العبث

لماذا؟

تكلم بلا تحادق، لا تتفلسف، أجب على سؤالي...

خاطب نفسه معاتبا إياها، معتوه يتحامل على نفسه، يتنفس الصعداء بعد أن تسلق عمارة "العشاق" في شارع "العشاق" موجودة على الشوكة، يراقب من النافذة المارة، يجمع حبات الحصى من ساحة السلام، يضعها في كيس أبيض ويدسها في حقيبته الجلدية، البنية، المتقادمة، الثقيلة، تعبت يداه من حملها كل يوم، يعبر الطريق ذاتها سبعة أيام في الأسبوع، وسبع مرات كل يوم أحد، بقميصه الأبيض والوردي والأسود والبنفسجي والأخضر، وببنطاله الأسود والرمادي والبني والأبيض... من النافذة يطل على الشارع، يرمي المارين بحبات الحصى ثم يختبأ ويضحك، ثم يهم بتصحيح فروض التلاميذ، يلامس وجهه الأمرد، ويتساءل ترى لما لم تنبت لي لحية كثة، والدي ذو لحية كثة، ربما أشبه والدتي، لكن كيف يكون ذلك، فالطبيعي أن لا تنبت للنساء لحية، ما هذا الغباء، اللحية ليست من مقاييس الرجولة، الذكورة نعم، إذ ليس كل ذكر رجلا، يتخيل أنواع الحلاقة التي قد يطلبها من الحلاق، يتمنى تلذذ لحظة تمرر الموسة على وجهه ويسمع شقسقتها على خديه، يمرر يده على لحيته ويتحسر، ربما لهذا السبب لا الفت انتباه النساء، ولا واحدة اهتمت بي وأحبتني، كل اللائي كن معي كان لديهن دافع آخر غير الحب حتى ظننت أن نساء الكون كلهن متشابهات، كيف للحريم أن يحببن رجلا أعرجا، رأيت فيلما بطله أعمى وفيلما آخر بطله أعرج، لم يتعرض لحادث، بل ولد أعرجا، لكنها أرادته، رأت فيه شيئا آخر غير عيبه، أو ما نراه نحن عيبا، فغالبا ما يقاس الكمال بكمال الجسم وبهاء الوجه وحسنه وتمام الهيئة واكتمالها، دائما ما يكون في الرجل عيب، لكن امرأة واحدة لا تراه، الباقيات يرينه وينفرن منه، لذلك لم تخامره فكرة الزواج يوما، أو ربما تبادرت إلى ذهنه لكنه لم يوليها اهتماما كبيرا، صه، ما هذا الهراء، الزواج قيد وحبس قضبانه الإخلاص والتبات والتحلي بالنضج، رباه، هل من أحد يقنعه بالعكس، كلا، فمن الصعب القيام بذلك، ذات يوم كان في الطاكسي، مر من شارع علال الفاسي بمراكش، ورأى إعلانا فيه فتاة يانعة ترتدي فستان الزواج وتجر شابا على رأسه بعض خصلات من الشيب، بحبل لفته حول عنقه، كانت تبتسم، يا إلاهي، هل هكذا هو الزواج، لم يلتفت إلى ما كتب على اللافتة، لكنه تكهن أنها تتحدث على القروض المالية، القرض المالي كالمرأة، يجرك من عنقك ما حييت ولن تتخلص منه البتة، في تلك الأثناء وهو يتذكر الإعلان، غفل عن خطإ في ورقة من ورقات امتحان إحدى الطالبات، لكنه أعاد التصحيح مرة أخرى، كأنه ينتقم من كل النساء، وضع لها ملاحظات في التمرين المتعلق بمادة التخدير، يخدر النساء للقيام بعمليات جراحية لهن لتقليل الشحوم في أجسامهن، كلهن يردن الحفاظ على جمالهن، يقاومن الزمن، يأمرهن أن يزحن جانبا كل المجوهرات التي يرتدينها أثناء العملية، يحملق بأجسامهن، يرى الترهلات فيثرن رغبته، نحن الرجال نرغب في الاجسام الممتلئة والأرداف والصدور الخصبة، لا نحب الروح، يمكن أن يحدث ذلك، لكن نادرا، لم يرغب في دراسة طب التجميل، لكن القدر دفعه إلى ذلك، لكنه مومن يقينا أنه يحب النساء، ربما كان ذلك دافعا من الدوافع التي جعلته يسافر إلى فرنسا ليدرس الطب، طب التجميل بالضبط، لكنه أيضا يريد كسب المال، وفي هذا الميدان ربح وفير، كل النساء، المترفات منهن والفقيرات يردن الجمال، ينفقن الغالي والنفيس لبلوغ ذلك، النساء كالفودكا عنده سيان، في حاجة إليهن لتحلو الحياة (هكذا يخيل إليه) ينتشي برفقتهن، أغلبهن يفتتن به، (بالنوم معه) فهو طبيب مرموق ومشهور بحرفته التي يتقنها أيما إتقان، أغلب اللائي كن في عيادته يزرنه في منزله، يطهر جسمه الخالي من الشعر، بقامته القصيرة، عادة لا تلتفت النساء إلى قصيري القامة وضيقي الكتفين، لكنه استثناء لهذه القاعدة، زميلاته في فرنسا كن يقضين الساعات الطوال في رفقته، طريقة كلامه وتدقيقه في ملامحهن وكيف سيجعلهن فاتنات تروقهن، الفرنسيات الباريسيات جميلات، لكنهن يخفن من التعرض لحادث يشوه جمالهن، يشعرن بالأمان مع الطبيب، كما لو كان شرطيا سيقيهن من اللصوص والمنحرفين، يرغبن في أن يزداد جمالهن أكثر فأكثر، وينتهي بهن المطاف في فراشه، أو فراشهن، الجنس في فرنسا لا قيود أخلاقية أو دينية عليه، الكل ينام مع الكل، كأن الآزفة أزفت والكل يبحث عن خليله ليحتمي بأنفاسه ليلا ليبدد الشعور بالوحدة.

القطار نحو سلا يجري جري السهم نحو هدفه، ها هو ذا يتجول وسط القطار، لا رغبة له في الجلوس، فقط يريد أن يمشي، يحملق في وجه النساء، الفرنسيات يبتسمن كلما رمقتهن بنظرة إعجاب، أما المغربيات فلا، يكشرن في وجهك ويعبسن ويقمطرن، يرغبن في رفقة رجل لكنهن لا يستطعن التصريح بالأمر إلا خلسة وبإيماءة بالعين، من كان صيادا محترفا فيغنم بهن، ومن لا فلا. ها هو وسط القطار، بلباسه الكلاسيكي، ذكرني منظره بالأفلام التي تتناول فترات العشرينيات من القرن العشرين، من فمه تفوح رائحة الفودكا، لم يتغير، لا يزال على عادته، النساء كالفودكا، يهتف، النساء المغربيات، البيضاويات بالضبط، كالويسكي والفودكا، قاسيات لكن في قسوتهن حلاوة، يدوخن بجمالهن ولهجتهن البيضاوية، كيف عرف هو ذلك، فهو لم يعش قط في الدار البيضاء، لا يعرف ولا حيا واحدا، البيضاويات موجودة أينما حللت وارتحلت، حُلوات كالكرز، لا بل كالتين والزبيب، كلما تجعد ازداد حلاوة، كالخمر، كلما تعتق غلا وارتفع ثمنه أضعافا مضاعفة. "اللي بغيتها فيهم نديها، لفلوس موجودة" قال لصاحبه الذي يحاوره وعيناه حمراوان، الضابط جواد، كان يسألني من أين أنا، لكني أحملق في وجهه دون إجابة، وكان هو يسأله قل لي أولا من تكون أنت، لكنه يتحاشى الإجابة، هذا ما تعلم خلال تكوينه في كلية الشرطة بالقنيطرة، أو ربما تحاشى التصريح بهويته كمن خاف من لومة لائم غريب على خطإ ارتكبه مع زوجته.

إن عثرت على من تحبك فلا تهجرها، تزوجها وانعم بالحياة الطيبة، إياك والتفكير بشكل آخر، انا أقدم لك نصيحة على طبق من ذهب، لا تغدر ولا تخن، لا تزني ولا تتلاعب بقلوب النساء وأجسامهن، ما اسمك، نجيب، اسمي نجيب، جيد يا نجيب، هل توجد فتاة في حياتك، نعم، ما اسمها، اسمها نهاد، جميل، اسم جميل وحنون فيه نون النور وهاء الهدوء والف الأمان ودال الود، كلها خير وصدق. إياك أن تتركها أو أن تجرح لواعجها، كيف هو إحساسها؟ مرهف، مرهف جدا كالفراشات حين تتنقل على رحيق الوردات في صبيحة ربيعية منعشة مشمسة. ذكرني كلامه بكلام لالة حادة، امرأة طاعنة في السن تقرأ الكف، كانت تقطن على مرمى حجر من منزلنا، كثيرا ما كانت تزور أمي، لالة حادة تَغَرَّامْتْ أي صاحبة البركة. 

كانت تغرامت تحبني حبا جما، تقبل راحة يداي الصغيرتين كلما التقتني في الحومة وتدعو الله أن يحفظني من شر الخلق بنبرة صادقة، حتى حسبت يوما أنني مختار لمهمة إلاهية، أنها كلفت القمر بمراقبتي، فقد كان يتبعني أينما حللت وارتحلت، بيد أني علمت بعد سنوات أن من علامات تمركز الطفل على ذاته أن يظن في مراقبة القمر له، عجيب هو إميل دوركايم، حطم وهما كنت أعتقد لسنوات انه حقيقة ثابتة، لا شيء تابت إلا الأوهام، ترافقنا ما حيينا، والقليل منا من يرضى أن تتحول إلى هشيم، يلزم المرء منا الكثير من القوة لتقبل الحقيقة ومواجهة مخلفاتها النفسية التي تفتك بنا وتمزقنا كل ممزق. حين توفي والدي رحمه الله، التقتني لالة حادة ووجهت لي النصح أن أتسلح بالجلد والصبر، ثم سألتني هل حصلت على وظيفة، لأنها رأتني ممتلئ الخدين وحسن الهندام، أخبرتها أني مقبل على اجتياز الامتحانات لنيل شهادة الماجستير، طلبت مني مد كفي إليها ففعلت، وسألتني: هل في حياتك أنثى، كان سؤالا استنكاريا، كما لو كانت تعلم ما يدور في خلدي، للحظة تسمرت أمامها مستسلما لكلماتها، كنت أريد معرفة قدري كيفما كان لأستريح وأطمئن، أن تجهل قدرك، أو بالأحرى متى سيحين وقت فيه ستُقبل على اتخاذ قرار سيكون قدرك، جزء من الحياة، إن لم يكن مركزها، اختبار من اكبر الاختبارات التي وضعها الرب للإنسان، لكننا من جهة أخرى نكون كالمقامر، فإما أن تغامر دون أن تدري هل ستكون من الرابحين أم الخاسرين، أو لا تبرح مكانك فتشعر بالجبن والعجز عن رسم خريطة طريقك بيدك وقلمك الخاص وبالألوان التي تختارها. 

الموت ثم الفناء هو ما يعطي معنى للحياة، وكلما اخذ منك احد المقربين نظرت إلى الدنيا وتعاقب الليل والنهار بنظرة تختلف عن سابقاتها، إذ تفهم حينئذ قول الله تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو" حتى وإن كنت مفكرا أو فيلسوفا فأنت تلهو لتقنع نفسك بأنك قوي، الفرق الوحيد الحاصل هو أن بعضنا يلهو مع كتاب آناء الليل وأطراف النهار والآخر مع غانية، وبعضهم معهما معا، القهر إما يجعلك عالما أو ظالما، أما السعادة فلا تخرج إلا من رحم الأكدار، علني مخطأ فيما ذهبت إليه، لا يهم...

محمد أرسلان، قاص ومترجم مغربي خريج مدرسم الملك فهد العليا للترجمة

 

07/08/2016