لازالت أزمة الأساتذة المتدربين ترخي بظلالها على الحياة السياسية المغربية بين مستنكر للمرسومين و مدعم لهما. و قبل الحديث عن الحل الممكن لابد من مناقشة السياق الذي جاءت فيه هذين القرارين الوزارين.ففي الوقت الذي انفتح فيه التعليم المغربي على القطاع الخاص،أصبح من الضروري أن تتوفر هذه المؤسسات الجديدة على مواردها الخاصة في الوقت الذي كانت تعتمد فيه على الأساتذة المشتغلين في التعليم العمومي مما خلق أزمة بين الوزارة و هذه المؤسسات عندما لوحت الوزارة بإمكانية منع الأساتذة الذين يعملون في القطاع العمومي. مما أثار حفيظة الطرفين الأساتذة العموميين و المؤسسات الخصوصية.
يرى البعض أن فئة كبيرة من الأساتذة الذين يشتغلون بوزارة التربية الوطنية و آخرين يعملون بمؤسسات التكوين المهني أنهم يكونوا أكثر لطافة و حيوية و نشاط داخل القسم عندما يعملون في المؤسسات الخاصة و بالمقابل فإنهم لا يعملون بجد عندما يعودون إلى حصص الدرس العمومية لاستراحة فوق المكاتب أحيانا مادام أن الراتب مضمون في نهاية الشهر عكس المؤسسات الخاصة التي يؤثر رأي التلميذ أو المتدرب على مستقبل الأستاذ بالمؤسسة. ناهيك عن الغياب المتكرر لبعض الأساتذة أثناء حصص الدرس العمومي.هذه الوضعيات غير الصحية في المنظومة التربية حذت بالبعض إلى المطالبة بمنع كل الأساتذة الذين يشتغلون بالقطاع العام من العمل في القطاع الخاص و التفرغ كليا للدرس العمومي، بيد أن الحس التربوي يظل غائبا لدى البعض بالرغم من المراقبة و تجدهم أحيانا يعملون في قطاعات أخرى لا علاقة لها مع التعليم كإنشاء شركات باسم الأقارب أو تسيير بعض المشاريع التجارية.و هذه الفئة هي الأخطر على التعليم لأنها تعتبره مهنة ومصدر عيش لا أقل و لا أكثر.
هناك أيضا مآخذه أخرى لدى البعض حول أساتذة التعليم العمومي و يتعلق الأمر بإرسال أبنائهم إلى المؤسسات الخاصة و الخارج و ليس العمومية مما يساءل ضمير هؤلاء حول نوعية التكوين الذين يقدمونه لأبناء الطبقة الكادحة التي لا تقدر على دفع مصاريف التدريس الخصوصي. و هناك حديث شريف رواه الشيخان يقول" لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" و إذا كان الأستاذ يؤمن أن التعليم العمومي فاشلا و أن البضاعة التي يقدم فاسدة فعليه إما أن يسعى إلى إصلاحه أو التخلي عن الوظيفة و عدم تسويق بضاعة فاسدة حسب ما معمول به أخلاقيا.كل هذه التعثرات دفعت المسؤولين للبحث عن حلول للرفع من جودة المدرسة العمومية في أفق تقليص الفوارق الطبقية الناشئة، لكن الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن.
حال الأساتذة المتدربين يتطلب حلا عاجلا اليوم حتى تعود المياه إلى مجاريها و يجب أن ينظر إلى القضية من زوايا متعددة قانونية و اجتماعية و اقتصادية و إنسانية لأن ميزانية البلد تهدر كذلك دون تحقيق النتائج المرجوة في حالة التعنت. و الكل يريد الوظيفة العمومية لاقتناعه بأهميتها و يمكن القول أن التدريس في المؤسسات الخاصة ليس بالسهل لأنه يتطلب الكفاءة و الاجتهاد و حسن التعامل و القابلية للخضوع. و هذا هو الشبح الذي يخوف الكثيرين خصوصا أنه لا توجد نقابة خاصة بالأساتذة الذين يعملون في القطاع الخاص يمكنها أن تدافع عليهم في بعض الحالات الشائكة. و بالرغم من ذلك فهناك أساتذة ناجحون و لديهم دخل شهري مهم أفضل من نظرائهم في التعليم العمومي.
و للخروج من هذه الأزمة يمكن للحكومة توظيف هؤلاء الأساتذة المتدربين عبر دفعتين بما أن المناصب المالية غير متوفرة لجل المتدربين على أن يتم قبول الأوائل منهم في التكوين في الدفعة الأولى و أن يعمل ما تبقى في الدفعة الموالية. و بالتالي يكون هذا آخر فوج يعمل مباشرة في القطاع العام و أن يطبق المرسومين على الأفواج القادمة من المتدربين و أن يتم إخبارهم في إعلان المبارة بمضمون المرسومين و مطالبتهم بالإشهاد على التزام قانوني مصادق عليه من طرف السلطات بمضامين المرسومين القاضين بفصل التكوين على التوظيف و بالتالي سيطوى الملف إلى الأبد لأنه في آخر المطاف هؤلاء المتدربين إخواننا و أصدقاؤنا و أبنائنا و لا يجب أن نقسوا عليهم.

عبد المجيد المدني

08/01/2016