تقرأ الدكتورة عائشة البصري، الناطقة الرسمية السابقة باسم الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، والخبيرة في شؤون الأمم المتحدة، قرار مجلس الأمن الأخيرة حول بعثة المينورسو، بخلفية العارفة التي سبرت أغوار لغة القرارت الأممية، حيث تبحث عن تداعيات الغموض في العبارة في القرار الأخير، وهو غموض يخفي هواجس لها علاقة برؤى الخمسة الكبار ورهاناتهم، كما ترشد، مستندة على خبرتها في مناطق النزاع في العالم، إلى المداخل التي يمكن أن تفتح أمام المغرب إمكانية إخراج هذا الملف من درج " القضايا المجمدة".. وهذا نص المقال الذي خصت به البصري موقعنا:

 ملاحظة لابد منها: إن النص الحرفي  لقرار مجلس الأمن  رقم 2285  لا يطالب الحكومة المغربية بإعادة للموظفين المدنيين التابعين لبعثة الأمم المتحدة (مينورسيو) الذين طردتهم في بداية مارس الماضي من الصحراء إحتجاجا على تصريحات الأمين العام لللأمم المتحدة  السيد بان كي مون و خرقه لمبدأ الحياد.إذ جاء القرار ل  " يشدد على الحاجة الملحة لأن تعود البعثة إلى أداء وظائفها كاملة" دون أن يذكر عودة الموظفين ودون أن يحدد مكان و زمان عودة البعثة إلى وظائفها.

 

القرار بين عودة الوظائف وعودة الموظفين

 

وبفضل غموض هذه الصياغة فإن أعضاء المجلس - بإستثناء الإتحاد الروسي - حولوا النقاش من الحديث عن الموظفين إلى الوظائف، مما أثار حفيظة الدول المعترضة على موقف مجلس الأمن الغامض و على رأسهم أوروغاي و فنزويلا اللذان عارضا القرار بشدة.

 

وفي هذا الصدد صرح مندوب الأوروغواي لدى الأمم المتحدة السيد روسيلي في الكلمة التي ألقاها خلال جلسة  يوم الجمعة 29 أبريل الماضي   المفتوحة و التي تم فيها التصويت على القرار 2285 بأنه "كان من الممكن أن يكون أسهل بكثير أن ندرج حكما ينص على شيء مثل 'يحث حكومة المغرب على أن تيسر فورا إعادة التشكيلة الكاملة لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية'". 

 

ثم أعاب السيد روسيلي على القرار كونه لم يوضح الجهة التي كانت وراء قرار طرد معظم الموظفين المدنيين و فضل المجلس أن ّ"يعرب عن أسفه لأن قدرة البعثة على الوفاء التام بولايتها قد تضررت لأن غالبية أفراد عنصرها المدني، بمن فيهم لموظفون السياسيون، لا يستطيعون أداء واجباتهم داخل منطقة عمليات البعثة."

 

ومن المعروف أن الغرض من أسلوب البناء إلى المجهول حين لا يكون الفاعل مجهولا هو تفادي ذكر من  قام بالفعل لسبب من الأسباب.  و السبب هنا هو عزم أعضاء مجلس الأمن الدائمين و إسبانيا على تفادي أي إصطدام مع الحكومة المغربية.  وهذا ما دفع السيد روسيلي لوصف الفقرة الثالثة و العشرين من ديباجة القرار ب" البيان الغريب" و أضاف ساخرا:"إن مجلس الأمن لا يفسر بأي حال من الأحوال الكيفية التي قد يكون نشأ بها عجز البعثة عن الاضطلاع بمهامها.وليس لدينا أي مؤشر على ما إذا كان السبب في ذلك هو الافتقار إلى الوسائل أو المعدات أو بعض العراقيل من جانب الموظفين، أو أن بلاء خطيرا - الإصابة بحمى الدنك أو فيروس شِيكُونْغُونْيا - قد نشأ للحيلولة دون قيامها بمهامها."

 

وفي موقف مماثل من ضبابية موقف المجلس إنتقد ممثل فنزويلا السيد راميث كارينيو "الصياغة الغامصة" للقرار 2285 الذي وصفه ب "قرار ضعيف".  ثم أضاف السيد كارينيو قائلا بأنه "كان ينبغي أن يدين القرار بشدة طرد المغرب الموظفين الدوليين من جانب واحد وأن يطالب بعودتهم فورا". ثم أعاب على  القرار كونه "لا يتضمن أي تدابير تكفل عودة الموظفين المدنيين إلى منطقة العمليات". أما عن مهلة 90 يوما التي منحها المجلس للأمين العام مطالبا إياه بتقديم إحاطة عما سيؤول إليه الوضع فإنه إستغرب قائلا: "تجدر الإشارة إلى أنها ستكون مجرد "إحاطة" و لا يتوقع أي إجراءات ملموسة"

 

بالفعل, فرغم مناورات السيد بان كي مون و ضغوطات منظمات المجتمع المدني المساندة لجبهة البوليساريو و الجزائر على الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا و فرنسا وإسبانيا على وجه الخصوص و رغم الجهود الخفية للجزائر للتأثير على روسيا فإن المجلس لم يدن طرد الحكومة المغربية  لموظفين أمميين واخرين تابعين للإتحاد الأفريقي و لم يطالبها  بإرجاعهم إلى مقر البعثة بالصحراء.

 

فلو أرادت مجموعة "أصدقاء الصحراء الغربية" التي احتكرت  صياغة هذا القرار  عودة الموظفين, للجأوا لأسلوب واضح يطالب من الحكومة المغربية إرجاع الموظفين المطرودين إلى منطقة العمليات و لحددوا ظرفا زمنيا معينا.  بل إن مجلس الأمن الدولي لم يخاطب الحكومة المغربية مباشرة  والتي لم يرد إسمها إطلاقا في أي فقرة من الفقرات الفاعلة الخمسة عشر من القرار.  بل إكتفى الأعضاء الخمس الدائمين بالحديث عن عودة الوظائف دون ذكر  الموظفين:و في توضيحها لموقف بلدها المؤيد للقرار  قالت السيدة سمنتا باور مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة: "هدفنا كان و لا يزال هو تأمين عودة البعثة إلى وظائفها كاملة و في أقرب وقت ممكن."  و في نفس السياق صرح مندوب فرنسا السيد ديلاتر في نفس الجلسة قائلا: "والآن، وبعد تجديد الولاية، يجب أن تتخذ في أسرع وقت ممكن خطوات من شأنها تمكين البعثة من تنفيذ ولايتها بالكامل، وتحديداً حل مسألة موظفيها، وخاصة العنصر المدني، التي كانت خلال الأسابيع القليلة الماضية موضوع مناقشة بين المغرب والأمين العام." 

 

و لم يحد مندوب المملكة المتحدة السيد ريكروت عن هذه الصياغة التي تركز على اداء الوظائف كاملة بعيدا عن الزمان و المكان: "فإن قرار اليوم يجب أن يمثل نقطة تحول في الجهود الملحة لتحقيق عودة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية إلى أداء عملها بالكامل".  

 

ثم جاءت كلمة مندوب الصين مختزلة في ثلاث فقرات وبإيجاز شديد كالمعهود لتؤيد "تمديد البعثة للسماح لها باستئناف كامل قدرتها على تنفيذ قرار المجلس في أقرب وقت ممكن".  أما  مندوب إسبانيا السيد أويارثون مارتشيسي فقد تحدث أيضا عن "ضمان عودة البعثة إلى أداء وظائفها كاملة وفي حالة تمكنها من الاضطلاع بولايتها بالكامل".

 

وجاء الإستثناء الوحيد المخالف  للصياغة الأمريكية لهذا القرار على لسان مندوب الإتحاد الروسي السيد سافرونكوف الذي تحدث عن عودة الموظفين بدون أن يذكر مكان العودة: " يجب إستعادة مهام البعثة بالكامل. وينبغي أن نعيد جميع الموظفين من أجل القيام بمسؤولياتهم في أقرب وقت ممكن."

 

و يعد تعديل نص مسودة هذا القرار و تلطيف لغته إنتصارا للدبلوماسية  المغربية على جميع المستويات، وهو يعود أيضا لموقف أعضاء مجلس الأمن من قضية الصحراء.

 

غموض القرار جزء موقف مجلس الأمن المراوغ تجاه الصحراء

 

ويرجع موقف الخمس الكبار هذا لكونهم يعتبرون أن إبقاء الوضع في قضية الصحراء على ما هو عليه أو ما يسمى ب  status quo    نجاحا دبلوماسيا في حد ذاته. إذ لا تشكل هذه القضية أولوية بالنسبة لهم في ظل النزاعات و الحروب المنتشرة و لا تتسم بمصلحة حيوية تجعل بعضهم يدفع تجاه حل مستعجل للنزاع.  و لذلك فإن قضية الصحراء تندرج تحت خانة الأزمات المجمدة و التي تسترعي حدا أقل من اهتمام  مجلس الأمن، شأنها شأن الصراع حول الحدود بين الهند و باكستان في كشمير و بين تركيا و اليونان في قبرص و بين السودان و جنوب السودان في منطقة أبيي.  و يفضل الخمس الكبار تجميدها لعقود كما هو الشأن في كشمير التي تنتشر فيه قوات حفظ السلام منذ 1948 أو قبرص التي تمكث فيع البعثة الأممية منذ 1964. ومن هذا المنظور فإن بعثة المينورسو مؤهلة للإستمرار لسنين بل لعقود إذا لم يتحرك أطراف النزاع لإخراجها من دائرة النسيان، وهو الشيء الذي قامت به الحكومة المغربية مؤخرا.

 

لقد جاء القرار 2285 ليكرس منطق  الغموض و التناقض الذي إتسم به موقف الخمس الكبار و إسبانيا تجاه قضية الصحراء خاصة منذ أن تبين لهم بأن مشروع الإستفتاء بات شبه مستحيل منذ سنة 2004 و بأن الحكومة المغربية لن تتزحزح عن رفضها لأي تسوية تتضمن مشروع إستقلال في حين أن جبهة البوليساريو تصر على هذا الخيار في إطار حق تقرير المصير.

 

مأزق تعكسه  قرارات مجلس الأمن التي تدعو في نفس الوقت وفي نفس الجملة  إلى "حل سياسي عادل و دائم  ومقبول للطرفين، يكفل لشعب الصحراء الغربية حق تقرير مصيره" مع العلم بتعارض و تضارب شقي هذا الحل.

 

فمنذ أن طرحت الحكومة المغربية على مجلس الأمن مقترح حل قضية الصحراء في إطار الحكم الذاتي، صدر عن  المجلس القرار 1754 في أبريل 2007 الذي "رحب  بالجهود المغربية المتسمة بالجدية و المصداقية و الرامية إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية."   و شكل هذا الموقف أساس كل قرارات مجلس الأمن منذ ذلك الحين التي تدعو لحل سياسي.

 

وهكذا إستمر  مجلس الأمن عبر القرارات ذات الصلة التي إعتمدها خلال التسع سنوات الماضية وهو يكرر كل سنة لغة و منطق القرار 1754 المبني على تصالح موقفين لا يتصالحان و يدعو لحوار يطالب فيه المغرب و الجبهة بالشيء و نقيضه و يصمت عن دور الجرائر المحوري في حرب بالوكالة و يدعو لحوار موضوعي دون أن يحدد معنى المفاوضات الغير مشروطة التي ما فتيء يدعو إليها.

 

ومع شروع المغرب في  تنزيل مخططاته التنموية و الإدارية على أرض الواقع بدأ يظهر الى العلن تباين مواقف الفاعلين الدوليين في الملف.  وهكذا لاحظنا التحركات الدبلوماسية الفرنسية لتعديل مشروع القرار الأمريكي الذي أزعج الحكومة المغربية في حرص منها على تجنب  أي صيغة تثير حفيظة المغرب أو الجزائر وإن كان هذا حساب إثارة غضب جبهة البوليساريو من حين اخر.

 

لا شك أن قضية الصحراء تكتسي أهمية بالنسبة لفرنسا ،وإلى حد كبير إسبانيا، أكثر من اي بلد اخر نظرا للقرب الجغرافي و التاريخي و تداخل الأمن المغاربي مع أمن هذين البلدين.  و لذلك ففرنسا وإسبانيا حريصتان على تصالحهما مع المغرب و الجزائر ليس فقط للحفاظ على مصالحهما و إمتيازاتهما الإقتصادية و تعاون المغرب في ما يسمى بالحرب  ضد الإرهاب، بل خوفا من تداعيات إنفجار أزمة بين البلدين على أمن الجارتينن الأوربيتين بما في ذلك تدفق اللاجئين.  فنظرا لوجود ملايين الفرنسيين من أصل مغربي و جزائري بالإضافة إلى الطلبة و المهاجرين من البلدين على أراضيهما، و بشكل أكبر في فرنسا،  فإن ما تخشاه فرنسا تحديدا هو تصدير الأزمة إلى التراب الفرنسي إذا ما خرجت القضية عن سلميتها و دخلت الجزائر علنا أو بالوكالة عبر البوليساريو في صراع مسلح ضد المغرب خاصة و أن البلدان يتصدران الدول الأفريقية فيما يخص شراء الأسلحة من الخمس الكبار بما فيهم فرنسا.

 

و هذا ما يجعل فرنسا أيضا تحاول إبقاء الجزائر في خلفية الصراع دون أن تضغط عليها في ملف إحصاء اللاجئين أو السماح بوجود "جمهورية صحراوية" على أراضيها في إنتهاك واضح للسيادة الجزائرية في الوقت الذي تعمل فيه جاهدة على عدم إثارة غضب المغرب بأي شكل من الأشكال.  ولذلك يصعب على فرنسا و إسبانيا أن يذهبا أبعد من  الحفاظ على سياسة لا حرب و لا سلم في الصحراء و إبقاء بلديهما على نفس المسافة من المغرب و الجزائر و مسك العصا من الوسط. 

 

لكن رغم تنوع المصالح و المسافات التي يقف فيها كل عضو دائم من أعضاء مجلس الأمن من المغرب فإنهم متفقون على أمر واحد: إبقاء قضية الصحراء في خانة الأزمات المجمدة إلى أن تنفجر بمفردها أو يصل أطراف النزاع إلى حل توافقي أو يتم توظيفها في المسقبل من طرفهم بما يخدم متغيرات سياساتهم  الخارجية في المنطقة و التي تتسم بالتقلب و البراغماتية.

 

و نظرا لخطورة إطالة نزاع الصحراء و إبقائه في حالة المجهول، فلقد ذكرت خلال الشهادة التي أدليت بها أمام أعضاء لجنة الخارجية بالكونغرس الأمريكي بواشنطن يوم 13 أبريل الماضي كيف أوشكت زيارة بان كي مون الأخيرة للمنطقة أن تشعل فتيل الحرب مما أوضح بأن الأزمات المجمدة هي قنابل موقوتة سواء تعلق الأمر بكشمير، قبرص أو الصحراء.  كما حذرت من خطر حفظ الحروب و إطالة أمدها عبر بعثات حفظ السلام بلا سلام و دعوت إلى مراجعة الإطار العام لبعثات الأمم المتحدة بحيث يصب مجلس الأمن جهوده على إحلال السلام في مناطق النزاع قبل أن يبعث بحفظة السلام إليها.

 

بعض الخيارات المغربية

 

و لأن مجلس الأمن الدولي و إدارة حفظ السلام االأممية لتي تحتكر إدارتها فرنسا منذ 1997 ،يعيشان أسوأ أزمة عرفتها المنظمة السبعينية نظرا لفشلهما الذريع في توفير الأمن و الإستقرار عبر العالم ،خاصة في أفريقيا، فإنني لم أستغرب  لمحاولتهم الإبقاء على ولاية بعثة المينورسو عبر  قرار الغموض  2285،  و لو إقتضى الأمر إعادة الوظائف دون الموظفين.  وبفضل اللبس و الإبهام اللذان جاء بهما هذا القرار  يبدو أن الحكومة المغربية تتمتع بهامش لا بأس به من الحرية لتقرر خطوتها المقبلة.  و أرى أن هناك على الأقل ثلاث خيارات يمكن للدبلوماسية المغربية أن تنتقي منها الأنسب للتعاطي مع الوضع الحالي في الصحراء:  

 

1- إعادة كل أو جزء من الموظفين المدنيين:  يشكل هذا الخيار موقفا توافقيا  رغم انه  قد يساهم في تكريس وضع النزاع وإطالته بما يخدم مصالح الخمس الكبار و الجزائر . و قد يضعف صورة الديبلوماسية المغربية و يشجع مطالب منظمات المجتمع المدني الأوروبي و الأمريكي للضغط أكثر في اتجاه العودة لخيار إجراء إستفتاء يتضمن إمكانية الإستقلال.  لكن حسب تصريحات الحكومة غداة طرد الموظفين المدنيين، يبدو  بأنه لا رجعة في هذا القرار.

 

2- عودة الوظائف بأكملها:  قد يبدو هذا الخيار غريبا للعموم لكنه بإمكان المغرب الإستناد إلى حرفية القرار 2285، وإبقاء الموظفين المطرودين خارج البلاد و السماح لهم بممارسة وظائفهم من بعيد.  وإذا مالت الحكومة نحو هذا الحل فلن تكون المرة الأولى التي يظطلع فيها موظفون أمميون بوظائف مهمة خارج البلد المضيف.  فحين إلتحقت ببعثة الأمم المتحدة السياسية لمساعدة العراق (يونامي) في أبريل 2005 كانت البعثة تباشر جل أعمالها من مكتبها في الأردن و تقدم دعمها اللوجستي من قلب الكويت بعد تفجير مقر البعثة في سنة 2003.   بل حتى لما قررت البعثة نقل جل موظفيها إلى بغداد في غضون 2010 –وكنت من بينهم- فإن معظمنا لم يكن يغادر المنطقة الخضراء ببغداد.  ثم حين اضطرت الأمم المتحدة إلى سحب حفظة السلام من الصومال في أبريل 1995 أنشأت مكتبا سياسيا باشر أعماله في إطار نفس البعثة إنطلاقا من نيروبي عاصمة كينيا المجاورة.  و من المعروف أنه بين الفينة و الأخرى تضطر الأمم المتحدة لإجلاء موظفيها المدنيين إلى قبرص حيث يواصلون عملهم بعيدا عن مناطق العمليات. 

 

وبما أن السيدة باور و غيرها من ممثلي الدول الأعضاء الحاليين، أصروا على مواصلة البعثة لتقديم التقارير السياسية حول عمل البعثة فإن هذا لا يستدعي تواجدهم بالصحراء مادامت هذه التقارير تعتمد على مصادر مفتوحة ومتاحة عبر وسائل الإعلام و منظمات المجمتع المدني، بالإضافة إلى لقاءات البعثة و تواصلها مع السلطات المغربية التي يمكنها أن تتم خارج المغرب، سواء كان الأمر في لاس بالماس أو نيويورك،بل يمكن إجراء هذه اللقاءات  عبر خدمة سكايب أو غوغل أو غيرها من تقنيات التواصل الحديثة.  أما فيما يخص الوظائف المتعلقة بتعزيز تدابير بناء الثقة بين الطرفين فإنها تندرج تحت المهمة المنوطة بمبعوث الأمين العام للصحراء السيد كريستوفر روس. وإن كان هذا الخيار يتيح للمغرب فرصة الإستجابة الحرفية لمطلب مجلس الأمن و يضعف أداء بعثة المينورسو على نحو قد يضمن حلها في الأمد المتوسط أو البعيد، فإنه لن يدفع بتسوية النزاع في أقرب وقت لأنه يكرس ولاية البعثة التي تتمحور حول الإستفتاء.

 

3- طرد ما تبقى من الموظفين المدنيين وتقديم طلب بمراجعة ولاية البعثة:  قد يتخوف البعض من ذهاب المغرب إلى هذا الحد و يعتبره تصعيدا خطيرا خوفا من رد فعل مجلس الأمن ، لكن هذا الحل جد مشروع و ينسجم مع إطار عمل بعثات حفظ السلام التي تقوم على ثلاثة مباديء أساسية: موافقة الأطراف المعنية على إنتشار موظفي البعثة على أراضيها أو الأراضي التي توجد تحت سيطرتها، وعدم التحيز، وعدم استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس.  و بناء عليه فإنه من حق المغرب أن يسحب موافقته على إنتشار كل البعثة أو جزء منها متى شاء ودون أن يتعرض لإجراءات عقابية لأن بعثة المينورسو تندرج تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي يعنى بالتسوية السلمية للنزاعات و يقوم على موافقة الأطراف المعنية.  و من حقه أيضا أن يطالب بمراجعة ولاية البعثة بحيث تقتصر على الإشراف على وقف إطلاق النار.  ثم يجب التذكير بأن شرط موافقة البلد المضيف هو ما دفع حكومة التشاد إلى طرد بعثة الأمم المتحدة بعد أن قدمت طلبا إلى الأمين العام بإنسحاب قوات بعثة المينوركات في 2010، مما إظطر مجلس الأمن إلى إنهاء مهمة البعثة دون أية إجراءات عقابية.  و يبقى هذا الخيار هو الأمثل إذا ما أرادت الحكومة المغربية طي مشروع الاستفتاء وفرض مشروع الحكم الذاتي كحل واحد على طاولة المفاوضات.  لكن تداعيات هذا الموقف مرتبطة بمدى التحول الحاصل في تحالفات المملكة و مدى صلابتها.

 

ولذلك فإن وعي أعضاء مجلس الأمن الدائمين بحق المغرب في ممارسة سحب موافقته إذا ما شاء وخوفا من أن يخل هكذا قرار بحالة لا سلم و لا حرب التي يريدونها لكل من المغرب و الجزائر، فإنهم إستجابوا لتحركات الدبلوماسية المغربية و لطفوا لهجة القرار 2285 للحفاظ على إستمرار البعثة إلى أجل غير مسمى.  

 

20/05/2016