بنيس يستعرض معالم "الانتصار الدبلوماسي" للمغرب في الصحراء

اعتمد مجلس الأمن، يوم الثلاثاء، قراره الجديد الذي تقرر بموجبه تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المينورسو، لسنة إضافية حتى نهاية أبريل 2016.

وضد طموحات ومساعي الجزائر وحلفائها سواء في الاتحاد الإفريقي أو داخل مجلس الأمن، جاء هذا القرار خالياً من الإشارة إلى الحاجة لإنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء ومخيمات تندوف، واكتفى بنفس لغة السنة الماضية.

ورغم أن القرار لم يأتِ بجديد واكتفى بدعوة الأطراف إلى التحلي بالجدية والواقعية من أجل التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه ومقبول من طرف المغرب والبوليساريو، إلا أنه نوه مرةً أخرى بالجهود التي قام بها المغرب خلال السنتين الأخيرتين في مجال حقوق الإنسان، والتي تجلت في إصلاح نظام القضاء العسكري وانضمامه للبروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب. كما كرر الدعوة إلى الحاجة لإجراء تسجيل في مخيمات تندوف.

ولعل ما يعطي لهذا القرار طعم الانتصار الدبلوماسي للمغرب هو:

أولاً: السيرورة التي جاء فيها على ضوء التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة عن الحالة فيما يتعلق بالصحراء، الذي جاء بنبرة إيجابية لصالح المغرب، إذ، على خلاف عامي 2013 و2014، لم يوصِ الأمين العام بتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، كما أكد على الحاجة لإجراء إحصاء لساكنة مخيمات تندوف.

وبالتالي، فإن القرار 2218 يحبط ويضرب بعرض الحائط كل المحاولات الجزائرية لتغيير العملية السياسية عن مسارها الصحيح وعن الهدف الرئيسي والمتمثل في التوصل إلى حل سياسي دائم ومقبول من الطرفين.

وهناك احتمال كبير أن يكون تقرير الأمين العام لهذه السنة وقرار مجلس الذي تلاه بمثابة رسالة قوية من مجلس الأمن للجزائر وحلفائها بأن الأمم المتحدة لن تحيد عن التركيز عن الأهم في النزاع حول الصحراء وهو التوصل لحل سياسي مبني على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وبالتالي الابتعاد عن كل تسييس لمسألة حقوق الإنسان.

النقطة الثانية: هي أن هذا القرار جاء في ظل الضغوط التي حاول أن يمارسها الاتحاد الإفريقي على الأمين العام لدفعه إلى التوصية بإنشاء تلك الآلية، وكذلك بالإشارة إلى ضرورة حماية الثروات الطبيعية في الصحراء، وبتوصية مجلس الأمن بإجراء مراجعة شاملة للعملية السياسية إذا لم يتم تحقيق أي تقدم، على غرار ما جاء في تقرير الأمين العام حول الموضوع في شهر أبريل 2014.

وقد كانت هذه من ضمن المطالب التي خرج بها اجتماع مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الإفريقي يوم 27 مارس الماضي، والتي أرسلها إلى الأمين العام للأمم المتحدة قبيل إصداره لتقريره السنوي عن الحالة فيما يتعلق بالصحراء.

فعلى الرغم من كل الجهود التي قام بها الاتحاد الإفريقي للـضغط على الأمين العام للعب دور في النزاع، إلا أن مساعيه قوبلت بالرفض من طرف هذا الأخير ومن طرف أعضاء مجلس الأمن. ولعل خير دليل على ذلك أن الرسالة التي وجهها ممثل الاتحاد الإفريقي لدى الأمم المتحدة للأمين العام يوم 30 مارس الماضي، والتي طلب منه تعميمها على أعضاء المجلس، لم يتم تعميمها حتى يوم 7 أبريل الجاري، كما أن طلبه بالمشاركة في جلسة لمجلس الأمن بخصوص النزاع لم يتم الرد عليها من طرف المجلس.

أما النقطة الثالثة التي تظهر مدى الأهمية الخاصة لقرار هذه السنة هي أنه على الرغم من المناورات التي قام بها حلفاء الجزائر والبوليساريو خلال المفاوضات لتغيير لغة القرار لتتماشى مع موقفهما، فإن محاولاتها باءت بالفشل.

ولعل لهذا القرار دلالة سياسية كبيرة، خاصةً وأنه جاء في ظل تواجد ثلاثة أعضاء في مجلس الأمن معروفون بمعاداتهم للمغرب في قضية الصحراء، وهم نيجيريا وفنزويلا وأنغولا.

فعلى على الرغم من عدم وجود المغرب في المجلس، إلا أنه استطاع الحيلولة دون خروج العملية السياسية عن مسارها الصحيح. ولعل المفارقة التي توضح نجاح المغرب في هذه الفترة بالمقارنة مع سنتين من قبل هو أن مشروع القرار الذي تقدمت به أمريكا في أبريل 2013 جاء في وقت كان فيه المغرب عضو غير دائم في مجلس الأمن، بينما هذه السنة على الرغم من عدم تواجده في المجلس إلى أنه نجح في إحباط كل محاولات الخصوم، وهو ما يظهر أن الدبلوماسية أصبحت ناجعة وفعالة أكثر من أي وقت مضى.

أما النقطة الرابعة فهي البيان الذي أدلى به نائب المندوب الدائم لفرنسا لدى الأمم المتحدة عقب اعتماد المجلس، والذي عبر فيه بشكل صريح عن دعم بلاده لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب عام 2007، بالإضافة إلى تأكيده على ضرورة إجراء استفتاء في مخيمات تندوف، بالإضافة إلى تنويهه بالجهود التي بذلها المغرب في مجال حقوق الإنسان في الصحراء.

ولعل هذا الموقف الفرنسي المعروف والمتجدد يعتبر انتكاسة كبيرة للجزائر والبوليساريو، خاصةً وأنه جاء بعد سنة من التوتر في العلاقات بين الرباط وباريس، وهو التوتر الذي حاولت الجزائر أن تستغله لصالحها دون جدوى.

جهود المغرب بدأت تعطي ثمارها

إن عدم إشارة القرار الجديد لمجلس الأمن وتقرير الأمين العام إلى ضرورة إنشاء آلية لحقوق الإنسان في الصحراء لم يكن ليتأتى لولا تغيير المغرب للهجته تجاه الأمم المتحدة خلال السنة الماضية، وكذلك اللغة الحازمة للملك محمد السادس في خطاباته الأخيرة.

ليس هناك شك أن الأمم المتحدة لم تكن لتراجع موقفها، بخصوص التأكيد على أهمية مسألة حقوق الإنسان في النزاع والابتعاد عن تسيس هذا الموضوع لولا الموقف الحازم الذي اتخذه المغرب في القترة الأخيرة، حين أخبر الأمين العام أنه لن يستقبل مبعوثه الشخصي ما لم يقم كتابةً بتحديد مهامه بشكل صريح والطريقة التي سيقود بها وساطته.

وقد ظهر موقف المغرب بشكل أكثر صلابة خلال الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة الذكرة التاسعة والثلاثين للمسيرة الخضراء في شهر نونبر الماضي، حينما تكلم بنبرة قوية وقال إن الصحراء مغربية وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن الحكم الذاتي هو أكثر ما يمكن للمغرب أن يقدمه من أجل التوصل لحل سياسي ومقبول من الطرفين.

ولعل المكالمة الهاتفية التي أجراها العاهل المغربي مع الأمين العام يوم 22 يناير الماضي لخير دليل على أن هذا الأخير أخذ الموقف المغربي بمحمل الجد. وقد ظهر ذلك في البيان الذي تم نشره من قبل الناطق الرسمي للأمين العام، والذي قال فيه بأن بان كي مون أعطى تطمينات للمغرب بخصوص عدم إدخال أي تغيير على صلاحيات المينورسو. وقد فتحت هذه المكالمة الهاتفية الطريق لرجوع روس إلى المنطقة وافتتاح كيم بولدوك لمهمتها على رأس بعثة المينورسو.

تحول في نهج الأمم المتحدة حول الصحراء؟

على خلاف التقارير الصادرة عن الأمين العام عامي 2013 و2014، جاء تقرير هذه السنة مخيباً للآمال بالنسبة للجزائر والبوليساريو. وقد نزل هذا التقرير كقطرة ثلج على خصوم الوحدة الترابية للمغرب، مما دفع بمحمد عبد العزيز، زعيم الانفصاليين، إلى توجيه رسالة إلى الأمين العام اتهمه فيها بالتحيز للمغرب والخروج عن إطار قرارات الأمم المتحدة بخصوص تقرير المصير في الصحراء. كما هدد بإعادة النظر في تعاونه مع الأمم المتحدة في حال انحازت الأمم المتحدة لصالح المغرب.

ولعل هذا القرار جاء ليعزز مخاوف البوليساريو والجزائر من انصياع الأمم المتحدة لضغوطات المغرب وصرف نظرها عن الاستفتاء. وهنا أتوقع سيناريوهين اثنين: الأول متفائل جداً وهو أن يقوم كريستوفر روس بالضغط على البوليساريو والجزائر لإقناعهما بالبناء على مخطط الحكم الذاتي المغربي واعتباره أرضية للحوار. وبالتالي، الابتعاد عن فرضية حل النزاع عن طريق الاستفتاء بالطريقة التي تريدها الجزائر والبوليساريو.

وبالتالي، ستكون الأمم المتحدة قد أخذت بعين الاعتبار استنتاجات العديد من المحللين ومن مراكز الأبحاث، التي دعتها إلى التخلص من تناقضها ومن تركيزها الذي يبلغ درجة الهوس على تطبيق المفهوم التقليدي لتقرير المصير في نزاع الصحراء.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعيةً على الأقل بالنسبة للسنة القادمة، وهو أن يستمر روس في القيام بجولاته في المنطقة وعقد اجتماعات مع الأطراف المعنية دون تقديم أي مقترح ملموس يمكنه أن يمهد الطريق لاستشراف حل على المدى المتوسط.

ومن ثم أعتقد أنه على المغرب أن يستثمر المكاسب التي حققها خلال هذه السنة لإقناع الدول المؤثرة في مجلس الأمن بضرورة تكييف مفهوم تقرير المصير مع المتغيرات الجيوستراتيجية للمنطقة، والإقرار بأن المقترح المغربي للحكم الذاتي يجب أن يكون هو اللبنة الأساسية لكل عملية سياسية جدية تهدف إلى وضع حل لهذا النزاع.

كما أنه على المغرب أن يكثف من جهوده لكسب تعاطف دولي أكبر مع موقفه المشروع، خاصةً في افريقيا وأمريكا اللاتينية، التي لا تزال فيها العديد من الدول تدعم أطروحة البوليساريو وتعترف بما يسمى بالجمهورية الصحراوية الوهمية.

د.سمير بنيس
محلل سياسي وخبير في ملف الصحراء
رئيس تحرير موقع Morocco World News

30/04/2015