقفت. المحطة من فضلك. ربما لم يقرأ هذا صحف البارحة. 

كل الذئاب البشرية تترقب الفريسة وتترصد لها من بعيد وترمقها شزرا من الحين إلى الحين. لقد أخطأت، اخبرني كلب من كلاب الليل: الحافلة ستقلع في الخامسة صباحا. لست الفتاة الوحيدة بين هذا الجيش من الضباع الجائعة السائل لعابها والبارزة أنيابها، ففي ركن من أركان المكان، تجلس فتاة رائقة الجمال منهكة القوى، كحل رموشها تدفق على ضفاف عينيها الحوراوين، فتساءلت عما أودى بها إلى هذه الحال، أتُراها هجرت بيت والدها مثلي، أم أنها رغبت في الحرية والعيش دون قيود تعطي لحياتها معنى، كما يعتقد بعضهم، أن اللامبالاة هي قمة الحرية، وربي إنهم من المخطئين. فأن تكون حرا طليقا لا يعني أن تكون بلا وكر ولا عش.  

أقلعت الحافلة، ونفثت دخانها المتصاعد ليلطخ وجه الفجر. زاد الجوَّ قتامة ونفسي شجنا وإحساسا بالذنب والشفقة على ذاتي. حين أصدر المحرك صوته، توجست خيفة، فقد كان نذير الرحيل نحو العدم، أنا ما أنا عليه الآن، فماضي عدم قاتم قتامةً وحاضري عدم مجهول. 

العدم: لهذه الكلمة وقها على كل الأنفس البشرية أينما وجدت وكيفما كانت طينتها ومعدنها، فهي أصلنا، من رحمها خرجنا وإليها سنعود بلا ريب. كلمة واحدة تجعلنا نتخذ القرارات كل لحظة وحين، حتى نوقن أنفسنا أننا نتحكم في مقود حياتنا، وأننا مخيرون ولسنا مسيرين، لكننا لا ندري أن كل تلك القرارات رفض لاشعوري لهذه الكلمة في الأساس، ومواجهة لكل القُوى الخفية التي تضع الأوليات والنهائيات. 

سيروا في الأرض فلكم فيها مستقر ومتاع إلى حين، وبعضكم لبعض فيها عدو، فيها سنحيا وفيها سنموت. 

 

ألوذ بالفرار من كل الأشياء، وأتغاضى عن كل الخيالات الجامحة الكاسرة الممطِرة زخات الأسى المجتاح لفؤادي الغريب. أتساءل هل الرب موجود أم حاجتي للإيمان حتى حين يكون الإيمان مجرد فكرة غبية تتبادر إلى أذهاننا عنوة فنسميها "الخلاص" هي ما يدفعني للإيمان، نعم، هو كذلك، إذ بها نترك كل مآسينا جانبا، ومن ثم، نتحاشى الوقوف ندا لند أمام أنفسنا، نحن، البشر، ذلك الكائن الغبي الهش، من يتخذ سلحفاة أو صخرة أو امرأة إلاها يقدم إليه قرابينا جوفاء.    

أقلعت الحافلة الفارغة إلا مني ومن بعض الفتيات السائرات في درب الدنيا دون خارطة، وحفنة من التائهين. كل واحدة منا أرادت أن تخرق قانون ميل البشر للحصول على مساحة الحميمية، دفعنا الخوف للبحث عن بعضنا البعض وسط الحافلة، نظرية أن الكل عدو الكل لم تجد لها موطأ قدم هنا بيننا، إذ جلسنا مجتمعات في مؤخرة الحافلة على الجانب الأيسر، كانت مُعصرٌ جالسة أمامي، بينما فتيحة التفت في جلبابها الأزرق الداكن وأزالت نعليها الباردين وتكومت فوق الكرسي، وأدارت وجهها الصغير البهي نحوي وأفرجت شفتاها الصغيرتان على ابتسامة بريئة، فابتسمت لها، وشابكت أصابعها ونفخت فيهما ثلاث نفخات لتدفئهما، وقمت بالشيء ذاته من حيث لا أدري. 

ـ سأقتله.

ـ عذرا!!؟؟

ـ سأقتله لأنه حثني على السفر إليه وهجرت زوجي اللئيم، ثم بعض أيام معدودات تخلص مني كما يتخلص كلب مسعور من عظم، كنت أظنه رجلي الذي لطالما حلمت به، سلبني من نفسي وأوهمني أن الهرب هو السبيل الوحيد لنكون معا، فرش لي الأرض وردا وشمعا أحمر، أميز من الغيظ كلما تذكرت غبائي وسذاجتي.

قالت كلامها هذا بمرارة واضحة ثم شردت للحظات في صمت مدقع. حاولت أن أواسيها بيد أنني آثرت تركها وشأنها، بحيث الكفيل بمواساتها هو "الانتقام"، ليس ممن أودى بها إلى ما هي عليه الآن، بل من نفسها ومن كل رجل تصادفه، تمنحه جسدها وتغريه بمحاسنها، حتى إذا ألفها هجرته لتذيقه وبال أمره، و رغم ذلك فجراحها لن تندمل يوما.

بعد هنيهات انفجرت بكاء وصرخت صرخة مدوية كالبرق فأغمي عليها وسقطت أرضا...

 

محمد أرسلان، قاص ومترجم مغربي خريج مدرسم الملك فهد العليا للترجمة

 

30/07/2016