لا أحد كان يتوقع قبل أكثر من نصف قرن، أن أوروبا التي ظلت تعيش على إيقاع الحروب والصراعات الطاحنة على امتداد سنوات عديدة، ستؤسس لتجربة واعدة في التنسيق والتكتل، تتوارى خلفها النزاعات والخلافات الضيقة لتفتح الباب على مستقبل مشرق تصنعه الشعوب يحيل إلى التنمية والممارسة الديمقراطية.

لا شك أن مرارة الظروف التي مرّت بها أوروبا، وما رافقها من مآسٍ إنسانية وبيئية واقتصادية، كان لها الأثر الكبير في استجلاء الدروس والعبر من مجمل الحروب المدمرة التي لم ينتصر فيها أحد أصلاً، على اعتبار أن نهاية كل حرب ما هي إلا بداية حرب وانتقام جديدين.

رغم التنوع والاختلاف الذي يميز القارة الأوروبية دينياً وثقافياً ولغوياً، ورغم محطات الحروب التي تميز تاريخها، فإنها استطاعت أن تراكم تجربة متميزة على الصعيد العالمي في مجال التكتل الذي تجسده تجربة الاتحاد الأوروبي، فهذا الأخير انطلق متدرّجاً ومتواضعاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ليؤسس لمفهوم جديد للتعاون والتنسيق وللأمن الإقليمي في صورته المنفتحة، قبل أن يتحوّل الرهان مع توالي المكتسبات إلى الوحدة الأوروبية التي عزّزها الكثير من الاتفاقيات والتشريعات والتدابير الداعمة للعمل المشترك على مختلف الواجهات..

فهذا التكتل سيسهم في دعم التحول الديمقراطي في مجمل دول أوروبا، كما أنه سيسمح بوضع إطار للتنسيق وتبادل الآراء والمواقف إزاء مختلف الإشكالات والقضايا الخلافية التي طالما شكلت في الماضي حطباً مغذّياً لكل النزاعات والأزمات التي أصابت أوروبا.

ظل هاجس البناء المغاربي حلماً لدى الأجداد؛ وهو ما يعكسه حجم التنسيق والتعاون بين حركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار الذي شهدته الدول المغاربية، وكذا الاجتماعات المتتالية بين زعماء الحركات الوطنية المغاربية على طريق تحقيق هذا الرهان الاستراتيجي.

ويبدو أن رموز حركات التحرر ومهندسي الاستقلال في المنطقة، كانوا واعين بأهمية التعاون والتنسيق لمواجهة تحديات مشتركة؛ سواء ما تعلّق منها بمجابهة المستعمر ومخططاته الهدامة؛ أم ببناء دول قوية في منطقة حبلى بالإشكالات والمخاطر. كما أنهم استوعبوا مبكراً حجم القواسم المشتركة والمقوّمات الداعمة لبناء مغاربي قويّ، في أبعادها الثقافية واللغوية والحضارية والجغرافية والتاريخية.

بدأت أولى الخطوات الساعية لبناء اتحاد مغاربي في منتصف القرن الماضي (سنة 1947) خلال اجتماع ضمّ عدداً من قادة المقاومة المغاربيين في القاهرة، وتعززت هذه المحاولات باللقاء المهم الذي انعقد بمدينة طنجة (شمالي المغرب) سنة 1958 وضمّ عدداً من الأحزاب الوطنية المغاربية (جبهة التحرير الوطني الجزائري، والحزب الحرّ الدستوري من تونس وحزب الاستقلال من المغرب) وقد شكل مناسبة لرسم الأسس والمبادئ الأولى لبناء الاتحاد؛ ممّا مهد الطريق لإحداث اللجنة الاستشارية للمغرب العربي سنة 1964 التي حرصت على إعداد الأجواء المناسبة لتعزيز «الوحدة والاندماج» في مختلف المجالات.

توجت هذه الجهود بإبرام معاهدة الاتحاد المغاربي بتاريخ 17 فبراير/شباط من عام 1989، التي خلفت آمالاً واسعة في أوساط شعوب المنطقة، ومنذ ذلك الحين شهد مسار الاتحاد مداً وجزراً، فيما ظلت الحصيلة بشكل عام من دون التطلعات ومن دون التحديات والمخاطر المحيطة بالمنطقة في أبعادها التنموية والأمنية والاجتماعية.

ثمّة مجموعة من العوامل المحفزة على تفعيل الاتحاد المغاربي، وتعزيز العلاقات بين أعضائه على كافة المستويات، فعلاوة على المقومات البشرية والطبيعية والثقافية والاجتماعية والتاريخية.. تواجه دول المنطقة مجتمعة الكثير من التحديات الداخلية والخارجية في أبعادها الاقتصادية والأمنية.. التي تتطلب اليقظة وتجعل من الاندماج والتكتل ضرورة ملحة.

إن كسب هذا الرهان يقتضي الالتفات إلى المشترك المغاربي بكل مكوناته؛ وإلى ما يواجه المنطقة من تحديات ومخاطر لا تستثني أحداً. فالإرهاب ينتعش ويتمدد عادة في مناطق التوتر والحدود المغلقة.. كما أن التدخل الأجنبي في الأغلب يستثمر حالة التشرذم بين الدول لتنفيذ مشاريعه، وتحويل موازين القوة التفاوضية لصالحه.

في مقابل الحروب الإعلامية المبتذلة التي يسقط فيها البعض، هناك مبادرات مغاربية بنّاءة في مختلف المجالات الفنية والرياضية والثقافية والاجتماعية والفكرية لا يكتب لها الترويج والمواكبة.. فهناك شخصيات مغاربية في العلم والسياسة والفن والفكر لا تتوقف عن التواصل والتنسيق خدمة لقضايا المنطقة.. وعلى امتداد هذه الأخيرة تنتشر أيضاً مراكز علمية ومنظمات مدنية تشتغل في الظل.

تفرض المرحلة الراهنة بكل إشكالاتها وتحدياتها إبراز المشترك المغاربي، ودعم كل المبادرات البناءة الداعمة لهذا التوجه، وتجاوز السجالات الضيقة، وهي مهمة تتقاسمها دول المنطقة، إضافة إلى مختلف الفعاليات من أحزاب سياسية وجامعات ومراكز علمية، وجمعيات مدنية ونخب مختلفة وإعلام.

تفرض المرحلة الراهنة بكل إشكالاتها وتحدياتها إبراز المشترك المغاربي، ودعم كل المبادرات البناءة الداعمة لهذا التوجه

 

إدريس لكريني

 

27/08/2016