العائدون من تندوف.. صعوبات الاندماج السياسي وحالات نجاح نادرة

تكاد تتزامن انتفاضة مخيمات تندوف في أكتوبر 1988 وخطاب الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة عيد المسيرة في السادس من نونبر من نفس السنة أي سنة 1988، حيث تلقف الملك أسباب تلك الانتفاضة والتي انفجرت بسبب تفاقم الشرخ بين قيادات جبهة البوليساريو فيما بينها، وبينها وبين قاعدة سكان المخيمات، فأبرق الملك الراحل على وجه السرعة إعلانا تاريخيا، بأن الوطن غفور رحيم، حيث جعل باب استقبال العائدين والعفو عنهم مفتوحا، و لم يتوقف رسميا من تاريخه في وجه إرادة ورغبة من اختارالعودة، والتي توالت دون انقطاع.

 

أولا: خلفيات الوطن غفور رحيم تتقاطع والنوايا الشخصية

 

وبغض النظر عن الأسباب والخلفيات السياسية التاوية وراء إعلان العفو وتشجيع العودة، التي تنهي قانونيا حالة اللجوء، طبقا للفقرة الرابعة من المادة جيم من الاتفاقية الدولية المتعلقة باللجوء ، جنيف 1951، ونوايا المغرب لضرب حركة البوليساريو من الداخل ونخرها وإفراغها عن طريق جلب الأشخاص والقيادات والكفاءات والمعلومات، واستعمالها ضدها، ومواجهتها دوليا بمن ساهم أو شارك في صنعها وولادتها، والتي قد تكون تطابقت أو تقاطعت في حصول فعل العودة ، مع نوايا أو دوافع وطموحات شخصية، وكذا ذاتية أو ووطنية مشروعة من تلك الفئة من المواطنين، الذين آثرواالعودة وساندوا الوحدة والانضمام.

 

ثانيا: غياب سياسة وطنية واضحة تفشل قطف ثمار العودة وحسم النزاع

 

في مقابل ذلك فإن هذا الفعل والنوايا المضمرة والخفية وغير المعلنة من الأطراف لم تتحقق كاملة، فلا المغرب تمكن من إنهاء النزاع وحسمه لصالحه بسرعة مأمولة، ولا حجم العودة وأعداد العائدين، التي انتقصت من قيمة وقوة البوليساريو، التي بقيت محافظة على سجلها التجاري، كممثلة للاجئين، ولا وضع العائدين أغرى وحث بقيتهم في المخيمات على الانتفاضة أو الهروب ، وإجبار الجزائر وقيادة البوليساريو والمفوضية السامية لغوث اللاجئين والأمم المتحدة على إنهاء حالة اللجوء، وكذلك إنهاء المعاناة. ولا المجتمع الدولي يضع في الحسبان هذا العدد قيد التقديروالاعتبار.

 

وقد يعزى جزء من المشكل في سياسة المغرب والمتمثلة في عدم قدرته على تحويل تفوقه التكتيكي وفوزه المرحلي إلى تحول نوعي ونجاح استراتيجي، يضمن به الاندماج الحقيقي والفعلي للعائدين في محيطهم الاجتماعي وفي النسيج السياسي الوطنيي، بحيث يتحولون إلى فاعلين حقيقيين ومؤثرين فيه، ولا شك أن تحقيق ذلك لو تم ، سينعكس على بقية اللاجئين في تندوف، الذين اختاروا، او أجبروا، أو غُرر بهم من أجل اللجوء والفرار الى مخيمات تندوف.

 

فتكون النتيجة مزدوجة: التأثير إيجابيا في الداخل عبر الاستفادة من تلك الطاقات، السياسية والإدارية والعلمية والعسكرية وغيرها، كل واحد من المواطنين العائدين في مجال اهتمامه، وتكوينه واختصاصه، وستنعكس إضافاتهم في مشاريع التنمية الوطنية، وستساهم في وأد إحساس داخلي بالانفصال، ومن جهة أخرى تحويل ذلك النجاح والاندماج إلى حافز يحرك باقي الإرادات المترددة والمشككة في مخيمات تندوف ، لاختيار وسلوك طريق وسبيل العودة ، ومن ثمة إنهاء النزاع، وحسمه لصالح الوحدة الوطنية.

 

ثالثا: أسباب خارجية وداخلية

 

صحيح أن هناك عوامل كثيرة قد تكون تظافرت وحالت دون تحقيق تلك الغاية، والهدف والنتيجة، بين ما هو خارجي، و من صنع الخصوم ومناوراتهم، التي لا تتوقف، ولا تنتهي ، مثلما لا يتوقف عمل المغرب الدؤوب تحديا او استجابة لاحتوائها واستغراقها، حسب كل مرحلة أو طبيعة مناورة أو نوع فعل، و قد يجد المغرب ظهيرا له في تلك العناصر، التي مصدرها خارجي، ففوق طاقتك لا تلام، دون أن يتحرر من عبء النقذ والتقييم والسؤال فيما دون ذلك من أسباب.

 

وهكذا، فان سياسة تدبير عودة العائدين من المغاربة من مخيمات تندوف في النسيج الاجتماعي والاقتصادي ، لاشك أنها أبانت عن عجز جلي في تحويلها إلى عامل حاسم للنزاع لصالح المغرب، كما كشفت عن قصور سياسي بسبب غياب سياسة ومنهج واضح ومدروس، وهو ما أتاح الفرصة وفسح المجال لتسيير غير معقلن وغير مهيكل ولا مؤسس، سمته التخبط ، فتوالى هامش تراكم الأخطاء، يظهر ذلك من عدد المبادرات وعدد المؤسسات التي أُنشئت من أجل ذلك، دون ان تفلح، وانصرم كثير من الوقت فأهدرت الفرصة، وأفل نجم الطاقات وخاب إشعاعها، وعوضا أن تصبح سلاحا مضادا، فقد طالها التهميش وتشتكي الإقصاء والإهمال.

 

رابعا: أسباب داخلية تعيق اندماج العائدين العملية السياسية

 

أ: الولاء للقبيلة والعشيرة أكثر من الولاء للوطن والانضباط في الحزب

 

ومع أن الهدف من المقالة، ينحصر في حصر أسباب عدم انخراط العائدين في طرق أبواب السياسة والانخراط في النسق السياسي والانتخابي الوطني مبكرا، فإن ذلك يعزى لأسباب كثيرة مرتبطة في جزء كبير منها، إلى سيطرة الولاء للقبيلة والعشيرة في الصحراء، أثناء التصويت أكثر من الانتماء للوطن وأكثر من الانضباط والانخراط في إطار حزب سياسي، فغاب التنافس على البرامج ومقارعة المشاريع لفائدة توزيع الأماني والوعود، نتج عنها وجود مواطنين فاقدي الإرادة ومسلوبي حرية الاختيار، مكرهين بسبب الخوف، وأصبحوا رهائن طيعة بيد الكائنات الانتخابية في الإقليم.

 

ب؛ الغياب المادي عن المحيط والنظام الانتخابي يعقد الاندماج

 

وهذا المناخ لا يساعد العائدين، الذين فقدوا كل اتصال مع محيطهم الاجتماعي ومجالهم القبلي الأصلي، على الأقل منذ منتصف السبعينات إلى غاية تاريخ عودتها، مابين 1988 ، فما بعد تلك اللحظة التاريخية المفصلية من النزاع، أي بعد انقطاع فيزيولوجي مادي لا يقل عن خمسة عشر سنة، وهي مدة زمنية غير يسيرة، ومؤثرة سلبا في الزمن الانتخابي في غير صالح العائدين، فاحجموا بسبب ذلك أو ترددوا ركوب المحاولة والتجريب، وزاد من تعقيد الوضع وصعوبته، نظام الانتخابات آنذاك، يعتمد على الترشيح والتصويت الفردي، ناهيكم عن إحداث تقطيع انتخابي مزق تجمعات توحدها العشيرة أو القبيلة، فأصبح العائد بالاضافة إلى انقطاعه عن المجال غريب محيطه بعد عودته. وهو واقع وقانون لا يشجع على ممارسة السياسة، ولا ركوب منافسة الانتخابات.

 

ج: تحسين القاعدة القانونية يخفف من العراقيل ولا يعجل الاندماج

 

بيد، أن اعتماد نظام الانتخاب باللائحة، فيما بعد، ولئن خفف من حدة ووطأة التركيز على الشخص ، لفائدة الحزب والإطار والكيان السياسي. فإن هذا التعديل والتغيير في القاعدة القانونية وتطورها وتقدمها، لم يوازيه تغيير على واقع الحياة السياسية في شيء، إذ بقي تأثيرها محدودا في صالح الأحزاب الصغرى، دون أن يتعداه إلى تغيير في السلوك الانتخابي في الصحراء، حيث سيطرة عائلات على الدوائر والمجالس والبلديات والغرف المهنية، وغيرها من المجالس النيابية بصفة عامة.

 

وذلك، بفعل التقاء مصلحة الحزب الضيقة والتي تلاءمت مع هم ونفس مصلحة الكائن الحزبي في ضمان المقعد للأول والفوز للثاني، فلا يكترث الحزب لمن يزكي، ولا تهمه وشرعية وسائل كسب الفوز والنجاح، ولا تعنيه قانونية طرق سير الحملات الانتخابية، ولا يقيم وزنا لغير النجاح، ولو تطلب الأمر زرع الفتنة والشكوك والاستثمار فيها بإثارة النعرات القبلية والعشائرية، وخلق جيوش من الرجال والنساء يعلو صوتهم فوق صوت القانون مما يشكل تهديدا حقيقيا للسلم الاجتماعي.

 

ه: الوضع العام ينفر النخب من السياسة ولا يورطها في العملية الانتخابية

 

وقد أدت طبيعة هذه الأدوات المتقادمة، والأجواء الموبوءة ، والمنافسة غير الشريفة والقوانين المقصية والإدارة غير المحايدة والموظفين المتواطئين والمواطنين المكرهين، أدت ولازالت تؤدي الى نفور النخب الواعية من العائدين عن ممارسة السياسة، ودخول غمار المنافسة الانتخابية والانخراط فيه، وفضلت العزوف أو الابتعاد، وتوارى جزء كبير منهم ، واختفى كلية عن الظهور، والحال أن السياسة مجاله ووهواه . وبالمقابل فن ثلة قليلة وأسماء محسوبة على رؤوس الأصابع أصرت إلا ان تبقى عصية على الابتلاع وتأبى الاستسلام.

 

د: حالات استثنائية لشخصيات تأبى الاستسلام وتطارد النجاح وتقاوم النسيان

 

نراها حاضرة في المحافل الفكرية من مناظرات أو ندوات أو محاضرات ولقاءات، وتناضل من أجل بقاء الاسم لامعا والكيان والوجود قائما، وقد كان لي شرف المشاركة في نقاش مع ثلاثة منهم من مؤسسي قيادة البوليساريو من الخمسة الذين اختاروا العودة. ومنهم من يناضل من داخل أسلاك الإدارة، كعلي العظمي، عمر الحضرمي، الذي لم يسلم ، وهو خارج من محيط الانتخابات من نفوذ تلك الكائنات واللوبيات الانتخابية، حيث تم إعفاؤه واليا في هذه السنة على كلميم ، بعد سنة فقط من تعيينه انتصارا لرئيس المجلس البلدي بنفس المدينة، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

 

ومنهم البشير الدخيل الذي يعاني ويشتكي من فساد المناخ الانتخابي عامة، بسبب انعدام الشفافية، وعدم بناء وتكوين إرادة حرة، للمواطن والعنصر الأساسي فيها، الذي أصبح رهين وحبيس لقمة العيش، لدى الكائن الانتخابي الفتاك، سماته مواطن غير حر الإرادة ولا يتمتع بحرية الاختيار. في ظل إمكانيات وقدرات الدولة في السيطرة على كافة عوامل إفساد العملية السياسية والانتخابية، نقذية كانت أو عينية. و يرى البشيرأنه لا يمكن المراهنة على نجاح أي مشروع سياسي مهما كان، ما لم نبدأ بتحرير إرادة المواطن من قبضة هذه الكائنات الانتخابية، بضمان كرامته،لأنه الفاعل الأساسي. لا يمكن تجاوزه ولو بقواعد قانونية تقدمية.

 

وكما أن القاعدة لا يمكن تفنيدها ودحضها بمجرد ورود حالات استثنائية لنجاحات شخصية، فإن تألق و نجاح كجمولة بنت عبي في اختراق الحواجز والحصون السياسية خلال انتخابات 25 نونبر 2011، ودخولها البرلمان باسم حزب التقدم والاشتراكية، وعضوة بمكتبه السياسي، فإن ذلك تم بسبب اعتماد سياسة التمييز الإيجابي لصالح حضور النساء داخل المؤسسات النيابية، بما فيها البرلمان، حيث فازت رفقة ثلاث نساء أخريات عبر اعتماد اللائحة الوطنية للنساء.

 

الخاتمة

 

أخيرا، فإن المغرب مدعو أن يبادر مبكرا إلى تذليل العقبات وإزالة العراقيل التي تقف في وجه اندماج هؤلاء المواطنين وضمان انخراطهم في العمليات السياسية والانتخابية ككل، واستحضار منذ الآن فرضية واحتمال عودة اللاجئين القوية إلى أرض الوطن وإنهاء حالة اللجوء، وذلك عبر التمرين على كيفية ضمان اندماجها بدورها، درءا لاحتمال تصادمها مع مواطني الداخل في إطار الأفضلية والامتيار لأولائك في المخيمات، او لهؤلاء في الداخل، والحال أن ما نعيشه حاليا من تصادم هو نموذج مصغر لما قد يقع مستقبلا.

صبري الحو

 محامي بمكناس وخبير في القانون الدولي وشؤون نزاع الصحراء

24/08/2015