بين المغرب والجزائر… مرة أخرى

الإعلام الجزائري الرسمي غاضب من الخطاب الأخير للملك محمد السادس بمناسبة المسيرة الخضراء..هذا الخطاب الذي توجه لأول مرة برسائل مباشرة إلى الجزائر باعتبارها صاحبة المسؤولية الأولى في احتضان الفكرة الانفصالية تحت غطاء تقرير المصير، كما توجه إلى بعض الصحراويين في الداخل الذين اعتادوا منطق الابتزاز والريع نتيجة سياسة خاطئة اعتمدها الراحل الحسن الثاني ونفذها الراحل إدريس البصري، بالإضافة إلى دعاة الانفصال بأن سقف المبادرة المغربية هو نظام الحكم الذاتي بصلاحيات موسعة، كما توجه إلى الأمم المتحدة بخطاب صريح وواضح بأن الصحراء جزء من المغرب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..

والحقيقة أن المغاربة بمختلف تلويناتهم الذين ضحوا بأموالهم ودمائهم في سبيل تحرير الصحراء المغربية من الاستعمار الإسباني كانوا ينتظرون هذا الخطاب منذ زمن طويل، وذلك قصد وضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها الحقيقية..
المغاربة يزدادون اقتناعا كل يوم بأن الطبقة الحاكمة في الجزائر، لا تقدر مصلحتها الحقيقية ولا مصالح شعبها ولا مصلحة شعوب المنطقة في ظرفية دقيقة مثل الظرفية التي تمر منها المنطقة اليوم..
الجميع بات مقتنعا بالوجه الحقيقي لسياسة الطبقة المتنفذة في الحكم في الجزائر وهي سياسة عدائية واضحة، والذي طالما حاولت القيادة الجزائرية إخفاءه بتصريحات ماكرة ومضللة سعت من خلالها الظهور بمظهر البلد الحريص على توثيق علاقات حسن الجوار وصيانة وحدة المصير المغاربي المشترك، كما هو الحال في العبارات الرقيقة التي بعث بها عبد العزيز بوتفليقة إلى الملك محمد السادس مهنئا له بعيد الاستقلال..
طبعا، الجزائر التي تحتضن جبهة البوليساريو الانفصالية فوق أراضيها لم تكن يوما ما محايدة في ملف الصحراء وإنما كانت طرفا أساسيا في هذا الملف ودعمت فكرة الانفصال بالمال والسلاح، كما وضعت خبرتها الدبلوماسية في خدمة أطروحة الانفصال.
هل معنى ذلك، أنه ليس من حقنا أن نحلم بمغرب عربي كبير؟
مقومات التكامل بين بلدان المغرب العربي موجودة رغم سيادة العديد من العوامل المسؤولة عن إخفاق التكامل في المنطقة أهمها راجع إلى طغيان الخلافات السياسية الثنائية، لكن التحديات الاقتصادية والسياسية ومواجهة معضلات الفقر والبطالة وتحدي الإرهاب ومخاطر التجزئة التي تهدد بعض البلدان مثل ليبيا باتت تفرض على كل العقلاء التفكير بمنطق مختلف وتجاوز الحساسيات السياسية القديمة..
من المؤكد أن العلاقات البينية المغاربية لم تشهد استقرارا منذ استقلال دول المغرب العربي ، فالعلاقات في الفترة الفاصلة بين بداية الستينيات ومنتصف السبعينات، شهدت مواجهات عسكرية وقطيعة دبلوماسية بين المغرب والجزائر، وبعد ثمانينيات القرن الماضي لم تكن العلاقات الجزائرية الموريتانية على ما يرام، بل أكثر من ذلك دخلت المنطقة في سياسة المحاور بعد توقيع المغرب لاتفاقية التعاون العربي الإفريقي بين المغرب وليبيا سنة 1984. وبالتالي فإن العلاقات لم تكن بأحسن حال قبل الإعلان عن ميلاد اتحاد المغرب العربي سنة 1989.
وإجمالا، إذا كان تأسيس اتحاد المغرب العربي مدعاة لتطبيع العلاقات الثنائية مغاربيا، فإن هذه العلاقات لا تزال تتأرجح بين استمرار رواسب الغموض، والتشكك والحذر بسب طغيان الخلافات السياسية.
ومرة أخرى نؤكد أن تعثر مشاريع التحول الديمقراطي في المنطقة ـ مع تفاوت بين دول المغرب العربي على هذا المستوى ـ كان له الأثر البليغ على فشل مشروع الوحدة المغاربية، ذلك أن الخلاف ليس بين الشعوب ولكنه خلاف بين الأنظمة السياسية الحاكمة.
غير أن التطورات السياسية السريعة التي شهدتها المنطقة بعد اندلاع دينامية الربيع العربي، وبعد سقوط نظامين دكتاتوريين في المنطقة، وبعد التحولات السياسية الواضحة في المغرب، كانت تنبئ بإمكانية حلحلة هذا الملف من جديد.
وهكذا تابعنا اللقاءات والخطابات المتعددة للرئيس التونسي منصف المروزوقي حول ضرورة بناء الاتحاد المغاربي، هذه الجهود اصطدمت بإرادة معاكسة للجزائر التي لازالت تعيش تحت قبضة العسكر منذ إيقاف المسار الديمقراطي في بداية التسعينيات، وهو ما يعطينا الحق لوضع الفرضية التالية: إن تحقيق الوحدة المغاربية رهين بالانتقال الديموقراطي في الجزائر..
في انتظار ذلك فإن تكلفة اللامغرب العربي الموحد تبقى في ارتفاع مستمر..
فبالرغم من توفر المغرب العربي على الإمكانات الاقتصادية الملائمة لقيام وحدة اقتصادية، فإن الاتحاد الأوروبي لازال يستحوذ على النصيب الأكبر من التجارة الخارجية لدول المغرب العربي.
وتجدر الإشارة إلى أن قلة تنوع اقتصاديات المنطقة يشكل عقبة أمام تنشيط التجارة البينية ويجعلها متذبذبة حسب التقلب الحاصل في التجارة الخارجية، وهو ما استغلته أوروبا لفرض شروطها في اتفاقياتها مع دول المنطقة مما أدى إلى انخفاض المبادلات التجارية البينية المغاربية وغياب أي تشجيع ملموس للاستثمارات البينية المغاربية وضعف هياكل المبادلات التجارية..
إن كل هذه العوامل مجتمعة، أسهمت في غياب أجواء ملائمة لقيام تعاون اقتصادي متكامل بين أقطار المغرب العربي لمواجهة تحديات المنافسة الأوروبية والعولمة الاقتصادية التي اشتد تأثيرها بعد انتهاء الحرب الباردة ومع اشتداد الأزمة المالية العالمية.
إن التوتر الأخير المغرب والجزائر يخفي وراءه صراعا جيوستراتيجيا يتجاوز الخلافات السياسية البينية المرتبطة بعقدة الصحراء، وهكذا يمكن اعتبار الموقع الجيوساسي المتميز للمغرب العربي كجزء من شمال إفريقيا، وحوض البحر الأبيض المتوسط وقربه من أوروبا وامتداده جنوبا نحو القارة الإفريقية، بمثابة محددات رئيسية في إدراك حجم التفاعلات الإقليمية في المنطقة حاليا، سواء تعلق الأمر بالجوار الأوروبي أو بالمنافسة الأمريكية الأوروبية للحصول على مواقع النفوذ أو ما يرتبط بالحوار مع منظمة شمال الحلف الأطلسي (الناتو) وأخيرا ما يتعلق بمسلسل التقارب مع إفريقيا جنوب الصحراء عبر آلية المبادرة الإفريقية الجديدة للتنمية المعروفة اختصارا – بالنيباد- أو عن طريق التجمع الإقليمي الجديد الذي يضم دولا من المغرب العربي والساحل والصحراء والذي يطلق عليه تجمع (سين- صاد) أو مجموعة الساحل والصحراء..ومن المؤكد أن مضاعفة تركيز المغرب على العمق الإفريقي في سياسته الخارجية في السنوات الأخيرة يمثل إزعاجا حقيقيا للساسة الجزائريين..
من خلال ما سبق تتضح حجم المصالح المشتركة بين دول المغرب العربيٍ، وتبرز الإمكانيات الموضوعية والمؤشرات العملية التي بإمكانها-إذا توفرت مجموعة من الشروط-أن تسهم في تحويل منطقة المغرب العربي إلى قوة إقليمية ذات رهانات استراتيجية كبرى. بالنظر إلى المؤهلات الاقتصادية والثروات المعدنية والموقع الجغرافي الذي تتميز به المنطقة، فضلا عن القوة الديموغرافية الهائلة.
مع استحضار حجم المعوقات والتحديات والرهانات الجيوسياسية التي تستهدف المنطقة.
فهل يمكن الرهان على شعوب المنطقة لتحطيم الحدود التي وضعها الاستعمار؟ علينا أن نتذكر بأن جدار برلين حطمته الشعوب وليس الأنظمة..وفي ذلك عبرة لأولي الألباب..

عبد العالي حامي الدين
أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي

21/11/2014