انفصاليو الداخل: لماذا المشاركة السياسية في الانتخابات المقبلة!!

لماذا يجب على ما يسمى بانفصاليو الداخل أن يفكروا بشكل جدي في المشاركة السياسية في الحياة العامة، و في الانتخابات الجماعية المقبلة؟

سؤال أصبح اليوم يفرض نفسه على الفاعل الصحراوي خاصة المصنف ضمن خانة ” انفصاليو الداخل”،من حيث أن المشاركة السياسية في الانتخابات المقبلة لها قيمة دستورية، مؤسساتية كبرى، مقارنة مع سابقاتها التي عرفها المغرب منذ أول انتخابات جماعية جرت بعد استقلاله، لها أهمية من حيث أنها تجرى اليوم في ظل عدة متغيرات اقليمية، دولية، داخلية سياسية كبرى تعطي لهذا السؤال راهنية مستعجلة لدى هذا الفاعل يمكن إجمالها في:

- هذه الانتخابات على الصعيد الدولي تجرى في ظل معطيات أساسية وجب أخذها بعين الاعتبار من طرف جماعة ”انفصاليو الداخل”، يظل أهمها ثلاث أحداث عرفها العالم مرتبطة بسؤال الانفصال و الاندماج و قيمة المشاركة السياسية في الحياة العامة، أولها فشل أطروحة الانفصال باسكتلندا و هو الفشل الذي أكد على أن الذهنية المتحكمة في الفاعل السياسي الأروبي خاصة المتاثر منه بالثقافة الديموقراطية الانغلفونية، الذي ظل لسنوات متبنيا لخيار الانفصال قد اعترف اخيرا بفشل هذا الخيار، و أقر بألا مستقبل للشعوب إلا في ظل استمرار العيش المشترك، و تنظيم واضح لعلاقة المركز بالمحلي، هذا الفشل الذي تعزز اروبيا في معقل الفكر الانفصالي عندما اتجه حاكم كتالونيا السنة الماضية لتنظيم استفتاء تقرير المصير، و هو الاستفتاء الذي لم ينظم بفعل رفض اروبي، اسباني،و اصطدام هذا التيار مع ترسانة دستورية و قانونية أنصاع اليها في النهاية ليتجه نحو تنظيم استفتاء رمزي فشل شعبيا، سياسيا في حشد أكبر عدد من المناصرين له، هذا التيار السياسي الذي رغم لعبه على وتر الانفصال عن إسبانيا فشل في تحقيق انتصار انتخابي بل مني بهزيمة سياسية، انتخابية نكراء بجهة كتالونيا حيث اتجه الناخبون للتصويت على من يطرح الحل ل مشكلاتهم الاجتماعية، لا السياسية، بالمقابل فالنموذج التركي في تجربة المشاركة السياسية للأكراد متجلية في حزب الشعوب الديموقراطيةالذي حقق في أول مشاركة انتخابية له نصرا ساحقا، وصف بالتاريخي و جعل منه رقما صعبا في الحياة السياسية التركية...

إننا هنا أمام ثلاث نماذج كلها أعلنت على منطق الانفصال، و أن لا حل في الأفق إلا الحل السياسي و مشاركة المتبنين لخيار و لفكرة ”الاستقلال” إلا بالمشاركة في الحياة السياسية العامة كخيار ديموقراطي، سيعزز من فرصة التعبير عن مطالب و مطامح الساكنة محليا، و تعزيز حضورها المؤسساتي على الصعيد الوطني، المركزي.

- على الصعيد الإقليمي: تجرى هذه الانتخابات بعد ما سمي بالحراك العربي، و هو الحراك الذي بدل أن يقوي من فرصة بناء نموذج ديموقراطي، تحرري بالمنطقة، أدى إلى دخول هذه الدول في تجربة قاسية، نتج عنها تشريد و تقتيل شعوب بأكملها، بل يمكن أن نسجل رغم هذه الحروب، و ما تبعها من دمار بالمنطقة رفض هذه الشعوب الانسياق وراء فكرة التقسيم، بل متشبثة برغبتها الملحة في وحدة أوطانهم و شعوبها رغم كل الاختلافات الدينية، الثقافية، الإثنية المتواجدة بهذه الدول.

-على الصعيد الداخلي: تجرى هذه الانتخابات في ظل دستور ما بعد حراك 20 فبراير و هو الدستور الذي أسس لفكرة الجهوية الموسعة، بل ذهب أبعد من ذلك عندما اعترف و دسترة المكون الثقافي الحساني، الذي أصبح إلى جانب الثقافة العربية، الأمازيغية مكونا ثقافيا اصيلا، و اقرارا دستوريا لهذا التنوع، و الاختلاف الثقافي، الذي و بلا شك لابد و أن ينعكس على مؤسسات البلد.

لذلك يظل هذا الدستور، مقارنة مع سابقيه من حيث الاعتراف بالمؤسسات المحلية سياسيا، ثقافيا، مؤسساتيا..ثورة حقيقية، تؤسس لانتقال المغرب من مغرب المركز إلى مغرب الجهات المتعددة، المتضامنة، المتنوعة، التي أعطت لخيار اختيار الناخبين لممثليهم محليا، جهويا، نوعا من الرقابة الشعبية المباشرة على مختلف مؤسسات الجهة.

ليس فقط، هذه العناصر الثلاث ما يمكن أن تجعل من هذا الفاعل أن يفكر بشكل جدي إلى تدارك نفسه، و أن يقرر بشكل جريء المشاركة السياسية في الحياة العامة، تكون الانتخابات المحلية المقبلة بوابتها، بل هناك عدة عناصر أخرى مرتبطة أساسا بملف الصحراء نفسه و هما عنصري:

- الاعتراف الأممي بالحكم الذاتي كحل سياسي، و كأرضية جدية قابلة للتفاوض، و خيار بديل عن خيار تقرير المصير الذي سبق لأحد مبعوثي الأمم المتحدة أن أقر بصعوبة، بل باستحالة تطبيقه للاعتبارات التي ضمنها في استقالته، يتعلق الأمر بالهولندي فان والسوم، و هي النزعة التي تعززت في تقرير الامين العام للأمم المتحدة الأخير الذي أكد على ألا حل حقيقي في الأفق إلا الحل السياسي الذي يظل هو مبادرة الحكم الذاتي، التي لولا استجابتها لفكرة و منطق تقرير المصير، و لما لها من ضمانة تحققها لسكان المنطقة من تدبير شؤونهم محليا بمعزل عن سلطة المركز، لما حازت على هذا الاعتراف الأممي و الدولي.

- قرار 2218 لمجلس الأمن الصادر هذه السنة الذي أسقط كل الأوراق التي كانت تراهن عليها البوليساريو في صراعها مع المغرب، خاصة على مستوى القطع نهائيا مع مطلب توسيع مهمة المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، نظرا للآليات الوطنية الجدية التي اكسبت لها و لعملها مصداقية دولية، ووطنية ”“المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، كذا محاولات يائسة لطرح قضية الثروات الطبيعية التي لا حلها إلا في ظل الجهوية الموسعة و الحكم الذاتي.

إن اللحظة التي تمر منها المنطقة، خاصة و أنها تسجل في كل استحقاق نسبة عالية من المشاركة السياسية في جل الاستحقاقات السابقة، تجعل من ضرورة أن يفكر هذا ”التيار” في مصلحة المنطقة و سكانها، فوق اي اعتبار سياسي، او حساب ضيق كضيق الافق ابذي وضعوا انفسهم فيه، مشاركتهم السياسية اليوم ستشكل مخرجا مشرفا لهم و لما قدموه في سبيل الفكرة التي لطالما آمن بها، و سيعفيهم من الاختباء المتكرر و المفضوح وراء خطاء حقوقي زائف، كما أن انخراطهم الإيجابي سيمكنهم من ان يكونوا في قلب معركة تنزيل الجهوية الموسعة على أرض الواقع، التي تظل بالنسبة لمنطقة الصحراء مقدمة للمشروع الكبير ألا و هو الحكم الذاتي، الذي إما أن يكونوا جزءا منه بالتالي من الحل السياسي، و إما أن أي تأخر عن المواكبة و عن الانخراط في هذا الإصلاح سيزيد من تقديم حجمهم، و من فصلهم عن واقع المنطقة، و عن حركيتها،و لن يجدوا أنفسهم إلا تابعين، و ذيليين للبوليساريو و لقيادتها.

نوفل البعمري