البارحة عدت من إفران، بعد أن زرت أختي المقيمة هناك. توقفت الحافلة في المحطة الطرقية بطنحة، تمكن مني التعب، وفي رأسي دوخة لن يقتلها إلا نوم ساعة أو ساعتين، لكن الوقت تجاوز وقت صلاة العصر. وقفت الحافلة بعد خمس ساعات حافلة بالتعب والعرق و صداع الرأس. كنت أجلس في الكرسي رقم 37. صاحب الكيشي، ذلك الرجل الستيني المليء البدن وذو اللحية الكثة الراقدة على خديه الممتلئين اللذين ابتلعا أنفه الصغير وعينيه اللتان بديتا لي كتقبين يخترقان بالونا ليس إلا، أخبرني بصوت رقيق أنثوي أن الكراسي مرقمة، فأومأت بالرأس أني فهمت قصده، رغم أنني لا أحبذ الجلوس في الكراسي الخلفية للحافلة الموجودة فوق المحرك مباشرة، خصوصا إن لم يكن ذلك من اختياري. كان ذلك بعد أن استقللت سيارة أجرة كبير من إفران نحو مكناس.
كانت الحافلة مهترئة، فالكراسي التي تبدو أنها حمراء اللون فقدت لونها، والمساند بعضها تكسر وبعضها تفسخ لونه الرمادي وصدأ، بينما البعض الآخر ما يزال يقاوم همجية بشر العالم الثالث. من النساء من كن يحملن أجنة صامتة تحملق بأعينها الصغيرة، لا تدري من تكون أو من أولئك الملاعين اللذين أحضروهم لهذه الحرب. رنات الهواتف اختلطت بأغاني شعبية في مزيج تنبذه النفس، ورائحة البيض المسلوق والقيئ، وضجيج أطفال في مقدمة الحافلة ينشدون بصوت يثقب طبلة الأذن مرة أناشيد مدرسية ومرة أغاني الشاب خالد، بينما فتاة ذات سبع سنوات تقريبا، كانت برفقة والديها الذين كانا يجلسان خلفي مباشرة، كانت تردد باستمرار الأبيات الأربعة الأولى من النشيد الوطني.
ربما أزعجوا سائق الحافلة الذي انقسم ظهره فوق كرسي مسه الكلل شأن كل من في الحافلة، بيد أنه لا يتوافر على الجرأة الكافية ليطلب منهم الصمت، أو أن ينشدوا ما شاءوا شريطة أن يحترموه، ويخفضوا من صوتهم.
توقفت الحافلة وسط المحطة الطرقية، بعدها تسرب الركاب واغلبهم نساء وأطفال من الباب الخلفي، كما لو كانوا حمما بركانية تتسرب من أعلى جبل، بدا التعب على ملامحهم، لكنهم وصلوا بالسلامة ولم تنقلب بهم الحافلة ولم يعدموا حرقا باصطدام ناقلات النفط بالحافلات في طرقنا المغربية المهيكلة هيكلة. عندما هممت بالنزول، كانت ورائي شابة أم لطفلين، الأول ذو عامين تقريبا، الذي يشير بدنه الصغير المتكوِّم إلى اقل من ذلك، ابتسمت في وجهه الصغير المغبر ولم يرد الابتسامة، ساعدته على النزول في صمت ورائحة البراز تكاد تقتلني، فتيقنت من تعبه الصغير الذي سيتفحل، ومن تعب أمه وأخته ذات السبعة أشهر ووالده الغائب.
عبرت سربا من الناس، كل منهم كان يتكلم بلهجته التي يراها أم اللغات، لا تنازلات ولا إصغاء للآخر، الكل يثرثر. تجاوزت المتاهة البشرية ومتاهة الحافلات المتوقفة المنتظرة دورها بينما تحمل في بطونها البشر والنفط والأمتعة. خرجت من الباب الرئيسي، وناديت على سيارة أجرة.
حومة الشوك من فضلك.
أومأ سائق سيارة النقل الصغيرة بالرأس بما يفيد الإيجاب.
طنجة، إنها طنجة، اشتقت إليها، إلى عبيرها، وبحرها.
بعد هنيهات، توقف السيارة أمام مقهى باسم، ترجلت من السيارة وانتظرت حتى فرغت الطريق، فعبرتها متوجها إلى المنزل، مررت عبر السويقة وحيّيْن آخرين عن يميني عند منتهاها، ولما بلغت المنزل فتحت الباب وشهقت شهقة ظننتها شهقة الموت، ففتحت الباب ودخلت، وكان النور مشتعلا في الغرفة التي يشغلها واحد ممن كانوا شركائي في السكن، أما الآخر الذي أقتسم الغرفة الأخرى معه، فقد كان غائبا كعادته.دخلت دون أن ألقي التحية، ودلفت إلى الغرفة غرفتي ووضبت مرقدي البسيط، ثم أطفأت النور واستلقيت على ظهري. دوخة وتعب، النوم هجرني، فقد مر وقت صلاة العصر، ولست في حاجة إلى غضب على تعب. قررت أن أخرج وأتنشق القليل من الهواء الملوث لا محالة. تناولت شطيرة بيض مقلي مرفقة بالخص والجزر والزيتون والبصل، ثم اتجهت نحو المقهى، فطلبت فنجان قهوة وسيجارة أُحرّقني بها، واستللت قلمي من جيب قميصي الأصفر فاسترسلت في الكتابة لأهدأ نفسي مستنشقا ريح المداد كمن يستنشق الأوكسيجين من قننينة وسط المحيط.
مرت الليلة كسابقاتها، نوم وأحلام وأوهام وغطاء تعانقه رغبة منك في ربط علاقات عاطفية مؤقتة. ألم يقولوا إن الإنسان حيوان ونتاج عملية حيوانية. مرت الليلة دون أن يغمض لي جفن. فجأة بدأت أسمع، من المنزل المجاور، صوت يدين تحضران خبزا، فعلمت أن الساعة ربما تتراوح بين التاسعة والعاشرة صباحا، وقتذاك تذكرت أمي، في تلك الصبيحات الربيعية، عندما كانت تنادي علي لأستيقظ كي أتناول وجبة الفطور ورائحة خبزها ورائحة الشاي المنعنع يبعثان الأمن والاطمئنان في نفسي. كنت أشعر أن لي عائلة. كنت أحب سماع والدي حين ينحنح عندما يعلق شيء من الطعام في حنجرته، وبعدها يناديني: مُحْمّادّْ استيقظ يا بني فالساعة تقارب العاشرة صباحا. وتقول أمي نْكَرْ أيوي أتفضرت مَحَدْ إحْمَا أغروم أي استيقظ يا بني لتتناول فطورك قبل أن يبرد.
أتذكر أمي وأبي فتعلق دموعي في جفناي وتترقرق من حيث لا أريد. ألم يخبرونا أن دموع الرجل ضعف ووهن واستسلام. لا والله من بكى لهو القوي العزيز. فمن يبكي يحس ومن أحس فهو إنسان.
بعد أن تذكرت حنان أمي ورأفة أبي رق قلبي، فانشق وتصدع وحرر هذه الأسطر. أنا الآن أكتب وأكتب وأكتب... لأنني مشتاق لأمي وأبي...
بريشة محمد أرسلان

14/06/2016