يُجْمع محللون على أن تحولاً كبيراً طرأ على توجهات الدبلوماسية المغربية في الفترة الأخيرة. تحولٌ يتمثّل في انتقال المغرب من موقع دفاعي إلى موقع هجومي، ويتجلى في علاقات المملكة مع العديد من القوى والبلدان الوازنة في العالم. يتعلق الأمر إذاً بتبني أسلوب دبلوماسية ردة الفعل، وهي خطوة لا تعبّر عن إرادة المغرب بإجراء تغيير استراتيجي في سياسته الخارجية بقدر ما تعبّر عن درجة استيائه من تطورات خاصة بملف الصحراء الشائك، ولا تتلاءم مع مصالحه.

 

برز إضفاء طابع صارم على الدبلوماسية المغربية، بشكل أساسي، في قرار الرباط تعليق اتصالاتها مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بسبب قرار محكمة العدل الأوروبية الرامي إلى وقف استيراد المواد الزراعية الآتية من منطقة الصحراء. وتعزز هذا التوجه الدبلوماسي الجديد للمغرب في خضم الأزمة التي حدثت أخيراً بين الرباط والأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، على خلفية تصريحات الأخير وحديثه عن "احتلال الأراضي الصحراوية". لم تتوان المملكة عن مهاجمة بان بشدة، كما طردت الموظفين المدنيين من "بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية" (مينورسو).

 

وتتعدد المواقف التي تظهر أن المغرب قرر القيام بردود فعل قوية، بخلاف ما كان معهوداً سابقاً، في سياسته الخارجية. أبرز هذه المواقف التي باتت ترمز إلى هذا التوجه الجديد، والتي يرى مراقبون أنها تبقى من اختصاص المؤسسة الملكية، ما ورد في خطاب العاهل المغربي، الملك محمد السادس، بمناسبة القمة المغربية الخليجية التي انعقدت في أبريل/نيسان الماضي، إذ شدد في حينه على رفضه المناورات "التي تحاك ضد المغرب".

 

ورداً على تقرير وزارة الخارجية الأميركية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في المغرب، والتي وصفتها بـ"المتردية"، معتبرة أنها ناجمة عن فجوة بين ما هو نظري في الدستور وما هو واقعي على الأرض، أكدت الحكومة المغربية أن الرباط "لا تقبل دروساً في حقوق الإنسان من أي جهة كانت"، قبل أن تقدم على استدعاء السفير الأميركي في الرباط، دوايت بوش، لإبلاغه "الاحتجاج المغربي".

 

وفي موازاة تعدد المؤشرات التي تبرز توجه السياسة الخارجية للملكة نحو "الهجوم" والتفاعل مع الملفات الحيوية في أجندة الدبلوماسية المغربية، باتت الرباط تحرص أيضاً، في خضم التوتر الذي يسود علاقاتها مع الإدارة الأميركية الحالية، على تنويع شركاء المملكة، وعدم الاكتفاء بحلفائها الأوروبيين التقليدين. ويفسر هذا الأمر توجه المغرب نحو روسيا والصين والهند.

 

ويعلق مصدر مسؤول في وزارة الخارجية المغربية، في تصريح لـ"العربي الجديد"، على هذا التوجه الجديد، بالقول، إن السياسة الخارجية للمملكة لم تتغير في العمق، وإنما توالي الوقائع التي استلزمت رداً حازماً وصارماً، جعل بعضهم يتحدث عن وجود تحولات في الدبلوماسية المغربية. ووفقاً للمصدر نفسه، فإن المغرب "لا يمكنه الصمت حيال تعرّض سمعته للإساءة من بعض الجهات، ووحدته الترابية للمؤامرات المكشوفة منها والخفية". ويلفت إلى أنه كان بالتالي من المنطقي أن يرد المغرب بكل الحزم الذي لديه، ولا سيما أن الأمر يتعلق بالقضية الوطنية الأولى عند المغاربة، أي ملف الصحراء.

 

من جهته يرى الخبير في العلاقات الدولية، سعيد الصديقي، أنه يتعين التمييز بين "دبلوماسية رد الفعل"، التي تستجيب لمبادرات ومواقف الآخرين، وتتفاعل مع الأحداث القائمة، وبين "الدبلوماسية الهجومية" التي تقوم على أخذ زمام المبادرة والفعل، والتي تستلزم وجود رؤية شاملة وواضحة للسياسة الخارجية، وهو ما يسمى "الاستراتيجية الكبرى". ويعتبر الصديقي، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن الدبلوماسية المغربية باتت تنتهج خطاباً حاداً، وتتخذ مواقف صارمة بشأن قضية الصحراء، لكنها لا تزال بعيدة عن مفهوم "الدبلوماسية الهجومية"، باستثناء بعض الفترات القليلة التي أظهرت فيها الدبلوماسية المغربية كفاءة عالية في اعتماد أسلوب استباقي وهجومي ناجح إلى حد كبير، مثل ما حصل خلال الفترة التي سبقت إصدار مجلس الأمن قراره الأخير حول الصحراء. 

ويوضح المحلل نفسه أن التراجع النسبي للنفوذ الأميركي في العالم وتخلّيه عن بعض حلفائه التقليديين، دفع بعض الدول العربية، ومن ضمنهم المغرب، إلى تعديل الخطاب السياسي اتجاه الإدارة الأميركية، ولا سيما بعدما ظهر للرباط غموض مريب لموقف واشنطن من قضية الصحراء، خلال السنتين الأخيرتين، على حد قوله. ووفقاً للصديقي، فإن هذا التغيّر في الخطاب "لا يعني بالضرورة وجود إرادة سياسية من المملكة تروم إلى الانقلاب على الحليف الأميركي، فقد يكون هذا التوتر السياسي بين البلدين مجرد سحابة صيف عابرة في انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة". 

 

حسن الأشرف

27/05/2016