انتخابات 4 شتنبر ممرٌّ آمن ومضمون للحسم في نزاع الصحراء

قام المغرب باعتماد تعاقد سياسي سنة 2011 ينص على اعتماد الجهوية كنهج يكفل بتفعيل مبدأ الديمقراطية التشاركية التي نصت عليها بنود دستور الفاتح من يوليوز 2011 . وقد تأخرت الحكومة الحالية مدة أربع سنوات لتقديم قانون الجهات، ونفس التأخير طال تقديم والمصادقة على القوانين التنظيمية للجماعات الجديدة وتحديد اختصاصات وسلطات هياكلها وكيفية انتخابها ومدة انتدابها وغيرها.

وبعد أن استكملت تلك الإجراءات وحصلت على المصادقات البرلمانية، وضعت موعدا زمنيا لإجراء الانتخاب لتلك الهياكل، وقد دشنتها بالانتخابات المهنية ثم الجهوية والجماعية في 4 من شتبر الحالي. وحددت أجل الثاني من أكتوبر المقبل أجلا لانتخاب مجلس المستشارين، الحلقة الأخيرة في مسلسل انتخاب المجالس النيابية المحددة في الدستور الجديد، والسؤال الذي نطرحه، أي فلسفة وغاية يريدها ويبغيها المغرب من هذه المبادرات الجديدة في علاقة بوحدته الترابية وسيادته على كافة أقاليمه؟

وتعتبر الإصلاحات التي أقدم عليها المغرب وتطبيقها العملي الحالي وخاصة المرحلة الثالثة الحالية، بعد انتخاب أعضاء الغرفة الأولى 2012 والانتخابات المهنية في السابع من غشت 2015 ، نقل للسلطة من المركز إلى الجهات إلى سكان الجماعات والجهات، ومنحهم حرية واستقلالية اتخاذ القرارات، وهو تحويل للسطة من خارج المحيط إلى المحلي والجهوي، أي إلى داخل المحيط، وهو ما يخول للسكان حق إدارة شؤونهم والتصرف في ثروات مجالهم وإقليمهم بالكيفية والأولويات التي يقدرونها.

و يشكل الاستحقاق الحالي تجسيدا لمبدأ الديمقراطية التشاركية، الذي جاء به الدستور الجديد، حيث يشارك المواطنون في تدبير الشأن العام، مثلما تشارك المعارضة مع الأغلبية، وفي حدود في تلك الإدارة، وهو الإطار الذي يورط جميع مكونات المجتمع ويجعلها مواطنة ومسؤولة، بحيث يجد الجميع دورا يقوم به ومسؤولية يضطلع بها وواجبا ملزم بأدائه، وهو الواجب والمسؤولية والالتزام الذين ارتفع وعي الناخبين به وبدوره فارتفعت نسبة أداء واجب وحق التصويت في المغرب، حيث بلغت 52,36٪.

إلا أن ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات بالمغرب، ولئن عمت كافة المكاتب والدوائر والجماعات والجهات، وكونها قاسما مشتركا بينها، فان منسوب الارتفاع يختلف من مقاطعة إلى أخرى ومن جهة إلى أخرى، ويبقى اللافت للانتباه هو القدر الكبير الذي بلغته في الجماعات والجهات بالصحراء، حيث ناهزت نسبة التصويت 65%، وهو ما استدعى الوقوف عنده لتوضيح دلالاته، وكذا الرسائل التي يتضمنها، والجهات الموجهة إليها، ثم دور العملية الانتخابية الحالية في إنجاح الحل والمقترح المغربي في الصحراء.

وهكذا، فإن انخراط سكان الجماعات والجهات في الصحراء، في كلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء والداخلة ووادي الذهب في العملية السياسية واندماجهم فيها، ناخبين ومنتخبين، حيث ناهزت وبلغت نسبة التصويت 65%، وقاربت في أوسرد لوحده 80%، وفاقت بذلك كل النسب في المغرب وتجاوزت كل التوقعات، يعطي دليلا قطعيا على رضائهم وقبولهم بها وإيمانهم الراسخ والمبدئي إنهم جزء من الكل المغربي غير القابل للتجزئة.

وهذه المسلمة و المعطى يؤكده أيضا مرور العملية الانتخابية برمتها في الأقاليم الجنوبية، بدءا بإيداع الترشيحات مرورا بالحملة الانتخابية فالاقتراع والتصويت وإعلان النتائج في ظروف وأجواء عادية وطبيعية، حيث انضبط كافة الفاعلين في العملية الانتخابية مرشحين ومنتخبين وإدارة وباقي المواطنين وأمثالهم لقواعد المنافسة الشريفة والتزام الإدارة بالحياد السلبي واتخاذها إجراءات جديدة لضمان النزاهة . وهو الاستنتاج الذي خلصت و تطابقت حوله تقارير الملاحظين للانتخابات، الذين واكبوا العملية حتى النهاية.

ويؤكد مرور الانتخاب في المغرب كافة وفي جهات الصحراء خاصة دون حوادث عنف تعكر صفوه وانخراط سكان الصحراء فيه فاعلين، تعبير عن إرادة صريحة حرة وغير مكرهة ولا لبس فيها برضائهم وقبولهم بها، في مقابل رفضهم لكل دعوات تحريضية وتغريرية مصدرها الجزائر والبوليساريو بالمقاطعة، وأن عدم انسياقهم مع ذلك وعدم تنفيذهم لدعوات المقاطعة، بل شاركوا فيه وتفاعلوا معه بكثرة تجاوزت المعايير الدولية، وسعوا إلى انتداب من يتولى شؤونهم وتنمية مجالهم، لدليل على إيمانهم بالنسق.

كما أن فوز حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، ككيانين سياسيين متجدرين في التاريخ، ورمزية الحركة الوطنية، يعتبر رسالة أخرى في حد ذاته، واضحة إلى كل من يهمه الأمر ويتدخل فيه أو يحشر نفسه فيه، مفادها أن الصحراء في مغربها. وأن نظام الجهوية الحالي تعبير عن سبقية تقرير أهل وسكان الصحراء والمغرب بتقرير مصيره، وأن الانتخاب الحالي لبنة وممر آمن ومضمون وموثوق به للحسم في مغربية الصحراء. لأنه نظام يعطي للساكنة حق تدبير شؤون أمورها بنفسها وبواسطة من تختاره عن طريق انتخابات، وتزيدها شرعية نسبة المشاركة المرتفعة.


صبري الحو
محام وخبير في القانون الدولي وشؤون نزاع الصحراء

07/09/2015