الطاكسي 44

كانت ترتدي جلبابا أسود، وحذاء أسود، وتحمل حقيبة يد سوداء. كانت سيدة في الأربعينيات من عمرها على ما يبدو، شعرها مثبت إلى الوراء.
حجبت عني عينيها، لذلك عجزت عن تعرف ملامحها بالكامل، كانت ممتلئة الجسم، وكانت أردافها بادية ونهداها بارزان، بدت لي غير مهتمة بجليسها، هو الآخر لا يعيرها أدنى اهتمام، إبانئذ خمنت وجود شنآن بينهما، أو ربما مارسا الجنس قبيل قليل فعافته وعافها، أو ربما كان سبب تلك اللامبالات غيرةٌ قاتلة. لعلها علمت بأمر العلاقة التي جمعته بإحدى صديقاتها المقربات، حين أحاطتها بذلك خبرا صديقة أخرى لها، "صفاء".
كانت تكتري غرفة بحي يعقوب المنصور بالرباط. صاحبة المنزل، الحاجة فاطمة، في الحقيقة لم تكن هي صاحبة المنزل، بل كان في ملكية ابنتها المقيمة بإيطاليا بعد أن تزوجت بفيديريكو الإيطالي الذي كان يملك متجرا بسيسيليا لبيع الملابس الداخلية النسوية والعطور الرجالية التي كانت تحمل اسمه والتي لم يكن عليها إقبال كبير.
الحاجة فاطمة كانت تقطن في "دوار الكرعة" غير بعيد عن منزل ابنتها المخصص للكراء. لم تكن تهتم قيد أنملة لما يصدر من شكايات سكان الحي جراء ما يقع في ذلك المنزل كلما أرخى الليل ستارة.
كان الحسين السمسار نحيف الجسم ومعاكسا للنساء ويحترف الكذب ليكسب قوت يومه الذي يكون دسما أحيانا، وكان من محبي "الروج" أو مُولْ لْبَادَرْ، كما يطلق عليه بعض السكرة.
يفْرِزُ الحسين عينات المكترين التي تهمه، عاهرات ليلية، وجنود عزاب التحقوا لتوهم بصفوف القوات المساعدة، وسائقو سيارات الأجرة، وبائعو البالي، وكل أولئك الذين يبحثون عن غرفة لا يمسهم فيها "لغوب".
تذكرت للتو أين رأيت المرأة الممتلئة صاحبة النظارات السوداء. إنها "إيمان" التي كانت تكتري الغرفة الموجودة في الطابق الأول فوق غرفة أولئك الطلبة الأجانب السذج الذين تلاعب بهم الحسين موهما إياهم أن المنزل هادئ وقد كان كذلك حين تفقدوه وإياه ذات صبيحة، لكنهم سرعان ما اكتشفوا انه يتحول كل ليلة إلى ادلهم الليل ونامت الأجسام وأطفئت الأنؤر.
كان جليسها ذاك سائق سيارة أجرة صغيرة، تعرف عليها ذات ليلة من ليالي نونبر حين خرجت ثملة من إحدى العلب الليلية بأكدال، فكان باديا للعيان أنها احتست من الكؤوس ما أفقدها وعيها، فساعدها على الصعود إلى غرفتها، وحين أراد الاستئذان بالرحيل همت به فهم بها ونالت منه ما ناله منها.
كانت تمارس الجنس بشراسة، تقبل صحراء صدره الجرداء بنهم بعد أن أزالت عنه معطف الكوير وفككت أزرار قميصه وأزالت حزام سرواله... تلك الليلة الخريفية كانت الحلقة الأولى للقاءات حبلى بالدفء، دفء جسميهما في لحظات تشاجرهما في طيات جوخ أبيض، كانت تضع عطر "أمور"، ألف قبلاتها التي تزحزح صفائح جسمه غداة تصدر أنينا يثيره إلى حد الجنون، وحين ينتفخ نهداها الثابتين وترتفع نبضات قلبها المدوية كصوت المدفع.
نعيمة، في ربيعها الخامس تراقبهما من خلال فتحة صغيرة في النافذة، كانت تقطن وحيدة في الغرفة المقابلة لغرفة إيمان، تعلم ساعة دخولهما ليلا، الرابعة صباحا، يوقظها صوت المنبه الحزين الخافت كأنين الليل الذي يختلط بأزيز سرير جارتها. تسمع صوت محرك سيارة الأجرة الصغيرة الزرقاء، والمفتاح حين يلج القفل وتعلم أنها إيمان برفقة سائق الطاكسي 44، تطلق العنان لخيالها، فترى اهتزازه على جسم إيمان، فتتلوى على فراشها كسمكة أخرجت من الماء للتو، تداعب جسمها الذي لا يزال محافظا على طراوته ونعومته والخالي من أي نتوئات، تطلق شعرها وسط ظلام الغرفة، حتى لا تثير الانتباه بنور المصباح، وتلامس شفتيها مصدرة صوتا خفيفا يثير الرغبة في من كان آنئذ يسمعها.
سمير كان يسمع أنينها الخافت المتوالي كحركة عقارب الساعة، كان بدوره يتخيلها راقدة أمامه، لم يكن ليستطيع أن يصارحها بما يسمع بالرغم من أنه أيقن نفسه بقدرته على أن يمنحها ما تريد وأنها هي الأخرى سترغب في وجود رجل يدفء سريرها.
الوحدة تقتلها، كم سيء أن تقوم بكل الأشياء منفردة، تشاهد التلفاز ليلا وحيدة، وتقلم أظافرها وحيدة، وتكنس غرفتها وحيدة، وتنام دون حمالة الصدر، وتبدأ في مداعبة نفسها وتتأوه وحيدة.
كانت تود لو تستفيق يوما على كلمات جميلة وقبلة صباحية تسقي ورود بستانها المثلث، وتفتح سراديب الفؤاد المتفرد بسكب دمائه في كؤوس الغسق ونمارق الفجر. تتذكر طفليها الصغيرين سحر ونبيل، وتذرف بعض الدمعات وحيدة.
كان سمير يسمعها في صمت.
ذات مرة، التقيا في السويقة بيعقوب المنصور، كانا يتناولان "الببوش" عند "بَّا عبد الرحمان اللحية" هكذا كان سكان المنطقة يلقبونه، حتى أن "الببوش" الذي كان يحضره يسمونه "ببوش اللحية" لشدة ما كان معروفا بين سكان المنطقة، كان أغلب زبائن "اللحية" من النساء والفتيات...
سألها سمير إذا ما كانت هي السيدة التي تكتري الغرفة المقابلة لغرفة إيمان في الطابق الأول، كان على دراية بذلك غير أنه آثر استدراجها للحديث بشكل غير مباشر.
ـ نعم، أنا هي، وأنت؟ لا شك تقطن بالمنزل نفسه، أو انك تتردد على احد أصدقائك أو صديقاتك هناك.
ـ لم تحيدي عن جادة الصواب في التخمين الأول.
ـ جيد، ما اسم..ك؟
ـ سمير، وأنتِ؟
ـ نعيمة، اسمي نعيمة.
ـ اسمك جميل.
ـ شكرا، هل تجاملني يا سمير؟
ـ لا، لست لذلك من الفاعلين، أقول الحقيقة. أنا أهوى البحث عن معاني الأسماء كما الورود. وأحيانا يتصادف أن تتلاءم الأسماء مع أصحابها، وأحيانا أخرى يطرأ العكس تماما.
ـ ماذا ترى في حالي؟
ـ لا أدري بعد، لكني أرجح القول الأول.
ـ في أي طابق في المنزل تقطن يا سمير؟ لأني لم أرك قط، أو علني لم أنتبه.
ـ في الطابق السفلي. تقاطعنا ذات مرة في الدرج حين كنت عائدة من العمل على ما أعتقد، بينما أنا تفقدت الغسيل المنشور في السطح. تعملين أليس كذلك يا نعيمة؟
ـ نعم. وصلنا إلى المنزل.
دلف سمير ونعيمة إلى الداخل وتفرقت بهم السبل، لكنه قبل أن تصعد الدرج سألها أن يلتقيا مرة أخرى، فردت: ربما.
توادعا بابتسامة. فصعدت الدرج ووضع هو المفتاح في قفل الباب الخشبي وأداره يسرة ودلف إلى الغرفة.
حين سألها تخيل أنه يعانقها على متن سريرها الذي يتسع للإثنين معا.
تخيلته هي الأخرى ممتطية جسمه النحيف وواضعة يديها على صدره الذي تتخلله بعض خصلات الشعر الخفيفة...
دخلت غرفتها وأقفلت الباب وولج هو الآخر إلى غرفته ثم أقفلا الباب...
محمد أرسلان
مترجم وقاص مغربي

22/07/2016